#ليبيا#تونس#libya
عاجل | تعليقا على اجتماعات تونس لمتابعة تنفيذ بنود #الاتفاق_التنموي الموحد والمسار الاقتصادي برعاية وزارة الخزانة الأمريكية.. بيان صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا:
-المشاركون المذكورون في الاجتماعات "رفعت العبار" و "فاخر بوفرنة" لا يمثلون هذه المناطق في الملفات التنموية والاقتصادية.
-المخرجات التي تصدر عن هذه الاجتماعات تُعد غير ملزمة للصندوق ولن يُعتد بها.
-المسار بصيغته الحالية قد يعيق تنفيذ مشروع التنمية الوطني.
-نلتزم بالعمل وفق القوانين المنظمة، وعلى رأسها قانون إنشاء الصندوق وتشريعات ميزانية التنمية.
-نجدد التزامنا بتنفيذ خطط تنموية استراتيجية لتحقيق تنمية مستدامة في ربوع البلاد.
-مدن الشرق وجنوب ليبيا تشهد مشاريع تنموية واسعة تشمل البنية التحتية والمرافق الحيوية، أبرزها إعادة إعمار مدينة درنة.
14 عاما على ثورة الحرية والكرامة.. حذار من فشل العبور إلى سوريا الدولة
بعد 14 عاما نحتفل اليوم بالمستحيل بسقوط نظام الأسد. سقط هذا النظام بعد أن تملكني شعور الهزيمة حالي حال الآلاف ممن شاهدوا كيف كان يرحل الجميع ويبقى الأسد.
ولأن محاولة الاحتجاج في ظل نظام الأسد معجزة لا تصدق مثلما جرى في سوقي الحريقة والحميدية الدمشقيين في مثل هذه الأيام بين 17 فبراير و15 مارس 2011، فإن الثورة على هذا النظام من درعا في 18 مارس وسقوط أول شهيد في "جمعة الكرامة" كانت فعلا أسطوريا بحق. فما بالنا بانتصارها من إدلب بعد 14 عاما من التضحيات والعذابات والدماء واللجوء والجوع والاعتقال والهزائم والتهجير وكلمات أخرى تعجز عن وصف الواقع، أو المعاجم عن صك مثيلاتها للتعبير عن البؤس والشقاء.
الثورة أسهل من الحكم
ولأن ثورة "الحرية والكرامة" عزيزة علينا وثمارها أعز وأثمن لا بد من الخوف على مرحلة ما بعدها. إذ أن مرحلة الثورة على صعوبتها قد تكون أسهل ربما من الحفاظ عليها كمنجز تاريخي في مرحلة بناء الدولة. ففي السياسة دائما يقال إن المعارضة أسهل من الحكم، وكذلك ربما في الثورة حيث يكون الهدف الاستراتيجي إسقاط الطاغية لا إدارة حكومة ومؤسسات وقيادة شعب من مختلف المكونات.
قد تكون "تجربة إدلب" نموذجا صغيرا محدودا ناجحا لكنه لا يبنى عليه في إدارة المرحلة في بلد شديد التعقيد الديموغرافي والجيوسياسي. هذا عدا عن معاناة مختلف مناطقه من عقود من التهميش والإهمال والإفقار، لتكشف مرحلة ما بعد سقوط النظام عن ترهل كبير في البنية التحتية جعل من العاصمة دمشق مثلا مدينة توقفت فيها عقارب الساعة في خمسينيات القرن الماضي.
"مات الملك عاش الملك"
أكثر من ذلك، ماذا عن نفوس السوريين، ماذا عن التجريف الثقافي والفكري الذي تعرضوا له خلال أربعة وخمسين عاما. فما لبث أن سقط الأسد حتى أقدم البعض على رفع صور الرئيس الجديد أحمد الشرع "مات الملك عاش الملك". ورغم أن الشرع أمر بمنع هذه الظاهرة، إلا أن ألسنة "المنحبكجية الجدد" متأهبة لتبرير أي فعل هنا أو الدفاع عن أي خطأ هناك.
وماذا عن أولئك الذين عبروا عن صدمتهم لرؤية رجال الأمن يرفضون الرشوة أو يدفعون مقابل ما يأخذون، أو يبتسمون للمارة ولا ينهرونهم، أو حتى عندما تصيبهم تلك السيارات الحديثة القادمة من إدلب بالدهشة وكأنها أنها آتية من كوكب آخر. فعلا إن السوريين اليوم لا سيما الذين كانوا في مناطق سيطرة النظام يشهدون تحرك عقارب الساعة من جديد.
النار تحت الرماد
لكن هذه الساعة ولظروف لا يمكن حصرها تتحرك ببطء والناس لا يمكنها أن تنتظر. وكل منهم له مطالبه وإرضاء الجميع غاية لا تدرك. فلا الحوار الوطني حظي بإجماع ولا بالطبع الإعلان الدستوري نال بركة الجميع. ورغم توقيع الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية ومحاولات التفاهم مع أهالي السويداء إلا أن نار الخلاف لا تزال تحت الرماد. أما أحداث الساحل فلا تزال جروحها تنزف رغم محاولات تضميدها في الداخل واحتواء تبعاتها في الخارج لا سيما وأن البعض حولها لورقة ضغط في عواصم غربية ومحافل دولية لمنع رفع العقوبات الدولية عن السوريين. وبين هذه الأزمة وتلك، مواطن سوري ينظر إلى رزمة من الأموال لا قيمة لها ولا تكفيه لإعالة أسرته أسبوعا كاملا بفعل انهيار العملة وتضخم الأسعار.
ما الحل إذن؟
مثلما أن المعارضة أسهل من الحكم، فإن التنظير أسهل من الفعل. هذا هو الواقع الذي لا مهرب منه. لكن كما أنه لا غنى عن المعارضة فلا غنى عن التنظير أيضا.
لذا أعتقد أن على الرئيس أحمد الشرع اليوم، بشرعيته الثورية والدستورية الممتدة لخمس سنوات، أن يبادر هو لا غيره إلى إجراء حوارات وطنية جامعة تشمل كل مكونات السوريين من الأكثرية والأقليات. وإن تطلب الأمر منه شخصيا أن يزور مرجعيات ووجهاء المناطق فليفعل، وهو الذي اشتهر بجولاته على بلدات وقرى إدلب خلال إدارته لها، ويشهد دفتر ملاحظاته على تدوينه لمئات المطالب التي قضاها والمظالم التي ردها.
