وقفة
إنَّ المتحكّم الرئيس في صعود ونزول الأُمم هو المستوى الفكري لتلك الأُمّة، فكلّما تصاعد وتعمّق الجانب الفكري للأُمّة صعدت وتَسامَت على بقيّة الأُمم، وكلّما نزل المستوى الفكري أصبحت الأُمّة في آخر مراتب الأُمم، وتُمسي إمّا تابعةً للأُمّة الأعلى، أو خاضعةً لها بالقهر والاستعباد، وهذا ما يَشهد به تاريخ الأُمم البشرية.
والرُّقيّ بفكر الأُمّة يتطلّب أن تلتفت قيادة تلك الأُمّة لأهمية الجانب الفكري، فتعمل على توسيع مدارك العقل الجمعي وتعميق نظره من خلال سياساتٍ وبرامج توضع لهذا الشأن، والذي يبدأ منذ مراحل الطفولة الأولى لأفراد تلك الأُمّة ويستمرّ إلى أعلى المراتب، ثم يُغذّى العقل بعد نضوجه بالعلوم والثقافة المناسبة له.
وكلّما ارتقَت الأُمّة فكرياً كانت أُمّةً مُنتجةً على جميع الأصعدة.
فالمُحرّك الأعظم لكلّ الأُمم هو الفكر. ومن المعلوم أنَّ عقل الإنسان لكي يبقى فعّالاً يحتاج إلى العمل المستمرّ والتطوير المُتتابع، وإلّا فإنْ توقّفَ العقل عن العمل فسوف يَضعُف، وبالتالي يموت؛ أي ينتقل إلى السُّبات الفكري فيتراجع، وهذا ما قد تراه الآن في أغلب الأُمم، فحينما أوقفَت قيادتُها التغذية الفكرية، نزل المستوى العقلي لدى أفرادها، وأصبح أفراد الأُمّة يستصعبون فهم أمورٍ كانت سهلةً على الأجيال الماضية.
#سماحة_الشيخ_منتظر_الخفاجي
وصايا للكوادر التربوية والتدريسية.
الى أساتذتنا الأعزاء في المدارس والمعاهد والجامعات، نرجو منكم أن تنظروا لهذه الوصايا بعين الاهتمام، لأجل الارتقاء بالمستوى الفكري والأخلاقي والثقافي لأبنائنا الطلبة:
أولاً: نتمنى على أساتذتنا الأعزاء أن يتمتعوا برحابة الصدر وطول الأناة وتحمل الخطأ، فبها يستطيعون أن يعطوا مساحة للطالب ليعبر عن أفكاره دون وجلٍ أو خجل، فإن الأفكار والآراء اذا ماتت في الصدور أغلقت الباب عن نزول أفكار أخرى، فحتى لو كانت فكرة الطالب خاطئة أو غير منطقية فينبغي أن نصوبها له ونمتدحه عليها؛ لأجل أن نحبب له باب التفكر، حينها سنخلق مجتمعاً بأعلى مراتب الفكر.
ثانياً: نتأمل من الكوادر التدريسية أن تساهم برفع المستوى الثقافي للمجتمع عن طريق حث الطلبة على مطالعة الكتب الخارجية بشتى علومها وتحبيبها إليهم.
ثالثاً: بما أن التربية والتعليم هما مسؤولية واحدة بالنسبة للأستاذ، فنتمنى على اساتذتنا أن يهتموا بجانب التربية كاهتمامهم بجانب التعلم ان لم يكن اكثر، ويؤسسوا في الطالب القيم التربوية الاجتماعية، سواء على صعيد التربية النفسية أو الفكرية، والتي تساهم في رفع المستوى التربوي لدى الطالب.
رابعاً: اننا نعيش في مرحلة انحطاط للقيم الأخلاقية وسلب للعادات الحسنى التي كان مجتمعنا يتربع بها على عرش الاخلاق، فالذي نرجوه من الاخوة المربين أن لا يعدموا الطالب من نصائحهم ومواعظهم الأخلاقية ومحاولة احياء الصفات الفضلى في نفس الطالب، والتي بالتالي سينقلها الى بيته وشارعه، حينها سننشر الاخلاق بين شبابنا.
خامساً: على اساتذتنا الافاضل أن يجابهوا الحملة الشعواء التي يقوم بها أعداء العراق في تغيير موازين القبح والجمال، والتي أدت الى انحراف الذوق العام، فأصبحت الرذيلة والسخافة والتميع هي المستساغة، والفضيلة والمروءة والرجولة منبوذة مستقبحة لدى الاغلب.
سادساً: إن أبنائنا في المراحل الابتدائية أكثر ما يحركهم هي غريزة الخيال، فينبغي أن نستفيد من هذا الجانب ونزرع في أرض خيالهم صور تلك الشخصيات التي كانت تتحلى بالفضائل النفسية والرجاحة الفكرية، عن طريق سرد قصصهم وبيان مواقفهم الفضيلة، وليس التركيز على القصص البطولية أو القومية أو المذهبية.
سابعاً: إن قيمة الانسان هي مقدار ما يحمل من قيم إنسانية عليا، فإذا أردنا أن نرتقي بمجتمعنا الى مصاف المجتمعات المتقدمة أو نتجاوزها، فعلينا أن نزرع القيم الإنسانية في أبنائنا منذ نعومة أظفارهم ونحبب لهم هذه القيم، كالمحبة ومساعدة الناس وحب الخير للغير وتقبل الآخر المختلف في الدين أو القومية، ونبين لهم الجوانب الإنسانية من قياداتنا وأسلافنا.
ثامناً: كلنا يقين من أن أرباب التربية والتعليم يدركون جيداً خطورة مهنتهم، فهي المهنة التي لها اليد الطولى في صناعة المجتمع وتقرير نوعه ومستواه وصياغته بالصورة التي يريدون، وهذه من أخطر المسؤوليات، فهي من يقرر مستقبل الاجيال.
وأخيراً أتمنى على أساتذتنا الموقرين أن يستهدفوا هذا العام صنعُ جيل أرقى من سابقه، وهكذا في كل عام.
والله ولي التوفيق والتسديد.
#الشيخ_منتظر_الخفاجي
#عام_دراسي_جديد
#مدارس_وطلبة_العراق
الصِّدقُ
كان ظلامًا، وكانت الأرض وعرة، والغاية ليست قريبة. أراد الابن أن يُقصّر الطريق، وخير ما يقصّر الطريق الحديث، فقال لأبيه:
— من هو الشجاع عندك؟
قال الأب:
— من لا يخشى الصدق.
قال الابن:
— وهل الصدق أشد من الموت؟!
قال الأب:
— بلى، فإن مانع الموت واحد، وهو الخوف، أما موانع الصدق فكثيرة. فقد يخجل الإنسان أو يتحرّج من قول الصدق في موطنٍ ما، وربما يكون حرصه على الحفاظ على جاهه وسمعته حائلًا دون قول الصدق، كذلك خشيته من هجر حبيب أو فقد صديق.
كثيرٌ هم الشجعان الذين لا يهابون الموت، لكن كم هم الصادقون؟ إنهم الأقل عددًا.
يا بني، لقد رأيت أبطالًا لا يهابون الموت، خاضوا معارك كثيرة، وجابهوا أشد الدول قوة، وقاوموا المحتلين ببسالة منقطعة النظير، وحينما اختبرتهم بالصدق، جبنوا، وخافوا الصدق أكثر من خوف الأعداء.
حينما أخبروكم أن النجاة في الصدق، ليس المقصود مطلق النجاة؛ فلربما أهلك الصادقَ صدقُه. فكثيرٌ من الناس أُوذي وسُجن بسبب صدقه، وقد يُقطع عنق الصادق جراء صدقه، لكن النجاة تتحقق في أمرين عظيمين:
الأول: النجاة من نفسك، والخروج عن سلطانها وسطوتها حين الصدق؛ فالكاذب أسير تزيينات نفسه، ومن نجا من نفسه فقد نجا من هلاك عظيم.
الثاني: النجاة عند الله تعالى، والنجاة مما يرتّبه الله للكاذبين في الدنيا والآخرة. قال عز وجل:
﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
وقال عزّ من قائل:
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
وهنا بيّن لنا ربنا أهمية الصدق وما يترتب عليه من نتائج، وأنه سبحانه يختبر عباده لإظهار صدقهم أو كذبهم.
لذلك، يا بني، فإن أقلّ فضيلة موجودة في الناس هي الصدق. فتجد الكثير من أهل السخاء، والكثير من الشجعان، والكثير من أهل التواضع والغفران، لكن ما أقل الصادقين وما أكثر الكاذبين!
كنت في صباي أتردد على مجلس أحد العلماء، وقد توفي قبل سنين قليلة، رحمه الله تعالى. أتذكر أنه قال كلمة، وكانت حكمة مؤثرة:
«أنا أنصح الكاذب، إذا قرأ القرآن ووصل إلى آية تلعن الكاذبين، ألّا يقرأها؛ لئلا يلعن نفسه».
يا بني، في اليوم الواحد نتعرض لعشرات المواقف التي تتطلب منا الصدق، وهي مواقف متنوعة؛ بعضها بسيط وبعضها شديد. فالشجاع من صدق في تلك المواطن وحافظ على صدقه، فقد يواجه مثل هذا الإنسان من الشدائد والآلام ما لم يواجهه المقاتل في ساحة الموت.
لا أقول لك: كن صادقًا كالأنبياء، لكني أقول لك: حاول أن تكون صادقًا ما استطعت إلى ذلك سبيلًا؛ فإنك إن استسغت الصدق رأيت بشاعة الكذب.
قال الابن:
— أوليست تلك غايتنا يا أبي؟
قال:
— نعم، لقد أحسنت السؤال.
#سماحة_الشيخ_منتظر_الخفاجي
أن من يعتقد أن الصلاة بما أنها المنطلق الأول فهي الأدنى مرتبة، فقد حقّر عظيماً وجَهَلَ كبيراً. وهذا وهم ربما وقع به كثيراً من الجهّال.
الصلاة ليست هوية المؤمن فقط، ولا أنها تكليف يجب الخروج من عهدته، وليس هي خضوع لله واعتراف بربوبيته فحسب، الصلاة أكثر من ذلك وأعظم منه بما يفوق التصور. الصلاة هي:
أعلى مراتب خدمة الله تعالى لمن أراد أن يخدم الله سبحانه، قال الإمام الصادق (ع) : ( إن طاعة الله خدمتُهُ في الأرض، وليس شيءٍ من خدمته يَعدِلُ الصلاة ) [وسائل الشيعة ج 4 ص39].
هي: العروة الوثقى التي تعصم الإنسان من السقوط، وتجعله معلقاً بمرتبتها لا ينزل إلى ما دونها ما دام مواظباً عليها.
هي: كفارة لما يرتكبه العبد من الذنوب بين أوقات الصلوات، قال الرسول الأعظم: ( فإذا قمتَ إلى الصلاة وتوجهتَ وقرأتَ ….. وسلّمتَ غُفر لك كل ذنب فيما بينك وبين الصلاة التي قدمتها ) [وسائل الشيعة ج1 ص 393].
هي: الوقت الأمثل لنزول العطاء الإلهي القلبي، حيث يكون قلب المصلي تجاه حضرة الحق جل جلاله.
هي: الحاجز بين العبد وبين الفحشاء والمنكر. فعن رسول الله (ص) في رجل كان يصلي ويرتكب الفواحش قال: ( إن صلاته ستنهاه يوماً ما، فما لبث أن تاب ) [بيان المعاني ج4 ص 485].
هي: الوقت الذي اصطفاه الله دون الأوقات ليقبل بوجهه على العبد، إن أراد العبد ذلك.
هي: القاعدة العامة التي تناسب جميع المستويات لتأسيس الرابطة الحقيقة بالله سبحانه.
هي: الفعل الذي يصلح لاستزادة كل أنواع العطاء في كل مراتب الإيمان، لذلك صاحبت الإنسان إلى أي مقام وصل.
هي: المانع من انغماس الإنسان في الدنيا، فكلما ولج إلى الدنيا جذبته الصلاة إلى الآخرة، وصرفت نظره من الخلق الى الحق تعالى.
هي: الوقت الذي خصصه الله تبارك وتعالى لسماع العبد وطرح ما يريده ذلك العبد من نجوى أو شكوى أو دعاء أو رفع مظلَمته إليه، ويكون سبحانه حاضر بنفسه لا بملائكته ولا غيرهم، وقد ورد عن الصادق عليه السلام: ( إذا استفتح العبد في صلاته أقبل الله عليه بوجهه الكريم، ووكل به ملكاً يلتقط القرآن من فيه التقاطاً، فإن أعرض عن صلاته عنه ووكله إلى الملك ) [مكارم الاخلاق ص 300].
#الشيخ_منتظر_الخفاجي