ما الذي يمنعك، يا حُلم، لو امتدّت بكَ خطى التحقّق، وانسابت من ضباب التمنّي إلى ضوء الواقع؟
ما الذي يحول بينك وبين أن تنثر في أيّامي أزاهير الفرح، وتُزهِر في دروبي أملًا طال انتظاره؟
لم يعد الانسلاخ الثقافي حادثةً عابرة يمكن التغاضي عنها، بل أصبح سلوكًا يُمارس بوعي، ويُقدَّم على أنه علامة رقي. بات بعض الناس يعتذر عن لغته، ويخجل من عاداته، ويتعامل مع تاريخه كما لو كان عبئًا ينبغي التخلص منه. والأسوأ من ذلك أن هذا التنازل لا يُفرض عليه، بل يختاره طواعية إذ يظن
أن تقليد الآخر يمنحه قيمةً لا يملكها. وهكذا نشأ جيلٌ يحفظ أسماء المدن البعيدة أكثر مما يعرف تاريخ مدينته، ويتقن استهلاك ثقافات الآخرين أكثر مما يفهم ثقافته. وما يؤلمني حقًا أن كثيرين لم يعودوا يرون في هذا المشهد خللًا، بل يعدّونه دليلًا على الانفتاح. لكن الانفتاح لا يقتضي أن
ثمة مفارقة لا نلتفت إليها كثيرًا. أن الأشياء لا تهرم لأنها تتغير، بل لأنها تتوقف عن إدهاشنا. فالمدينة التي نعبر شوارعها كل يوم ليست أقل جمالًا من يومها الأول، لكن أعيننا هي التي استبدلت الاكتشاف بالاعتياد. والعقل، على خلاف ما نظن، لا يعتاد الأشياء لأنها أصبحت مألوفة
أهذه رغبتها أم رغبة الذين علّموها الركض؟ وربما الإنسان يفعل الشيء ذاته يجر أحلاما لم يخترها ويستهلك عمره ليصنع نتائج تصلح لأن تجعل الآخرين فخورين به لا لأن تجعله صادقا مع نفسه. حتى يصبح السؤال المؤلم ليس: لماذا لم نصل؟ بل لو توقفنا عن الركض. هل سنعرف أصلا إلى أين كنا نريد الذهاب؟
يُقال إن الخيل تعشق السباق لكن لا أحد يسأل كيف اقتنعت أصلًا أن المضمار هو شكل الحرية الوحيد. فهي لا تقفز السور لا لأنه أعلى منها، بل لأنها تعلّمت أن القيمة تقع دائمًا بعد خط النهاية هناك حيث يُكافَأ الامتثال على أنه شغف ويُعاد تأويل التعب على أنه معنى تركض حتى يختلط عليها الأمر:
إليه، بل اتفاقًا مؤقتًا بين حدود الإدراك واتساع الواقع. وقد لا يكون السؤال الحقيقي: «كيف يعمل العالم؟» بل: «كم جزءًا من العالم يسمح لنا وعينا أن نراه؟»
ربما أكثر ما أخّر المعرفة عبر التاريخ ليس الجهل، بل الافتراض بأن كل شيء يجب أن يكون له سبب يمكن فهمه. ماذا لو أن بعض الظواهر لا تُبنى على المنطق الذي نعرفه أصلًا؟ ماذا لو أن العقل لا يكتشف القوانين، بل يترجم الفوضى إلى لغة يستطيع احتمالها؟ عندها لن تكون الحقيقة شيئًا ثابتًا نصل
البحر، ككل الأشياء الحيّة، لا يثبت على هيئةٍ واحدة، والقواربُ التي تأخرتَ عن اللحاق بها لا تبقى قريبةً إلى الأبد. ومع الوقت، لم تعد الرسالةُ مؤجلة، بل هرِمة كأنّ المعاني نفسها تذبل حين تُحتجز طويلًا داخل أصحابها، وكأنّ بعضَ الكلمات لا يقتلها النسيان بل النجاة المستمره من ان تقال
وقفَ طويلًا عند حافةِ البحر، والرسالةُ بين أصابعه تُطوى وتُفتح كأنّه كان يُرهق الورق بدل أن يُرهق قلبه بالحسم. لم يكن ينقصه أن يكتب، بل أن يسلّم الكلمات إلى مصيرها الأخير. كان ينتظرُ مساءً أكثر هدوءًا، وموجًا أقلَّ اضطرابًا، ولحظةً يشعر فيها أنّ الأشياءَ لن تنكسر بعد الآن. لكنّ