يصعب النوم في منزل لا يضمن أمنه، فما بالنا بمنزل مخلعة أبوابه ومشرعة شبابيكه، وفي كل غرفة يحيك شاغلوها مشروع الانفصال بها كشقة جديدة. يمكن فرض الطاعة بالترغيب والترهيب لكن من يضمن صفاء النوايا، فما قيمة الاتفاقيات والعهود إذا كانت تنتظر اللحظة المناسبة لنقضها أو النكث بها.
تضحيات المنتصر.. لا إقصاء ولا استئثار
أثبت الشرع خلال سنوات تحولاته قدرته الهائلة على تنظيم الخلافات وإدارتها من تلك العقائدية الفكرية إلى العسكرية والسياسية. ولولا تلك العقلية البراغماتيكية النفعية لما استطاع خرق النظام عبر كبار رجالاته وتحقق النصر وسقط النظام بأقل كلفة ممكنة. فهل يعقل اليوم أن يبذل في مرحلة ما بعد الثورة دماء وأثمان أكبر؟
لا أظن أن نسج الخطوط المقطوعة ورقع الخريطة السورية أمر يصعب على الرئيس السوري وأمناء سره ومعاونيه الأقربين. فالتعافي من تركة النظام البائد وبناء الدولة يتطلب تضحيات وتنازلات من المنتصر، رغم شرعيته الثورية، لا تشعر الآخرين بإقصائهم أو تولد لديهم شعورا باستئثاره بالقرار.
لقاء اليد الممدودة في منتصف الطريق
لا يعني ذلك مطلقا تخلية ساحة الأطراف الأخرى من المسؤولية الوطنية والتاريخية للقاء في منتصف الطريق ومد اليد إلى اليد الأخرى الممدودة. فقد أثبت السنوات الماضية أن الرهان على دعم خارجي من هنا أو هناك تنتهي مفاعيله بتحقيق الطرف الخارجي لمصالحه الوقتية، فها هم الأمريكيون على وشك الرحيل من شمال شرقي البلاد، وكذلك الروس يطردون من احتمى من السوريين بقاعدتهم في حميميم ويفكرون جديا بمغادرتها. أما الرهان على حماية إسرائيل، دولة اليهود القومية قانونا، فلا مكان فيها لغير اليهود إلا في مراتب الدرجة الثانية والثالثة. وليُسأل سكان إسرائيل من فلسطينيي داخل الخط الأخضر عن أحوالهم، وبينهم الدروز الذي يزجون في معارك الجيش ويمنعون من ترخيص لبناء منزل.
الرهان على العبور إلى الدولة
سقط النظام ولم تسقط التحديات والأنظار كلها اليوم على التجربة السورية بعد إخفاقات ثورات الربيع العربي سواء بسبب أخطاء وقع فيها المنتصرون أو ثورات مضادة تآمرت فيها وجوه الدولة العميقة لحماية مصالحها. فالرهان اليوم على نجاح السوريين في مرحلة العبور إلى الدولة لأن به سيقاس نجاح الثورة من عدمه. فما النصر العسكري إلا بداية، وما حمل السلاح إلا أداة حققت هدفها وليس الغاية.
https://t.co/9yKYwLo8cQ
الملك دونالد والحرب مع الدبابير
بينما كنت أطالع أحد الكتب الكلاسيكية استوقفتني عند قصة حدثت في العصور الوسطى لقائد عسكري أنقذ مدينة سيينا الإيطالية من عدو كاد أن يحتلها. احتار سكان المدينة الواقعة في إقليم توسكانا كيف يكافئوه، فلا المال ولا حفلات التكريم تضاهي إنجازه في الحفاظ على حرية المدينة. وبينما قرروا أن يجعلوه سيدا على المدينة، وجدوا ذلك أيضا غير كاف. عندها قدم أحد دهاتهم فكرة شيطانية لوجهاء المدينة مفادها "دعونا نقتله ثم نعبده كقديس شفيع لنا"، وهكذا فعلوا.
الملك والساحر
دفعتني هذه الحادثة لاستحضار الأجزاء الثلاثة من قصة "المؤامرة ضد الملك" المخصصة للأطفال والتي ألفها كاش باتيل. وهو اليوم مدير مكتب التحقيقات الفدرالية المعين حديثا والمثير للجدل بمشروعه تفكيك الـFBI وتحويله إلى متحف للدولة العميقة. وقصص كاش هذه تدور حول شخصية "الملك دونالد"، الذي استطاع بمساعدة "الساحر باتيل" مواجهة الدولة العميقة ومرشحي الحزب الديمقراطي ووسائل الإعلام الرئيسية في البلاد في قالب أسطوري من العصور الوسطى أيضا.
و"الملك ترمب" لم يعد حبيس قصص باتيل، إذ أن حساب البيت الأبيض على "إكس" نشر غلافا يحاكي أغلفة مجلة التايمز، تحتله صورة ترمب وعلى رأسه التاج، إلى جانبها عبارة "عاش الملك"، وذلك عقب قراره بمنع رسوم دخول السيارات إلى شبه جزيرة مانهاتن بنيويورك في ساعات الذروة.
الولاء والطاعة أولا
لقد تخطى ترمب في إدارته البلاد عقلية رجل الصفقات والتطوير العقاري إلى الشعور بأنه "الملك"، قولا وفعلا. ولا أبالغ هنا بذلك، فالرجل يسعى لاختصار أجنحة السلطة الثلاثة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، في شخصه. ولعمري إن في ذلك تفتيت حجر الزاوية الدستوري الذي قامت عليه الولايات المتحدة منذ وضع الدستور في فيلادلفيا عام 1789 بأن لا يحكم البلاد طاغية أو ملك.
يشعر ترمب بفائض من القوة في الكابيتول حيث لديه أغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وكذلك في الشارع المقابل داخل المحكمة العليا حيث أن 6 من أصل 9 قضاة يؤيدون سياساته. أما في الجناح الغربي في البيت الأبيض وكذلك في المكتب التنفيذي للرئيس ومكتب الإدارة والميزانية، فيخضع كل من يعمل هناك من وزراء ومستشارين وموظفين لمبدأ الولاء الشخصي لـ"الملك" وطاعته المطلقة وعدم الاعتراض عليه ولو من باب مهني أو قانوني. ويدور حول هؤلاء كورس من النواب والشيوخ بلغ فيهم الأمر اقتراح إصدار ورقة نقدية جديدة من فئة 250 دولار عليها صورة ترمب أو استبدال صورته بصورة أحد الآباء المؤسسين بنجامين فرانكلين على ورقة 100 دولار.
