أعيش حالة هذه الكلمات تمامًا:
"إننِي أستطيعُ أن أتَحمّل كلّ آلاَمِي الشّخصيّة، ولكِن آلام الأمّة الإسلامِيّة سحقتنِي! يا عبد الرحمن، إنّني أشعرُ بأنّ الطعنَات التي وُجِّهت إلى العالَم الإسلامِي قد وُجّهَت إلى قلْبي أنا أولاً!"
- د. فريد الأنصاري
السودان
شعب يظلم ومتروك بالعراء والصحاري لا أعلام ولا صحافة عم يحصل لهذا الشعب المنسي
منظمة سيف ذي تشيلدرن من أن مايقارب 230 ألف طفل وامرأة حامل أو أنجبن للتو مهددون بالموت جوعا في السودان بسبب مليشيات الدعم السريع حيث بلغ عدد النازحين 9 مليون سوداني
"اللي معاه ربنا يمشي على المَية".. هكذا يقول المثل الشعبي، لكنني أظن المشي على المياه أسهل من ذلك، مع استحالته، لكن ذلك الفعل الأكثر استحالةً ممكنٌ هنا، حين يلصق الرجل جسمه في دبابةٍ تعادل خمسين ضعف حجمه، وخمسين ألف قوته، لكنه وحده يزنها وأكثر، ترجح كفته لو وضعا في ميزان واحد، يسرُّ لها بسرِّه "الباتع"، حريصًا على أن تكون الرسالة قد وصلت تمامًا، حتى نهايتها.
تتحرك الدبابة فجأةً بعدما انتبهت للتوّ، تفرُّ من قسورة، كخنزيرٍة منتفخة عشرة أضعاف حجمها الحقيقيّ وهي تهرب من شبلٍ أصغر عشر مرات من حجمه الحقيقيّ، لكنه يدركها، رابضًا ومرابطًا بجوارها، لا يريد أن "تتزحزح" شبرًا، حتى يتأكد من بلوغ مقصده، وسداد هدفه.
ربما يمشي من معه الله "باليقين" على المياه فعلًا، لكن من يكون هو ذاته معية الله لدينه وأرضه ومسراه، يحتضن دبابةً، يفجرها، وينجو.
لا أستطيع ولا أريد تجاوز مشهد المجاهد الشهيد الذي لقي الله ساجدًا _وجرحه يدمي كما جاء الوصف في حديث شريف_ وكأنها سجدة شكر على ظفر بأمنية عزيزة المنال، أعد لها كثيرًا، وسار نحوها بإقدام وجرأة تشبه وصف تميم:
نسيرُ للموتِ كأَنَّا في طرَب
وقد صحبنَاهُ وطالَ المُصطحَب
الحمد لله ناصر المجاهدين، ومُذل المُستكبرين، والصلاة والسلام على نبينا المجاهد الشهيد محمد ﷺ
اللهم نسألك أن تلطف بغزة وأهلها الصابرين
اللهم اربط على قلوب الناس واجب�� خاطرهم ورُد عنهم كل سوء
يا مُنجّي نَجِّهِم، نَحنُ الّذين لا حِيلة لنا، والحَوْل والقوَّة كُلّهَا لك
فيمَ كان يفكر في تلك اللحظات؟ أدركته طائرة الاستطلاع فكشفته، وهو مقبلٌ متقدم، يكمُن لعدوه، متربصًا لقتال، يستذكر الله في نفسه، ويتذكر الثأر في صدره، ويحمل الدرع في يده، أيُقبل أم يدبر؟ أيكرّ أم يفر؟ لا باب إلا إلى السماء، ولا مخبأً يدركه في الأرض، أو عساه يعلم فتحة نفق في مكان ما، لكن إن ولجها فنجا مؤقتًا وهلك أصحابه.
يكمل الوثب بخطواته الواسعة، يهرول كالسعاة بين الصفا والمروة، وإن كان لم يرَ الكعبة ولا البيت الحرام ولا قبر النبي إلا في منامه، يحتضن شهادته بين جنبيه، ويسير إلى موته مدركًا أن الموت أدركه، فيعرض أمامه شريط عمره كله فلا يجده إلا عبارة عن نفق طويل عميق مظلم، لا نور فيه إلا السرُج البسيطة والجباه المتوضئة، فيطمئن للقاء الله.
وحينها، كأن الموتَ يستأذنه، ويمهله ثوانيَ قبل الارتقاء الأخير، تصيبه الآلة الجبانة الغادرة في مقتل، فتخترقه الشظية، وقد عرف أنها اللحظة اللحظة، فانكبَّ معانقًا الأرض مودعًا فيها سره الأخير، ملحقًا دمه بعرقه، وفراقه بدمعه، وبشراه بموته، متحاملًا على جرحه، وهو الشهيد على أي جنبٍ كان في الله مصرعه، لكنه يصرّ، أن يبعث ساجدًا، باثًّا آخر أنفاسه بالدنيا في ترابٍ طاهر زكيّ، ذاهبًا إلى الفردوس الأعلى بسجدةٍ صادقة، كأنه يدفن نفسه بنفسه، في كبِد غزة، وهو الذي عاش عمره كله في كَبَدها.