صباحٌ آخر لا يختلف عن يوم الأمس
أيامي هذه تعيد تكرار نفسها، تدور في حلقةٍ مفرغة من الرتابة والانتظار كأن الزمن استند إلى جدار العزلة وقرر
ألا يتحرك
على كل حال، عزيزتي أنا...
أكتب لنفسي هذه الرسالة من ضفةٍ أخرى للحياة، من مكانٍ غريب يتأرجح بين الغياب والحضور
أكتب لأني أعلم أن هذه الروح بكل ما تحمله من تعب وشغف مخبوء، ستُعاد مرةً أخرى للتجسد؛ ربما على هيئة عوسجٍ حزين ينمو على حواف الطرقات المهجورة، يصارع الريح ويحرس الصمت أو ربما على هيئة أقحوانٍ بري أو بنفسجٍ يلوذ بالظل ليتنفس بسلام ،سأتمنى لو كنتُ زنبقةً صغيرة، ناصعة وخفيفة،
لا يمسها ثقل الوجود، ولكنها الأقدار تجري كيفما تشاء هي لا كيفما نشاء نحن
أجدني الآن أسافر في رحلة الفصول الأربعة بلا توقف
أركض في قطار العمر دون محطة وصول واضحة
أتعرى من ذاتي في الخريف فأتساقط ورقةً تلو الأخرى متخليةً عن كل ما ظننته يوماً يخصني وأحترق في صمت الشتاء القارص، أبحث عن دفءٍ هارب في زوايا الذاكرة
ثم أعود لأبتهج في الربيع في محاولة بائسة لإقناع نفسي بأن الحياة ما زالت ممكنة، قبل أن أعود لأبكي مجدداً في شتاء الروح الذي لا ينتهي حيث تمطر السماء دمعاً يشبه حيرتي
أنا هنا، أراقب تكرار الوجود بعينين متعبتين ولكن بمشاعر حية، أفتش في تفاصيل هذا الصباح الرمادي عن شيء يشبهني، عن أغنية قديمة، عن رائحة قهوة تعيد صياغة الوقت أو عن فكرة هاربة تمنح هذا العبث اليومي دلالةً ما هذه الرسالة هي شاهدي الوحيد على أني مررت من هنا، بكل هذا الثقل
وبكل هذه المشاعر الجامحة
صباح الخير حبيبتي نجد
أكتب إليكِ هذه الرسالة بعد إسرافي المفرط في شرب الكافيين، وها أنا الأن مضطجعة فوق سريري، عارية من كل شيء إلا من أشواقي إليكِ، وشعري الغجري بخصلاته الملتفة المتمردة يداعب وسادتي ثم يفر هاربًا نحو وجنتي كأنه يبحث عن دفء يديكِ، فأزيحه بأصابعي الحائرة وأنا أتخيلها أصابعكِ أنتِ
والشمس تتسلل من بين شقوق ستائر غرفتي، ثقيلة، حارقة، تعلن عن بداية يوم آخر بدعوة مسبقة للضجر
آه يا عزيزتي كم أبغض الصيف! إنه فصل يفيض بالضوء الذي يكشف عري المسافات بيننا، فصل خانق لا ينقصه إلا قليل وسيودي بي إلى الجنون المحتم
أشعر أنه الفصل الوحيد القادر على تضخيم كل شيء!
على كل حال أستلقي الآن على بطني، مستسلمة لثقل الحنين، وشعري منسدل على ظهري العاري...
كم أتمنى في هذه اللحظة بالذات لو تزيحه يداكِ برفق،
لو تطهرني لمساتكِ من لظى هذا الحر، وتقبلين ظهري صعودًا ونزولاً بطريقتكِ الخاصة تلك اللمسات التي تعرف كيف تروض جنوني المكتوم..