الاقتراب من المحظور
لقد استطاع ترمب منذ 20 يناير الماضي تسديد ضربات لمنظومة المؤسسات والوكالات الحكومية في البلاد. وسلط عليهم إيلون ماسك بصفته رئيس إدارة الكفاءة الحكومية وفريقه من مهووسي التقنية والذكاء الاصطناعي لتعقب مصاريفهم والتوصية بإغلاق مكاتبهم ووكالاتهم. وها هو اليوم يتوعدهم بالساحر "باتيل" في سعيه للقضاء على نفوذهم ومراكز قواهم والكشف عن أعمالهم القذرة من عمليات اغتيال آل كينيدي ومارتن لوثر كينغ إلى الاتجار بالأطفال واستغلالهم جنسيا في جزيرة جيفري ابستين.
لم يحدث أبدا أن انهزمت الدولة العميقة في الولايات المتحدة. إذ لا يكفي الاحتماء باللوبيات ولجان العمل السياسي لمواجهة ما يعرف بـ"الكبار"، أيا كانت قوتها بما فيها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "آيباك" أو تلك التي تمثل التيار المحافظ من الإنجيليين والمشيخيين.
مصالح الكبار
والحديث عن الـ"كبار" لا يعني أشخاصا مثلما الحال في دول عربية أو جمهوريات الموز، بل عن منظومة متكاملة من المصالح والشركات والاستثمارات والإعلام تتحكم بالمسرح الأمريكي من خلف الستار. وتحتل المصالح الاقتصادية رأس الهرم مثل المجمع الصناعي العسكري، وشركات الأدوية الكبرى، وعمالقة النفط والطاقة، وبورصة وول ستريت والمؤسسات المالية الكبرى، وشركات الزراعة الكبرى، ووسائل الإعلام الرئيسية.
ومصالح هؤلاء الـ"كبار" اليوم في خطر على 5 مستويات على الأقل:
الأول، فرض ترمب لرسوم جمركية على البضائع المستوردة سيرفع من الأسعار ويفاقم من التضخم، الذي يلقي بأسبابه على إدارة جو بايدن.
الثاني، رسوم ترمب الجمركية ستقابلها أخرى مضادة مما سيخنق عمليات التصدير الأمريكية إلى الأسواق الخارجية بفعل الإحجام عن استيراد المنتجات الأمريكية لارتفاع كلفتها.
الثالث، إيقاف تمويل المساعدات لا سيما الخارجية سيضر بكثير من القطاعات الأمريكية في الصناعات العسكرية والغذائية والدوائية، باعتبار أن الحكومة الأمريكية الزبون الأكبر لتلك الشركات الكبرى.
الرابع، تراجع أسواق المال في وول ستريت وناسداك بشكل ملحوظ بفعل تصريحات ترمب بشأن التعريفات الجمركية وكذلك بسبب انخفاض مؤشر ثقة المستهلك وتراجع الانفاق الاستهلاكي. وأسواق المال هذه بالنسبة للأمريكيين وغيرهم، عدا أنها تعكس قوة الاقتصاد، هي مخزن استثماراتهم وبرامجهم التقاعدية.
الخامس، دفع ترمب لخفض أسعار النفط من خلال زيادة الإنتاج عبر دول أوبك سيؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الاستيراد نظرا لانخفاض سعره، والعودة للاستغناء عن الإنتاج المحلي الذي تعتبر تكلفة استخراجه مرتفعة.
أعشاش الدبابير في خطر
بينما يستند ترمب إلى شعبوية "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" و"أمريكا أولا"، والتي أعادته إلى الرئاسة بوعود تقليل الإنفاق الحكومي ومكافحة الهدر والفساد وتقليل المديونية وحماية القيم المحافظة ومؤسسة العائلة، إلا أنه صار يقترب كثيرا من أعشاش الدبابير التي لم تعد تحتمل الضربات التي تتعرض لها وقد ينكسر أحدها في أي لحظة. وعندها لا أحد يعلم ما الذي سيحصل؟ هل يستطيع "الملك دونالد" بمساعدة الساحر "باتيل" إبادة الدبابير؟ أم أن الدبابير ستتحالف وتقضي عليه؟ أو ربما يلجأ السكان المثقلين بالتضخم والانكماش الاقتصادي إلى التضحية بـ"المخلص" وتقديسه لاحقا؟
والتاريخ الأمريكي يشهد على حوادث مشابهة طالت رؤساء تحولوا إلى رموز من مخلصهم من العبودية أبراهام لينكولن إلى قائد سباقهم إلى الفضاء جون كنيدي، مرورا بجميس غارفيلد وويليام ماكينلي. هذا فضلا عن محاولات كثيرة لم تنجح على مر التاريخ الأمريكي استهدفت ملهمه رونالد ريغان ولم يسلم منها هو "الملك دونالد" مرتين في بنسلفانيا وفلوريدا.
كولونيالية ترمب في خطة تهجير غزة.. السعودية في الواجهة
ما الذي يريده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مقابل رفع سقف مطالبه الجنونية بشأن غزة؟ فما يفعله يتجاوز "فن الصفقة"، كتابه الشهير.
إذ أن الصفقة تعني تحقيق الطرفين مكاسب بمعزل عن حجمها "Win Win Situation"، إلا أنه هذه المرة لا يريد للطرف الآخر أي مغنم بل على العكس يدفعه نحو الخسارة المحققة.
جمعت أفكاري المشتتة بفعل ما آلت إليه القضية الفلسطينية في ظل إصرار ترمب على تهجير سكان غزة ودعمه ضم مناطق في الضفة، وتوفيره غطاء للتوسع الإسرائيلي خارج الجولان السوري، ولتمديد بقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
وحاولت التفكير بعقل ترمب نفسه لأعرف ما وراء مطالبه التعجيزية خصوصا أنه منشغل مع إيلون ماسك في تفكيك الدولة العميقة ومؤسساتها ووكالاتها الفدرالية، والتدقيق في ميزانياتها، وصرف آلاف موظفيها.
واستنتجت أن ترمب يسعى للحصول من العرب، خصوصا السعودية، على 5 مطالب كبرى على الأقل بمعزل عن ترتيبها:
الأول، مطلب إسرائيلي مصيري، يقضي بتخلي الدول العربية، لا سيما السعودية، عن مطلب إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية مقابل التطبيع مع تل أبيب. ويحقق ترمب فيه وعوده لمجموعات الضغط الإسرائيلية ولكبار ممولي حملته من اليهود والمتصهينين الإنجيليين، كما يضمن حمايتهم له في حربه الداخلية على الدولة العميقة.
الثاني، مطلب أمريكي تكتيكي، يهدف إلى الضغط على السعودية، التي تقود أوبك، لخفض أسعار النفط. وما ينتج عن ذلك من تقليص قيمة الواردات الروسية والإيرانية من عمليات البيع بغية الضغط على موسكو بشأن أوكرانيا، وكذلك على طهران في ضرب برنامجها النووي. ويتيح هذا المطلب للولايات المتحدة المستهلك العالمي الأكبر استيراد نفط تكلفته أرخص من استخراجه في أراضيها.
الثالث، مطلب أمريكي استراتيجي، بدفع دول الخليج، لا سيما السعودية وقطر والإمارات، إلى تمويل سباق التسلح الأمريكي في مجال الذكاء الصناعي بوجه الصين. وهذا السباق يتطلب تريليونات الدولارات، أي آلاف المليارات، تصرف على مراكز البيانات العملاقة التي تحتاج إلى أراض واسعة وطاقة كهربائية جبارة، وأنظمة تبريد غير عادية تعمل بالمياه، إضافة إلى التكلفة الرئيسية في إنتاج الخوادم والمعالجات وتطوير الخوارزميات.
الرابع، مطلب يعكس غرور ترمب وعنجهيته، إذ أنه يريد من السعودية رفع قيمة استثماراتها في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار، وهو الشرط الذي وضعه لزيارة الرياض في أول زيارة خارجية له، بعد إبداء ولي العهد الأمير محمد سلمان رغبة السعودية الاستثمار بـ600 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة.
الخامس، مطلب ابتزازي أكثر مما هو اقتصادي، بتقليص حجم المساعدات الأمريكية الخارجية وهو ما عبر عنه ترمب أمام العاهل الأردني بأن واشنطن تقدم أموالا كثيرة للأردن ومصر "لكننا لن نصدر تهديدات بشأنها". وتقدر هذه المساعدات سنويا بـ1.7 مليار دولار للأردن، و1.5 مليار دولار لمصر. وتتربع إسرائيل على رأس قائمة الدول المستفيدة من المساعدات الأمريكية الخارجية في المنطقة بأكثر من 3.3 مليار دولار. ولا يستغرب مثل هذا المطلب خصوصا أن هدف ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا ليس حقن الدماء بقدر ما هو وقف تدفق المساعدات الأمريكية لكييف التي بلغت أكثر من 17 مليار دولار سنويا.
أعتقد أن العرب لا يتأملون شيئا من مقررات القمة الطارئة في القاهرة نهاية فبراير الحالي على قاعدة "من يجرب المجرب…"، لكنهم يولون وجهوهم شطر السعودية التي يستضيف فيها الأمير محمد بن سلمان اجتماعا بحضور زعماء عرب بينهم قادة مصر والأردن، لتقديم خطة عربية بديلة تقضي بإعادة إعمار غزة دون تهجير الفلسطينيين.
وبرأيي أن القادة العرب على دراية تامة، وهو ما عكسته مواقفهم الرسمية ووسائل إعلامهم الحكومية، أن القضية الفلسطينية وكذلك مصير دولهم وأنظمتهم على المحك. إذ أنه مجرد القبول بشروط ترمب التعجيزية ستنقلب المنطقة رأسا على عقب، شعبيا وأمنيا، ولن يكبح جماح الرئيس الأمريكي في طلب المزيد.
لقد أعادنا ترمب مئات السنين، إلى حقبة الاستعمار، حيث لا قانون ومنظمات دولية تقوم بحوكمة العلاقة بين الدول. فقد رد على استفسار صحفي بأنه بأي سلطة سيستولي على غزة، بالقول إنه بموجب "السلطة الأمريكية". موقف إمبريالي يتماهى مع دعوة نتنياهو السعودية إلى إقامة الدولة الفلسطينية على أراضيها باعتبار أنها تملك ما يكفي من الأراضي.
لا يجب أن يقتصر الرد على خطط ترمب - نتنياهو بتقديم خطة بديلة. فهذه المواقف الكولونيالية بروح الصفقات العقارية استفزت عواصم أوروبية وعالمية مما يوفر أرضية مشتركة لمواجهة هذا النهج رسميا وشعبيا، حتى لا يؤكل الثور الأسود يوم أُكل الثور الأبيض.
فالسعودية اليوم أمام فرصة ومسؤولية تاريخية لتولي زمام المبادرة بقيادة تحالف عربي إسلامي دولي للتصدي لهذا الخطر الداهم على أمنها القومي وكذلك العربي وعلى ما تبقى من حدود 1967.
الصين وأمريكا.. استعمار الداتا وستار السيليكون
وسط تكشير الصين عن أنيابها "الناعمة" بوجه الولايات المتحدة، نفث التنين لهيبه ليحرق ٦٠٠ مليار دولار من القيمة السوقية لعملاقة المعالجات الحوسبية Nvidia في جلسة تداول واحدة ببورصة الناسداك.
ولم يكن هذا اللهيب سوى الكشف عن التطبيق الصيني لمحادثة الذكاء الاصطناعي DeepSeek الذي سرعان ما تصدر قوائم الأعلى تحميلا على أجهزة الأمريكيين متفوقا على التطبيقات الأمريكية لا سيما ChatGPT في عدد مرات التحميل ومنافسا حتى بالقدرات، عدا عن تميزه بأنه مفتوح المصدر.
ولما كانت الولايات المتحدة تبحث في كيفية احتواء الندوب التي سببها تطبيق تيك توك وتسلله إلى بيانات ١٧٠ مليون مستخدم أمريكي، جاء الكشف عن النموذج R1 من تطبيق DeepSeek ليقلب الطاولة رأسا على عقب بعد الكشف أن تكلفة تدريبه لم تتجاوز ٦٠ مليون دولار مقابل مليارات الدولارات رصدتها التطبيقات الأمريكية في شركات مثل OpenAi وMeta. ولا تتعلق التكلفة بعدد المعالجات الباهظة الثمن والمستخدمة في التدريب فحسب، بل أيضا بعدد موظفي التطبيق الصيني الذين يقدرون بنحو ٢٠٠ مقابل ٤٥٠٠ في OpenAi.
هذا الكشف المذهل جاء بعد أيام معدودة من إعلان الرئيس دونالد ترمب عن رصد ٥٠٠ مليار دولار لمشروع Stargate لتطوير الذكاء الاصطناعي وإلى جانبه الرؤساء التنفيذيين لشركات OpenAi وOracle الأمريكيتين وSoftbank اليابانية.
