"يا واسع!
يا من لا يشغلُهُ سمعٌ عن سمع، ولا سؤال عن سؤال، ولا تختلط عليه الأصواتُ، ولا تختلف عليه اللغاتُ.
يا من وسع سمعُه الأصواتِ.. ووسِع علمُه الكائناتِ.. ارحمْ عبدًا أحاطت به الظلماتُ ونزلتْ به النائباتُ وكثرت به الكُرُباتُ ووسِّع عليه ما ضاق، وهوِّن عليه المشاقَ."
اطّلعتُ على دراسة «رؤى سلوكية لرؤية 2030 وما بعدها»، الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وهي دراسة ثرية تمتد عبر مساحات متعددة: من السياسات العامة، إلى سوق العمل، إلى نماذج التدخل السلوكي المبنية على الأدلة. وبين هذا الزخم المعرفي، كان أكثر ما شدّني ليس وفرة النماذج ولا تعدد التجارب، بل الطرح العميق لقطاع التعليم بوصفه سلوكاً قبل أن يكون نظاماً.
تلفت الدراسة النظر إلى حقيقة كثيراً ما نغفل عنها في الجامعات: أن نجاح التعليم لا يتحقق بالمناهج وحدها، ولا ��اللوائح ولا حتى بالاعتمادات، بل بقدرة المؤسسة التعليمية على تصميم بيئة تُحسن قرارات الطالب اليومية؛ قرار الحضور، قرار الاستمرار، قرار اختيار المسار، وقرار الاستثمار في التعلم مدى الحياة. هنا يصبح التعليم ممارسة سلوكية مستمرة، لا إجراءً إدارياً عابراً.
ومن واقع تجربة جامعية، يتأكد لي هذا المعنى عملياً. كثير من التحديات التي نواجهها — من ضعف المواظبة، أو تردد بعض الطلبة في اختيار التخصص، أو الفجوة بين المخرجات وسوق العمل — لا تعود إلى قصور في الأنظمة، بل إلى افتراض ضمني بأن الطالب يتصرف دائماً بعقلانية كاملة. بينما الواقع، كما تؤكد الدراسة، يقول إن السلو�� يتأثر بالتوقيت، وبطريقة عرض الخيارات، وببساطة الإجراءات، وبالبيئة المحيطة أكثر مما يتأثر بالتعليمات المباشرة.
ما يهمني في هذا الطرح أنه ينقل القيادة الجامعية من دور «إدارة العملية التعليمية» إلى دور أعمق: هندسة التجربة التعليمية. فالقائد الأكاديمي لا يغيّر السلوك بكثرة التوجيه، بل بحسن التصميم؛ تصميم الجدول، تصميم الإرشاد، تصميم الرسائل، وتصميم المسارات. وحين يُدار التعليم بهذا الوعي، تتحول الجودة من ملف يُراجع، إلى سلوك يُمارس، ومن مؤشر يُقاس، إلى ثقافة تُعاش.
في تقديري، هذا البعد السلوكي هو أحد المفاتيح الجوهرية لتحقيق مستهدفات رؤية 2030 في التعليم. فالرؤية لا تراهن على عدد البرامج، بقدر ما تراهن على إنسانٍ يتعلّم بوعي، ويختار بذكاء، ويستمر بدافعية. وحين نفهم التعليم بهذه الزاوية، ندرك أن الاستثمار الحقيقي ليس في المحتوى فقط، بل في فهم الإنسان الذي يتعلم.
"إن أرادها لك الله
جعل في تعسيرهم التيسير
وفي ضُرهم النفع
وفتح لها المخرج من
بين أبوابهم المُوصَدة!"
تأمّل؛
( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ )