«عصمنا اللهُ وإيّاكم من الحيرة،ولا حمَّلنا ما لا طاقةَ لنا به، وقيَّض لنا من جميلِ عونه دليلًا هاديًا إلى طاعته،ووهبنا من توفيقه أدبًا صارفًا عن معاصيه،ولا وَكَلَنا إلى ضعفِ عزائمنا، وخَوَرِ قوانا، ووَهاءِ بُنيتِنا، وتلدُّدِ آرائنا، وسوءِ اختيارنا، وقلَّةِ تمييزنا، وفسادِ أهوائنا
وكم من صديقٍ خلطتُه بالنفسِ يذهبُ فيها ذهابَ الماءِ في الماء، حتى إذا مرَّ يوم، أو عهدٌ كاليوم، رأيتُ في مكانِه إنسانًا خياليًّا كمسألةٍ من مسائلِ النُّحاةِ فيها قولان …! فهو يَحتملُ في وقتٍ واحدٍ تأويلَ ما أظُنُّ به من خير، وما أتوقَّعُ به من شر!
وليستِ المصيبةُ شيئًا لولا تأذِّي النفسِ بها، وإذا وقعَ التأويلُ في معاني النكباتِ أصبحت تعملُ عملَ الفضائل، وتغيَّرت طبيعتُها فيعودُ الفقرُ بابًا من الزُّهد، والمرضُ نوعًا من الجِهاد، والخيبةُ طريقًا من الصبر، والحُزنُ وجهًا من الرجاء، وهلُمَّ جَرًّا.
يراني الرَّائي فَيحسَبُني سعيدًا، لأنَّه يغترُّ بابتسَامةٍ في ثغري، وطَلاقةٍ في وجهِي، ولو كُشِفَ لهُ عن نفسِي ورأى ما تنطَوي عليهِ من الهُمومِ والأحزانِ لبَكى لي بُكاءَ الحزينِ إثرَ الحزين!
المنفلوطي.
"ما أشقاهُ إلا عقله، ورقته المفرطة على الأشياء، يتمنى لو كان عاديًا باردًا لا يحرك شجوه رفيفُ شجر ولا قطر مطر، ولا يثقل قلبه انكسارُ أحد، ولا لؤمُ لئيم، لكنَّه يفهم كثيرًا، وكل ما يمر عليه يسكنه، وكل ما يسكنه يُتعبه".
قال الإمام ابن القيمِ:
«مِنْ أعجب النِّعم نعمةُ النِّسيان، فإنّه لولا النِّسيان لمَا سَلَا شيئًا، ولا انقضت له حسرةٌ، ولا تعزّى عن مُصيبةٍ، و لا مات لهُ حُزْنٌ».