وبعد أن استشرست الولايات المتحدة لحماية بنيتها التحتية وبنية حلفائها لشبكات الجيل الخامس من شركة هواوي، وكذلك التضييق على عملاقة صناعة المسيرات DJI، ومحاولات التصدي لشركات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت مثل Temu وSheIN، وكذلك الإنتاج الضخم من السيارات الصينية، فإنها اليوم تتلقى صفعة كبيرة، وصفها أحد كبار رواد الاستثمار الجريء والبرمجيات مارك أندرسن بأنها "أشبه بلحظة سبوتنيك" في إشارة إلى أول قمر صناعي يطلق إلى الفضاء في ٤ أكتوبر ١٩٥٧ على أيدي الاتحاد السوفياتي.
هذا الذهول والإعجاب في الولايات المتحدة بقدرات التطبيق الصيني، والذي أقر فيه الرئيس التنفيذي لـOpenAi سام ألتمان وكذلك متحدث باسم Nvidia، مرده بالدرجة الأولى إلى فشل كل سياسات حظر التصدير الأمريكية لأشباه الموصلات والرقائق الحوسبية إلى الصين. فالمحللون التقنيون يعتقدون بأن الشركة الصينية استطاعت الاستحواذ على ٥٠ ألف شريحة معالج H100 من Nvidia على أقل تقدير، بعد أن كشف الرئيس التنفيذي لـDeepSeek ليانغ وينفنيغ استخدامهم ٢٠٠٠ شريحة فقط في تطوير نموذجهم. ووسط الفشل في إيجاد تفسير مقنع، بدأت الاتهامات للشركة الصينية بالحصول بطريقة على شرعية على بيانات من OpenAi لاستخدامها في تطوير نموذجها.
لكن الأمر أعمق من ذلك إذ يعود إلى العام ٢٠١٧ عندما أعلنت الصين عن إطلاقها وكالة حكومية للابتكار والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي انطلاقا من عقدتها التاريخية بأنها تخلفت عن اللحاق بالثورة الصناعية وعاشت قرونا من الإهانة، كما يقول يوفال نواه هراري في كتابه الأخير Nexus.
فالصين ترى أنها لن تستطيع المنافسة في السيطرة على الأراضي والمستعمرات بعد الآن إلا من خلال مفهوم احتلال الداتا أو البيانات للحكومات والشركات والأفراد لتصبح على اطلاع وقدرة في التحكم بكل شاردة وواردة دون إرسال أي جندي.
ومع إعلان شركة علي بابا الصينية عن إطلاق نموذجها Qwen 2.5 من الذكاء الاصطناعي الذي يوصف بأنه يتفوق على DeepSeek، فإنه يصح القول إن المنافسة لم تعد صينية أمريكية بقدر ما هي ما بين المدن الصينية الكبرى مثل شانغهاي وغواندونغ وهانغتشو وجيجانغ وبيجين.
يبدو أننا أصبحنا في خضم ظاهرة استعمار الداتا التي تقوم بها الإمبراطوريات الحديثة، وهي أشبه باستعمار المواد الأولية للدول الفقيرة التي لن تحصل كالعادة على أي عائد. لكن الأخطر هنا أن كل امبراطورية لديها أدواتها التي تقدم تفسيرات وإجابات مختلفة ومتناقضة. فقد جرى توجيه أسئلة عدة إلى تطبيق DeepSeek تتعلق بموقف الصين من تايوان أو بشأن الانتهاكات الحقوقية للمسلمين الأيغور، أو لماذا يقارن الرئيس الصيني بـ"ويني الدبدوب"، لكن التطبيق قدم وجهة النظر الحكومية الصينية أو دعا المستخدم للبحث عن شيء آخر.
هكذا ستصبح كل إمبراطورية تعيش في شرنقة، كما يقول هراري، يفصل بينها ستار السيليكون بعد أن كان ستارا حديديا إبان الحرب الباردة وسط تحذيرات من أن الحرب السيبرانية أكثر خطورة من الحرب النووية التي يمكن التنبؤ بحجم أضرارها، خلافا للحروب المعلوماتية لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي حيث تقوم الآلة بمعالجة البيانات الضخمة Big Data والتعلم الآلي وإصدار القرارات بشكل ذاتي دون العودة إلى العامل البشري المشغل أو قدرته على التحكم، مثل الذي أحضر العفريت ولا يستطيع أن يصرفه.
اتفاق القسام.. واستسلام حزب الله
تقضي النسخة العربية من اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية خلال فترة لا تتجاوز ٦٠ يوما تنتهي في ٢٦ يناير ٢٠٢٥.
لكن الأمر المفاجئ والمتوقع في الآن نفسه أن إسرائيل، وبدعم كامل من إدارة دونالد ترمب، قررت تمديد فترة بقائها داخل لبنان بشكل رسمي.
وهناك ٣ ذرائع رئيسية على الأقل في الموقف الإسرائيلي الذي عبرت عنه حكومة بنيامين نتنياهو:
الذريعة الأولى، أن الجانب اللبناني لم يلتزم بالاتفاق الذي يقضي بانسحاب حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني في تلك المناطق. أما الذريعة الثانية، فهي أن إسرائيل لم تنته بعد من تفكيك بنية حزب الله العسكرية التي تهدد عودة سكان الشمال. في حين أن الذريعة الثالثة تقول إن البند الذي يقضي بانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي خلال ٦٠ يوما تمت صياغته بناء على فهم بأن عملية الانسحاب قد تستغرق أكثر من ٦٠ يوما.
والذريعة الثالثة تعود بنا إلى عقود حين صدر القرار الدولي ٢٤٢ الذي يقضي بانسحاب إسرائيل من "الأراضي المحتلة" عام ١٩٦٧ لكن إسرائيل فهمت القرار على أنه من "أراض محتلة". وبما أن الفهم الإسرائيلي للقرار يفتح الباب على أكثر من ٦٠ يوما، فإن الانسحاب الكامل غير مضمون خصوصا أن نتنياهو يريد قبض ثمن موافقته على طلب ترمب وقف إطلاق النار في غزة من خلال تعويض ذلك في الضفة الغربية وجنوبي لبنان وسوريا.
ومع عدم التزام إسرائيل بالعودة إلى ما يعرف بالخط الأزرق الذي رسم الحدود الدولية مؤقتا بعد الانسحاب عام ٢٠٠٠، فإن لبنان يعود رسميا إلى مفاعيل القرار الدولي ٤٢٥ عام ١٩٧٨ القاضي بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، ولم يطبق إلا بعد ٢٢ عاما!
وفي ظل الاتهام الإسرائيلي للبنان بعدم تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في ٢٧ نوفمبر بوساطة أمريكية، إضافة إلى عجزه عن تطبيق القرارات الدولية ١٥٥٩ و١٦٨٠ و١٧٠١ لا سيما لجهة نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة، فإن إسرائيل اليوم ستتمسك بذريعة وجودها داخل لبنان بعد الضربات الجسيمة التي كسرت ظهر حزب الله.
