مدراء العموم كالظواهر الطبيعية.. منهم من يُحيي الأرض، ومنهم من يُهلكها
كان لي، على امتداد سنوات عملي، أن أعمل – ولي الشرف في ذلك – في مؤسسة تعاقب على إدارتها عدد من مدراء العموم. لم تكن علاقتي بجميعهم علاقة عمل مباشرة، إلا أنني كنت شاهدة على نهجهم في الإدارة، وعلى الأثر الذي تركه كلٌّ منهم في نفوس الموظفين؛ ذلك الأثر الذي يتجاوز حدود المكاتب والقرارات ليصوغ بيئة العمل بأكملها. ومن هنا ترسخت لدي قناعة بأن مدراء العموم كالسحب وما يصاحبها من ظواهر؛ فلا تُقاس السحابة بما تملأ به السماء، بل بما تهطل به من مطر، وما تُخلفه في الأرض من نماء.
ولأن السحب ليست على حال واحدة، فقد وجدت أن مدراء العموم كذلك؛ يختلفون في طباعهم وأثرهم، ويمكن تصنيفهم إلى أنواع.
فمنهم السحب البيضاء: بهية المنظر، هادئة الحضور، لكنها لا تمطر؛ تمنح شعوراً جميلاً، دون أن تترك أثراً يُذكر.
ومنهم السحب الرعدية: تملأ الأفق صخباً، وتسبقها الضوضاء، وقد تمطر أحياناً، لكن كثيراً ما تنقضي دون أن توازي نتائجها ما يوحي به هديرها.
ومنهم السحب الركامية: تبدو في بدايتها واعدة، ثم تتضخم حتى يُظن أنها ستحيي الأرض، لكنها كثيراً ما تتحول إلى هدير أجوف، لا يَعقبه غيث.
ومنهم العاصفة المطرية؛ ليست سحابة يُرتجى غيثها، ولا ريحاً عابرة يزول أثرها، بل عاصفة لا تُخلف إلا الخراب، ويبقى أثرها في المؤسسة، وفي نفوس الموظفين، وفي بيئة العمل، زمناً أطول من بقائها.
وخيرهم سحب المزن؛ سحب الغيث والرحمة، لا تحتاج إلى ضجيج لتعلن عن نفسها، ولا إلى استعراض لتثبت حضورها. تأتي بهدوء، وتمطر بكرم، فتجعل الحياة أكثر اخضراراً. وهكذا هم القادة الحقيقيون؛ يُعرفون بما يتركونه من أثر، لا بما يثيرونه من غبار.
ولم يكن هذا التصنيف وليد الخيال، ولا مجرد تأملات عابرة، بل قناعة صنعتها سنوات العمل ورسختها المواقف. ولعل أجمل ما منحني إياه هذا المشوار المهني أنني حظيت بالعمل مع أحد أولئك الذين وصفتهم بسحب المزن؛ قائد لم يكن حضوره صاخباً، ولا قراراته استعراضية، لكنه يترك أثراً طيباً في كل من عمل معه.
ولعل أكثر ما ميّزه أنه، رغم جسامة مسؤولياته القيادية والاستراتيجية، لم يتعامل مع الموظف يوماً على أنه عبء، أو أن كثرة مراجعاته تثقل يومه. فقد يطرق الموظف بابه مرة، ومرتين، وثلاثاً، وتتوالى طلباته، فيقابلها في كل مرة بالهدوء ذاته والاهتمام نفسه، فلا يتبرم، ولا يتذمر، ولا يلمح إلى أن هذا الطلب قد سبق طرحه، بل كان يستقبل الموظف في كل مرة بالهدوء ذاته، والاهتمام نفسه.
ولم يكن بابه مفتوحاً لموظفي الدائرة فحسب، بل امتدت يده أيضاً إلى من كانوا يوماً جزءاً منها، ليكون سبباً في استعادة حقوقهم.
قد يقول البعض:
"يمدح السوق من ربح فيه". نعم، هذا صحيح، فجميع العاملين في تلك الدائرة قد ربحوا ما يفوق تطلعاتهم، ومن لم ينل بعد ما يطمح إليه، فليس ذلك عن تجاهل أو تقصير، وإنما لأن بعضهم لم يسعَ إلى إيصال صوته إليه، ولو فعل لوجد منه أذناً صاغية وقلباً منصفاً.
ولعل أجمل ما في هذا الربح أنه لا يقف عند حدود الموظف، بل ينعكس أثره على الدائرة بأكملها. فحين يزهر الموظف، لا يكون ذلك جمالاً عابراً، بل بداية موسم من العطاء. فما يُسقى بالثقة، ويُروى بالعدل، ويُحاط بالتقدير، لا يلبث أن يثمر إخلاصاً، وإبداعاً، وإنجازاً، فتغدو ثمار العمل انعكاساً طبيعياً لنماء الإنسان. وحين ينمو الإنسان، تتقدم المؤسسة معه؛ فنجاح الموظف ليس نجاحاً فردياً، بل هو نجاح للدائرة بأكملها، وأثر ينعكس على كل إنجاز يتحقق فيها.
وأحسب أن مدراء العموم الذين يسلكون هذا النهج يستحقون أكثر من كلمات الثناء؛ يستحقون أن يكونوا قدوة، وأن يُحتفى بهم، وأن يكون هناك وسام يكرّم كل من يجعل من القيادة رسالة، ومن العدل منهجاً، ومن الإنسان أولويته الأولى.