المحاذير من مساعي تمديد المرحلة الأولى من اتفاق الإطار هي أن تعلق غزة في هذه المساحة العازلة، ويصبح انغلاق الأفق السياسي المنظور مصلحة مقبولة للجميع؛ للإفلات من استحقاقات اليوم التالي. فيما تصير عملية التفاوض حول الأزمة الإنسانية وتطبيعها مجرد إدارة آمنة للجمود السياسي.
مشاعر الحزن التي ألمت بأهالي رفح حين عودتهم للمدينة المدمرة شابهت مشاعر أهالي خانيونس عقب تدميرها. وعودة النازحين إلى شمال غزة ستكون هي المرة الأولى التي يلتقوا فيها بمدن الركام ويحتكوا بواقعها ويعايشوها. هي حقّا صدمة إنسانية مدوّية، غارقة بمشاعر الأسى والتيه.
عملية إعادة الإعمار في غزة تحتاج لسنوات وعقود، ويجب أن تبدأ ترتيبات الإيواء عبر إنشاء تعاونيات تضمن للسكان حياة كريمة وتضعهم على مسار عجلة -اقتصاد التعافي- على غرار تجارب مقارِبة، بدل الهدر وتعطيل عجلة الإنتاج الاجتماعي، وإبقاء المجتمع مركوناً لاقتصاد المعونات والريع الإغاثي.
عودة السكان إلى ديارهم واحتكاكهم بالبنية التحتية المتبقية، دون دراسات هندسية وجيوفيزيائية تفحص مدى تخلخل التربة وحالة المنازل القائمة والآيلة للسقوط جراء موجات التخميد السلبي الناجمة عن الانفجارات، يعني أن ثمة مخاطر حقيقية ستبقى تهدد حياة الناس اليومية.
مسألة إيجاد مكبات لتشوين الكم الهائل من الركام والذي يوازي حجمه 12 ضعف الهرم المصري الكبير تشكل تحديا، وهي تخضع لشروط مدى قربها من مواقع الحطام، وعدم تسرب الملوثات إلى التربة، ومعدلات انتشار الغبار، والذي قدر افتراضيا بانبعاث 630 طن من co2 وهذه مشكلة بيئية وصحية تهدد المنطقة.
خلفت الحرب على غزة قرابة 50 مليون طن من الركام غير النظيف، والذي يحوي (10-14%) من المخلفات غير المنفجرة من مجمل القذائف التي ألقيت على غزة والتي تقدر ب90 ألف طن، إلى جانب أكثر من 800 ألف طن من الأسبستوس المسرطن، و270 ألف طن نفايات عضوية إلى جانب مخلفات المستشفيات بالغة الخطورة.
يغيب الكلام السياسي بشكل شبه تام في اتفاق وقف النار بغزة بمراحله المتعاقبة، وحين تعطل السياسة فإن هذا المكان يكون قد ترك لمصيره المجهول، بين اللا حرب واللا هدوء، اللا موت واللا حياة. حين تنسحب آخر مجنزرة هنالك في الأفق، سيكون الفراغ بحرا تلطم أمواجه جزيرة الركام بالمآسي والنكبات.
"صوملة غزة" لم يكن إجراء وإنما نهج صمم لدوامه، بدءا من تغييب مظهر النظام ودلائله، وإنهاك المجتمع وتفكيكه وبعث أرواح -الجنرال عيديد- في كل مكان. هذا النهج تحديدا هو جسر العبور إلى المعزل. إما أن يجد المرء رغيف الخبز بممالأة أمراء الحرب أو أن يتلقفه من نافذة الطعام في باب الزنزانة.
تؤرقني الذكرى.. تلاحقني في كل مكان. أبحث عنكم في وجوه الناس وظلال الغيوم، في أحلامي وذكرياتنا، في منسك أمي ونهنهة تهجدها. أتوه ولا أعرف للدرب طريق، أسير مثخنا بالطعنات وها ذا أنا بروح ممزقة، تتقاطر أسى وغربة.
يا خواتي يا حبابي تعالوا لو مرة.. وطيّبوا الخاطر
كانت أختي إيمان تعد العشاء الأخير حين قتلتها إسرائيل. وعاشت عائلتها فيما تبقى من بيتها المدمر قبل أن تعاود إسرائيل قصفه لتقتل خمسة منهم. وحين شيد زوجها وبقية أبنائها خيمة فوق الركام عادت لتقتل خمستهم، ليلتحقوا اليوم بأمهم وزوجاتهم وصغارهم.
بدري يا خال بدري يا أودع الناس وأصبرهم
ليست خياما وإنما خرق بالية. ليست مآوي وإنما معازل. ليس ساحلا بحريا وإنما جبهة حصار. ليس فصل شتاء كأي شتاء وإنما كارثة إنسانية جارفة. ليست سيولا وإنما خليط من الملوثات القاتلة. ليست مخيمات عشوائية وإنما عشرات الحفر الطينية التي ستنضح بخيام النازحين مع أول منخفض جوي.
كان الله بعون أهل الخيام من النازحين هذا الصبح، تساقط الأمطار لساعة أغرقهم، وأثقل كاهلهم بالهم والألم، لا أعرف ماذا سيفعلون عندما ندخل فصل الشتاء ببرده القارص، وأمطاره العاصفة، وهم يدخلون عامهم الثاني في الخيام، لنا الله.
نقل -مركز الثقل- العسكري والسياسي للحرب خارج غزّة، يعني أنّ إسرائيل اتخذت قرارها بتطبيع معاناة غزة، دون أن تُجبر على تقديم ثمنٍ سياسي على جرائمها واحتلالها المفتوح هناك. الحرب بالمعاناة هي أقسى مراحل الحروب وأكثرها مرارا واستنزافا.
يندثر واقع الإيواء في غزة كما لو حدث إخباري ممجوج، وكأن مشهد النزوح استقر عند خيمة منصوبة ونقطة تطعيم للأطفال. في حين أن المأساة وبعد قرابة العام، تعقدت بشكل لا يوصف ولا يزال النازحون يعانون الموت وشح المواد المنقذة للحياة ويتكدسون في خرق مهترئة لا تقي من حر الصيف ولا برد الشتاء.