منذ التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان مطلع أكتوبر ٢٠٢٤، عملت القوات الإسرائيلية على نسف قرى بكاملها بما يشير إلى نية مبيتة تمنع عودة النازحين من السكان أو تؤخر عودتهم لأطول فترة ممكنة لصالح بقاء القوات الإسرائيلية.
وبينما تقول إسرائيل إنها تهدف لحماية سكان الجليل، إلا أنها انسحبت تقريبا من معظم القطاع الغربي، وأعادت تموضعها في القطاع الأوسط. أما القطاع الشرقي لا سيما مثلث الحدود اللبنانية السورية الإسرائيلية فإن حكومة نتنياهو تنظر بعين استراتيجية لأهمية هذه المنطقة الجبلية الكاشفة لأصبع الجليل والعمق السوري حتى دمشق وكذلك البقاع اللبناني.
وقد عززت القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد وجودها على هذا المحور بالسيطرة على قمة جبل حرمون والتوغل بعد خط وقف إطلاق النار ١٩٧٤ داخل الأراضي السورية لتصبح على بعد ٢٠ كلم من دمشق.
في الداخل اللبناني، يحمل حزب الله السلطة السياسية المسؤولية ويطالبها بالضغط على الدول الراعية للاتفاق بما يضمن تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي. ويبدو هنا أن حزب الله يستمر في منهج المكابرة والتلاعب بالعقول "Gaslighting"، مفترضا أن اللبنانيين تناسوا من الذي فتح جبهة لم تسند غزة ولم تحم لبنان وخلفت آلاف الضحايا وجلبت الخراب والدمار وقضت على معظم البنية العسكرية لحزب الله بما في ذلك أرفع قادته، بشكل لم تعد إسرائيل ترى فيه خطرا حتى على جنودها في جنوبي لبنان.
وإذ يحاول حزب الله الترويج في الداخل اللبناني على أن تطبيق القرار ١٧٠١ ينحصر جنوبي نهر الليطاني، إلا أن نص القرار واضح وصريح ويشمل جميع الأراضي اللبنانية، وهو مبدأ تضمنه خطاب القسم للرئيس جوزيف عون وخطاب التكليف لرئيس الحكومة نواف سلام.
لا يزال حزب الله يتعامل في السياسية كما في الحرب وفق معطيات عام ٢٠٠٦ حين استطاع فرض شروطه على الإسرائيليين، لكن اليوم الأمر مختلف تماما، فهو لم يجرؤ على المطالبة بمقاتليه الذين أسروا في الحرب الأخيرة. كما أنه قبل باتفاق وقف إطلاق النار فيه من الغموض ما يكفي ليسمح لإسرائيل باستمرار ضرباتها على أهداف مختلفة للحزب دون أي رد أو ربما قدرة على الرد نظرا لما ستجلبه هذه الخطوة من عودة الغارات الإسرائيلية التدميرية وسط انقسام سياسي وشعبي لبناني حاد.
على الجانب الآخر، يتابع العالم بأسره كيف استطاعت حركة حماس الصمود في غزة لصياغة اتفاق وقف إطلاق نار واضح بمراحله الثلاثة وببنوده وتفاصيله لجهة مناطق الانسحاب وعدد الأسرى المفرج عنهم في كل مرحلة إضافة إلى عدد شاحنات الإغاثة وعودة النازحين إلى الشمال. فبينما كان الغزيون يعيشون لحظات من الفخر والانتصار، كان اللبنانيون يتساءلون عما إذا كانوا قد وقعوا ضحية وثيقة استسلام.
الأمين العام للأمم المتحدة يعين هانا سيروا تيتيه (غانا) ممثلة خاصة له في #ليبيا ورئيسة لبعثة الأمم المتحدة في البلاد.
تتمتع تيتيه بخبرة تمتد لعقود على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. شغلت مؤخرا منصب المبعوثة الخاصة للأمين العام لمنطقة القرن الأفريقي.
سوريا أولا وأمريكا أولا.. وكل منا قضيته وبلده أولا
في مشهد سوريالي وسط الجبال البيضاء السويسرية ومنتجعات التزلج يحضر، وزير خارجية الإدارة السورية الجديدة أسعد الشيباني ليكون أول من يمثل سوريا في تاريخها في منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس.
ويشاء القدر وترتيبات المنظمين أن يكون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير هو من يحاور "أبو عائشة" المسؤول السابق في جبهة النصرة أو "حسام الشافعي" المتحدث السابق باسم جبهة فتح الشام أو "زيد العطار" مسؤول العلاقات الخارجية في هيئة تحرير الشام.
وتسجل صفحات التاريخ الحديث أن بين بلير وما يمثل، وبين أبو عائشة وما يمثل، ما صنع الحداد في مدن العراق من أم القصر جنوبا إلى الموصل شمالا بما في ذلك معتقلات بوكا وأبو غريب وكروبر والمطار وغيرها.
لكن النظام العالمي الحديث أثبت مرارا أنه لا يعترف إلا بالقوي الذي يستطيع فرض الأمر الواقع، ولديه في نفس الوقت قدرة براغماتية عالية على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية على قاعدة أن السياسة فن الممكن وأن الغاية تبرر الوسيلة. وأولى هذه الغايات هي الحصول على الشرعية باعتراف خصومه به وحتى أشد أعدائه، وإن تطلب هذا الأمر إعادة صياغة الأهداف التكتيكية العملياتية بما لا يغير من الغاية الاستراتيجية المطلقة.
وقد شهدت السنوات الماضية على نماذج ناجحة مثل حركة طالبان في أفغانستان وكذلك حركة حماس في غزة. فكلتا الحركتان أجبرتا ألد أعدائها على الاعتراف بوجودها كأمر واقع على الأقل والتفاوض معها ولو بطرق غير مباشرة. لكن من النماذج الكارثية كان تنظيم الدولة الإسلامية الذي فشل في الحصول على اعتراف وشرعية لأسباب أولها أنه لا يحظى ببيئة حاضنة وكذلك لم يضع حدودا واضحة لسيطرته.
وبالعودة إلى دافوس، وكلمة أسعد الشيباني الأكاديمي وخريج المدرسة التركية البراغماتية، وهو الذي تخصص في العلوم السياسية والعلاقات الخارجية في جامعة صباح الدين زعيم باسطنبول. فقد أكد في كلامه مع توني بلير أن "سوريا أولا"، ليبدي بلير إعجابه بهذا الموقف. ثم يكمل الشيباني قائلا إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استعار هذا الشعار من السوريين عندما رفع عبارة "أمريكا أولا"، ثم يشدد على أن "سوريا أولا وكذلك سوريا أخيرا للشعب السوري".