عزيزتي نجد، أكتب إليكِ اليوم من البعد الرابع من ذلك الفراغ الذي يتمدد فيه الوقت ويتقلص، حيث التخبط الذي يملأ روحي والتساؤلات التي لا تنتهي وتنهش طمأنينتي والتشكيك الذي بات يطال جميع ��عتقداتي وماهية وجودي في هذا العالم الباهت
أرجوكِ يا حبيبتي، يا حقيقتي الوحيدة وسط هذا الزيف
مُدي لي يديكِ؛ مُديها من فوق حقيقة هذا العالم أو من عمق وهمه فما عدت أعرف أين الحقيقة
وما عدت أثق بوعيٍ لا يأتي بكِ إليّ !
انتشلينني، خذيني معكِ إلى البعد الخامس حيث تسقط القوانين وتتلاشى المسافات لأغفو في السلام المطلق على صدركِ هناك، حيث ينتهي الاغتراب وتكف الروح عن السؤال، أود أن أضع حلمتيكِ بين شفتي كالطفل الرضيع الذي عاد أخيرًا إلى الحياة بعد طول عدم
أرتشف الأمان وأنام ملء جفوني
وهناك في ذلك الفضاء الحر، نلتئم معًا وأصحو لألاعب خصلاتكِ الحريرية بخصلاتي المجعدة في عناق يختزل حكاية التناقض والانسجام
هناك ياحبيبتي نصرخ صرخة النشوة التي تعيد صياغة الوجود ونضحك ضحكة العودة الصافية بعد النشوة ضحكة المنتصرين على البعد، والناجين من جحيم الواقع..
أشد أشكال الظلم التي قد يقترفها الإنسان في حق ذاته أن يُعطّل عقله بإرادته، فيُسلّم بما ورثه دون تمحيص، ويجعل من الموروث نهايةً للمعرفة لا بدايتها
عندها يخسر فرصة أن يرى العالم بعينٍ لم تُقيّدها الأفكار الجاهزة
أكثر ما يثير نفوري هو أن تُختزل الصداقة فجأة إلى علاقة حب!
بالنسبة لي، اشوفها انعكاسًا لاضطراب الحدود النفسية، وهشاشة الثبات الانفعالي، والعجز عن التمييز بين الألفة والرغبة وقد توحي لي بتخبط في معرفة الذات، وبشخص يبدّل تعريف علاقاته تبعًا لمشاعره العابرة، لا تبعًا لقيمه أو وعيه!
ولهذا أراها من أكثر صور العلاقات التي تدفعني إلى الشعور بالاشمئزاز تجاه الشخص
يع يع مقرفااات لأبعد درجه
هناك فرقٌ شاسع بين النفاذ إلى تراكيب اللحن وبين معايشة التجربة الشعورية ذاتها
فالأولى معرفة، والأخرى حياة تتجلى هذه المعايشة حين تلامس مسامعنا صرخته المدججة بالوجع
"جبار في رقته، جبار في قسوته"
هنا يتبدى العمق السيكولوجي للتناقض البشري حيث يغدو المحبوب كائناً أسطورياً يجمع بين النقيضين فيذبح بالرقة كذَبْحِهِ بالقسوة ويصبح الحب سياطاً من عذاب ممتع
عمومًا في محراب هذه الأغنية العظيمة ،أجدني طوعاً أرتشف قهوتي الممزوجة ببعضٍ من ملوحة أدمعي، حيث يختلط مرار الفقد بعذوبة الشجن وتتداخل الأحاسيس لتعيد صياغة مفهوم الألم كحالة تطهيرية فريدة
إنها تجربة وجودية تجعلنا نلامس أطراف الخلود من خلال نغمة ونستشف عمق الوجود من خلال دمعه
لقد استنزفتني مقارعة هذا الإرث الصدئ وتآكلت هوامش صبري في مجابهة بنية سلطوية تُصادَر بديهية وجودي ،إنني أتعطش لانتزاع فضائي المصادر من براثنهم والعبور نحو ديمومة لا يطولها سيف الوصاية ولا تخنقها أحكام العُرْفِ لقد كفرت بتقويمهم العبثي فلا شتاءاتهم الكئيبة التي توأد فيها الأحلام ترعبني ولا بداياتهم المفتعلة في مطلع الأعوام تغريني
كل ما أبتغيه هو سكون حر وكينونة عصية على الترويض، لا تخضع لمقاييسهم الزمنية المشوهة ولا لمواسمهم المفروضة
ورغمَ تسرُّب هذا الوجومِ إلى أوردتي
ورغمَ الخناقِ الذي يُطبقُ عليَّ، فإنَّ في أعماقي يقينًا صارمًا وعميقًا بأنه سيأتي يومٌ أنفضُ فيه رمادَ قمعِهم، يومٌ أدفنُ فيه بيديَّ هاتين كلَّ هذه القيودِ الجمعيّة، وأواري في ثرى الفناءِ فكرَهم السقيم، وكلَّ من تآمرَ على وأدِ نوري
سأقبرُ هذا المجتمعَ الذكوريَّ العتيق
وأقفُ فوقَ ركامِ تخلُّفِه، رافعةً بيدٍ حاسمةٍ رايةَ الحريّةِ المطلقة، مُعلنةً انبعاثي، من دونِ أن أُساومَ القدرَ الفجَّ الذي طالما تلاعبَ بوجودي
بقينا هكذا ..
عالقتين في تلك اللحظة التي تآكل فيها كل شيء نراقب الغسق وهو يبتلع ما تبقى من ملامحنا الشاحبة،كان الصمت بيننا أثقل من جثة، صمتٌ يشي بأن كل الكلمات التي ادخرناها لسنوات قد تعفنت في الحناجر ،وأن الضحكات القديمة لم تكن سوى مسكنات رخيصة لمرضٍ عضال نعيش فصوله الأخيرة الآن!
التقت عيوننا المتعبة عبر مسافة بدت كألف عام من التيه فرأيت في بريق عينيك المنطفئ نفس الخراب ال��ي يسكنني، نفس الهزيمة النكراء أمام واقع قسّم أرواحنا صخرةً صخرة
كنتُ ألمح في ارتعاشة يدك رغبةً يائسةً في العبور
رغبةً في تحطيم هذا الجدار الخفي الذي يجلدنا بقسوته، وكان صدري يغلي برغبة موازية، رغبةً جامحةً في أن أخطو نحوك، أن ألمَّ قشورك المتناثرة وأن أدفن وجهي في كتفك لأبكي عمرًا ضاع في الانتظار ،أردتُ أن ألتصق بك لعل الدفء يغدر بالبرد الذي استوطن عظامنا ولعلنا نرمم في عِناقٍ أخير ما هدمته الأيام بغدرها المعتاد
في عالم غرق في وحل المادية
تحول "الحب" إلى مجرد صفقة بيولوجية أو تفاعل غريزي ، بات الحب الجسدي قاصرًا، سطحيًا، وعاجزًا عن ري عطش الكائن الروحي
اصبح اتصال يبدأ بملامسة البشرة وينتهي بوصول الجسد للنشوة!
تاركًا الروح خلفه في عزلة قاسية
إن ما تشتاق إليه الروح المسافرة وعيًا يذوب في وعي
هذا الجسد الذي يراه العالم مظهرًا للوجود ورمزًا للحياة، ليس في حقيقته للروح إلا جدارًا سميكًا من عتمة
إنه يقف كحارس فظ، يحرم الروح من أبسط حقوقها الكونية (التحليق العاري في فضاءات الحقيقة)
أن نمزق غشاء الصمت برعشةٍ تنبثق من أزل الغيب
أن تتوهج خلاياك بنورٍ يبتلع هويتي التائهة
أن أغتسل برضاب الوجد المتواري خلف الكلمات
أن يلتف ساعد الروح حول خصر العدم المطلق
أن ننزلق في شبقٍ صامتٍ لا تتسع له لغات البشر
أن نتفتت كشهابٍ يهوي في رحم المجهول
أن يستفيق الموت فينا كولادةٍ مباغتة للدهشة
أن ننطفئ برفقٍ في لجة العمق المستعصي على التأويل
إلى حبيبتي نجد
أكتبُ إليكِ وفي الصدر غليانٌ من الوجدِ وفي الروحِ ظمأٌ لا ترويه إلا لُقياكِ إن هذه المسافاتِ الجائرةَ التي تفصلُ بيننا ليست سوى سجنٍ قسريٍّ ينهشُ جسدي وروحي ويدفعني في كلِّ لحظةٍ إلى التمرُّد على الجغرافيا وازدراءِ هذه الأميال الثقيلةِ التي تقفُ حائلًا بين قلبي ومستقرِّه
إنَّ رغبتي العارمة في طيِّ هذه المسافاتِ واختزالِها باتت حاجةً بيولوجيةً وروحيةً مُلحَّةً تجتاحُ كياني بأسره وتجعلني أتوقُ لأن أطويَ الأرضَ وثبًا لأجدَ نفسي دون مقدماتٍ مرتديةً دفءَ أحضانكِ ومنتزعةً كينونتي من غياهبِ الغربة لأُلقي بها في لُجَّةِ حنانكِ اللامتناهي
كم أتوقُ لأن أرتميَ بين أحضانكِ تلك الأحضانِ التي أراها وطني وملاذي الآمنَ من صخبِ العالمِ وجفائِه هناك بين ذراعيكِ حيثُ يتوقفُ الزمنُ عن الدورانِ وتتلاشى القوانين الكونية، أودُّ أن أنعمَ برائحةِ عطركِ اللذيذِ ذلك الشذى الاستثنائيِّ الذي أوقنُ أنَّه ليس من ترابِ هذه الأرضِ انهُ نفحةٌ مقدسةٌ هاربةٌ من الجنة تسللت لتستقرَّ في عنقكِ وتمنحني سببًا آخرَ للخلود
أريدُ أن أستنشقَ هذا العبيرَ بامتلاءٍ حتى يتغلغلَ في خلاياي ويختلطَ بدمي وفي تلك اللحظةِ الجامحةِ من اللقاءِ سأفيضُ عليكِ بحنانٍ كتمتُه في صدري دهورًا حنانٌ ج��رفٌ يتدفقُ كالأنهارِ الثائرةِ ليغمرَ كلَّ شبرٍ منكِ
سأُقبِّلُ وجهكِ وعينيكِ في كلِّ ثانيةٍ قُبَلًا متلاحقةً كدقائقِ الساعاتِ لا تعرفُ السكونَ ولا النفادَ
قُبَلًا أدوِّنُ بها تاريخَ عشقي لكِ على بشرتكِ الطاهرة
إنني أشتهي بكلِّ جوارحي أن أموتَ حبًّا وشغفًا بين يديكِ فالموتُ في حياضكِ هو أسمى مراتبِ العشقِ والفناءُ فيكِ هو البقاءُ الذي أبتغيه
دعينا نلتحمُ روحًا بروحٍ لنتسامى معًا وننتشي مئاتِ المراتِ في سكرةِ وجدٍ وهيامٍ لا تستفيق منها الروح
دعينا نغرقُ في تفاصيلِ هذا العشقِ المخمليِّ ونرتشفُ من كؤوسِ الهوى المترعةِ فلا نشبعُ ولن نشبعَ وكيف لنا أن نشبعَ والجوعُ إليكِ جوعٌ أبديٌّ لا تزيدُه اللقيا إلا تلهفًا ولا يزيدُه القربُ إلا تعطشًا للمزيد
سنظلُّ في حالةٍ من التدفقِ والاشتعالِ اللذيذِ نتذوقُ الشهدَ ولا نرتوي ونطلبُ الزيادةَ في كلِّ لمحة�� ونفسٍ لأنكِ البدءُ والمنتهى ولأنَّ هذا الحبَّ خُلِقَ ليكونَ مُنزَّهًا عن النفاد
المخلصة لكِ أبدًا