ونعم، كبُر أكبر أطفالي، وغادرتني للمدرسة، وصار لها عالمها الجميل، وآراؤها الأجمل، وتهيأ لي وقتٌ لوحدي وقد ظننتُه حلمًا لا يحين إلا بعد عشرين سنة، وهذا من كرم الله وحده.
ونعم: حين ودّعتني في صباح أول يومٍ دراسي، وقد ارتدت مريولها عانقتُها وأنا أقول لها: لا أدري متى وكيف كبُرتِ!
مضى على هذه التغريدة ثلاث سنوات فقط، ومع ذلك حين قرأتُها ابتسمتُ بغرابة: ما هذه الرثائية في سردي وكأن الأمومة ركضٌ لا ينتهي؟
نعم كانت مرحلتي كذلك، ولم تزل، الفرق بحمد الله: حين فرّج الله عني فلم يُزاحم أمومتي شيءٌ غير أطفالي، وبقية المشاريع تأتي بعدهم، دون أن تُحدَّ بوقت
كوبي الساخن الذي لم أكمله مرة منذ شرفت بالأمومة، فنجال قهوتي الذي يبرد قبل أن يصل لمعدتي، العاصفة بسرعة ٢٠٠٠/الدقيقة، تغريدتي العجلى… وكراكيب لا تنتهي أؤمل تمامها حين تنام صغيرتي في عافية فتنام ثم بالكاد أستطيع فتح عينيّ!
أفكر دومًا: هل سيأتي عليّ زمان أحنّ لهذه الفصول بابتسامة؟
بوقتٍ لا يقبل النقاش كما هو الشأن أيام البحث.
نعم، لا زلتُ أركض، لكن أكرمني الله أني أحببتُ ركضي، ورأيتُه ألذَّ تعب حقيقةً لا رمنسةً.
وأحلى كلمة أسمعها حتى أموت: ماما، وأشهى اسمٍ أُنادى به: أم لُجين.
لا يُساميه في قلبي أفخم منه، إذ لا يوجد أصلًا.
بحمد الله، جاء "الغد القريب"، وقرت عيناه، وما فرحتُ بشيء في حياتي، كفرحي هذه المرة لفرحه في المقام الأول،
والدي الذي وصل، ووصوله وصولي ❤️
"لم يحنِ ظهر أبي ما كان يحمله
لكن ليحملني من أجلي انحدبا
كفّاه غيمٌ، وما غيم ككف أبي
لم أطلب الغيث إلا منهما انسكبا"
ويقيني بالكريم سبحانه أن سيُقرَّ عينه في خيرٍٍٍ وعافية، كما قرت عيني والديه فيه من قبل، من جنس هذا الذي ينشدُه مني. لأريَه مكاتيبه هذه، فأقول: قد صدقتْ ظنونك والدي، وكانت هذه الخيرة، كما قلتَ لي رغم اضطرابي.
والموعدُ الغدُ القريب، بكرم الله، وإن عظُم الثمن.
اعلم أن أرفع منازل الصداقة منزلتان:
الصبر على الصديق حين يغلبه طبعُه فيسيء إليك،
ثم صبرُك على هذا الصبر حين تُغالب طبعك لكيلا تسيء إليه!
- الرافعي | السحاب الأحمر.
كدر الدنيا وزخمها وعجرها وبجرها ولأواؤها لا يذهب به حتى يصير هباءةً في الجو إلا : فضل الله عليك برزقه لك صحبةً صالحة يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، أشهد بالله على ذلك.