حظي تصريح الشيباني بإعجاب واسع على مواقع التواصل، وإن تندر البعض من أسرى عقدة النقص أمام الأجنبي على طلاقته بالإنكليزية التي لا تعيبه ولا تقلل من شأنه، خصوصا أنه استطاع إيصال أصوات ملايين السوريين إلى العالم.
لكن اللافت في عبارة "سوريا أولا" تأكيد القيادة السورية الجديدة أنها تضع الشأن الداخلي نصب عينيها في محاولة للنهوض بالبلاد التي تركها نظام الأسد المخلوع جثة هامدة على جهاز تنفس متهالك. فأن تكون "سوريا أولا" على قاعدة تحقيق المصالح للبلاد وفق منهج ترمب "أمريكا أولا" أو "لنجعل أمريكا عظمى مجددا" فهذا أمر لا يختلف حوله السوريون والعرب، إذ أن سوريا القوية القادرة العادلة الديمقراطية مصدر فخر للسوريين واستقرار للمنطقة.
لكن ما يخشاه البعض أن يكون شعار "سوريا أولا وسوريا أخيرا" قائم على مبدأ الوطنية الانعزالية، وإقرار بالحدود الجامدة التي فرضتها سايكس بيكو، بعيدا عن التفاعل مع العمق العربي وقضاياه وكذلك المحيط الإسلامي وشؤونه، ثم العالم وديناميكيته.
وفي الحديث عن التجارب، فإن التجربة اللبنانية حاضرة وليست ببعيدة زمنيا ولا جغرافيا. إذ أنه إبان الحرب الأهلية رفع الزعيم الكتائبي ورئيس الجمهورية المغتال بشير الجميل شعار "لبنان أولا". واتُهم الجميل حينها بالحالة الانعزالية الهادفة إلى إقامة دولة منسلخة عن محيطها العربي وقضاياه وأولها القضية الفلسطينية، خصوصا لما يربطه من علاقات وثيقة مع الإسرائيليين.
وللمفارقة، يعود زعيم تيار المستقبل المسلم السني سعد الحريري ليرفع شعار الجميل المسيحي الماروني نفسه بعد حوالي ثلاثة عقود. إلا أن الحريري لم يتهم بالانعزال لأنه حينها كان لبنان قد انهك بالاغتيالات والتفجيرات والفساد وما خلفه احتلال نظام الأسد على مدى ثلاثين عام. مثلما كان لبنان قد أنهك في الثمانينيات جراء الاجتياح الإسرائيلي الذي احتل بيروت بعد تحويل البلاد إلى قواعد عسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إذ كان الراحل أبو عمار الحاكم الفعلي للبلاد.
لا يعني شعار "قضيتي أولا" أو "بلدي أولا" بالضرورة تكريسا لحالة انعزالية. فالأولى ترتيب البيت الداخلي لكل منا حتى لا يكون عبئا على جاره، وليتمكن من مد يد العون إليه عند الحاجة دون التدخل في شؤونه والعبث في خصوصياته. ولا يجب النظر بحساسية لمثل هذا الموقف، فكل منا له أولوياته التي تثقل كاهله والتي يعرفها ويعاني منها أكثر من غيره.
ما وراء حب ترمب لـ"تيك توك"
دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الهجوم على الصين وانتقاد العلاقة الاقتصادية معها، واتهامها بالتجسس على الأمريكيين. كما توعد بزيادة التعرفة الجمركية للحد من صادراتها التي صارت تشمل قطاع الأونلاين مثل "شي إن". لكنه هو الرئيس نفسه الذي يوقع أمرا تنفيذيا في اليوم الأول لولايته الثانية والأخيرة لإنقاذ تيك توك.
ورغم أن ترمب نفسه اعتبر في ٢٠٢٠ أن تيك توك تهديد للأمن القومي الأمريكي عندما أصدر أمرا تنفيذيا يحظر التطبيق الصيني ألغته لاحقا المحكمة العليا، وقع هذه المرة عقب حفل تنصيبه مباشرة على قرار بالسماح للتطبيق الصيني بالاستمرار بالعمل داخل الولايات المتحدة لمدة ٧٥ يوما إلى حين عثور ملاكه الصينيين على مشتر أمريكي.
وكان التطبيق محل تجاذب بين إدارة ترمب الأولى ولاحقا بايدن إلى أن وقع الأخير في ٢٤ إبريل ٢٠٢٤ قانونا أعده الكونغرس لحظر تيك توك ابتدء من ١٩ يناير ٢٠٢٥ بهدف "حماية الأمريكيين من التطبيقات التي يسيطر عليها الخصم الأجنبي" نظرا لانكشاف بيانات المستخدمين الأمريكيين على الحكومة الصينية وأجهزتها الاستخبارية والعسكرية.
لكن ما الذي يدفع ترمب عدو تيك توك السابق إلى التعهد خلال حملته الانتخابية الأخيرة بإنقاذ التطبيق؟
بالتأكيد ليس الإعجاب به فقط كما صرح، بل أن هناك عوامل عدة سنستعرضها تباعا وترتبط ارتباطا وثيقا بشخصية ترمب.
يعرف ترمب بهوسه بالشهرة وحب الوصول للجماهير. فبعد اقتحام الكونغرس في ٦ يناير ٢٠٢٠، حظرت تطبيقات تواصل أمريكية على رأسها تويتر وفيسبوك وانستغرام حساباته. الأمر الذي لم يتقبله مطلقا ودفعه إلى إطلاق تطبيقه الخاص "تروث سوشال"، لكنه لم يلق رواجا ملحوظا.
في المقابل، شكل تيك توك بقاعدة مستخدميه المليارية نافذة لترمب على جمهور عريض لا سيما بين الشباب والمراهقين الأمريكيين. إذ يقدر عدد مستخدمي تيك توك في الولايات المتحدة بحوالي ١٧٠ مليونا أي نصف عدد السكان. كما أن الأرقام تشير إلى استقطاب تيك توك لثلثي المراهقين الأمريكيين وتحوله إلى المصدر رقم ١ للأخبار بين الشريحة المستخدمة.
ترمب ومن خلال حسابه على تيك توك الذي يبلغ عدد متابعيه ١٥ مليونا حتى الآن، استهدف شريحة مختلفة من الناخبين الأمريكيين. ليؤكد أنه لولا تيك توك لم يتمكن من الحصول على أصوات الناخبين الشباب وأنه أمر لم يشهده الحزب الجمهوري في تاريخه. وقد لعب نجله بارون دورا بارزا في هندسة علاقات والده مع صناع المحتوى المعروفين باسم التيكتوكرز للوصول إلى أكبر شريحة من جيل زد.
الأمر الآخر الذي يهم ترمب، هو عالم المال والأعمال، إذ قال للأمريكيين "سواء كنتم تحبون تيك توك أم لا، سنجني الكثير من الأموال منه". فهو يتطلع خلال هذه المهلة الممنوحة لاستحواذ شركة أمريكية على خمسين في المئة من قيمة التطبيق المليارية، واسم إيلون ماسك ليس بعيدا عن كواليس الصفقات.
وبالحسابات الدفترية، فإن تيك توك يضيف ٢٤ مليار دولار للناتج المحلي الأمريكي الإجمالي، ويساهم في خلق ٢٢٤ ألف وظيفة ونمو ٧ مليون شركة أمريكية، ويهيمن على ٤٪ من سوق الإعلانات الذي تبلغ قيمته ٣١٠ مليار دولار في ٢٠٢٤.
ولا يهم ترمب الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل أيضا يهمه تمويل حملته الانتخابية ومصالحه الشخصية. فقد كشفت تحقيقات استقصائية أن أحد كبار المتبرعين بملايين الدولارات للحزب الجمهوري رجل الأعمال جيف ياس يملك حصة كبيرة في شركة بايت دانس المالكة لتيك توك.
في المقابل، سيواجه ترمب بتحديات أمنية تفرضها أجهزة ما يسميها هو بالدولة العميقة خصوصا مجمع الاستخبارات الوطني. فتيك توك يستحوذ على بيانات لنحو ملياري مستخدم من حول العالم مما يجعله عائما على آبار من نفط القرن الواحد والعشرين "الداتا". كما أن خوارزميته لم يستطع أحد حتى الآن تفكيك شيفرتها الإدمانية التي تجذب انتباه مستخدميه الأمريكيين لحوالي ثمانين دقيقة يوميا.
وهذه البيانات العملاقة لم تعد محصورة بسلوكيات المستخدم البسيطة وذوقه العام لاستهدافه بحملات تسويقية بل بما يعرف باسم "اقتصاد الانتباه". وكل معلومة أو خطوة يقوم بها المستخدم تستعمل في تدريب خوارزميات الذكاء الصناعي. وهذا المجال سيكون عنوانا لحرب لن تكون باردة بين الولايات المتحدة والصين، ولن ينفع في تجنبها ستار من السيليكون.
ورغم أن الولايات المتحدة حظرت هواوي سابقا، فقد أجبرت تيك توك على نقل خوادم بيانات مستخدميها الأمريكيين إلى تكساس في ٢٠٢٠. إلا أن المسؤولين الأمنيين الأمريكيين يؤكدون أن هذا لن يكون كافيا ولن يمنع الشركة الصينية الأم من الاطلاع على البيانات وتوظيفها لتوجيه الجمهور الأمريكي والتحكم بميوله السياسية والتسويقية.
دونالد ترمب.. الرئيس الذي يخشاه بنيامين نتنياهو
أثارت موافقة نتنياهو على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة استغرابا شديدا وتساؤلات عدة خصوصا أن الاتفاق ببنوده ومراحله لا يمكن تمييزه عن ذلك الذي تم التوصل إليه في مايو ٢٠٢٤ ورفض المضي فيه.
بين مايو ٢٠٢٤ ويناير ٢٠٢٥ نحو ثمانية أشهر من الاتصالات والجولات المكوكية لفرق التفاوض، وقبل ذلك استمرار آلة القتل والتدمير في غزة والزج بمزيد من الجنود الإسرائيليين في مستنقع من الرمال.
فقد كان واضحا أن نتنياهو لا يريد اتفاقا وأنه مستمر في الحرب أيا كان الثمن حتى أن ذوي الأسرى اتهموه بأنه لا يبالي بحياة أبنائهم ولا حتى باستعادتهم جثثا.
فما الذي جرى وكيف وافق نتنياهو على اتفاق يرفضه تيار أقصى اليمين الديني في حكومته ويهدد قادته بالانسحاب من الحكومة وإسقاطها، وما يعنيه ذلك من القضاء على مستقبل نتنياهو السياسي.
يقول كثير من المراقبين إن كلمة السر هي "دونالد ترمب" وأن نتنياهو يريد أن ينجز الاتفاق في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة لا في عهد إدارة بايدن المنصرفة.
وبينما يرى هؤلاء المراقبون أن نتنياهو يريد أن ينسب الإنجاز لترمب تملقا وطمعا بالحصول على دعم ومكاسب جديدة خلال الأربع سنوات المقبلة، إلا أن هناك جانب آخر قد يكون أكثر أهمية يتمثل بخوف نتنياهو وخشيته من ترمب وإدراكه التام أن شخصيته تختلف تماما عن شخصية بايدن.
فالأخير، أي بايدن، يوصف بأنه من أسوأ الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة عدا عن كونه ضعيفا جدا أمام نتنياهو وجموحه الدموي. وهو ما أقر به في مقابلة مع قناة MSNBC، حين كشف كيف تعرض للتوبيخ والهجوم من نتنياهو عندما طالبه بوقف القصف في غزة. ويشهد التاريخ كيف أن إدارة بايدن فتحت مخازن الأسلحة على مصراعيها لإسرائيل ودشنت جسرا جويا محملا بالقذائف والصواريخ لتسهم في قتل نحو ٥٠ ألف فلسطيني. هذا عدا عن الحماية الدبلوماسية والسياسية في المحافل الدولية خصوصا في مجلس الأمن الدولي باستخدام الفيتو ضد قرارات وقف الحرب، إضافة إلى التهديدات للمحكمة الجنائية الدولية.
تشهد العلاقة بين ترمب ونتنياهو توترا ملحوظا خصوصا منذ عملية اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في ٣ يناير ٢٠٢٠ قبل مغادرة ترمب البيت الأبيض بحوالي أسبوعين. فترمب كشف في تصريحات عدة، أن إسرائيل كانت شريكة في التخطيط للعملية إلى أن انسحب نتنياهو من المشاركة في تنفيذها في الساعات الأخيرة خشية من الدخول في صدام مباشر مع إيران. الأمر الذي دفع ترمب إلى الغضب الشديد وتوجيه عبارات نابية إلى نتنياهو.
كما أن ترمب لم ينس كيف سارع نتنياهو في ٨ نوفمبر ٢٠٢٠ إلى تهنئة جو بايدن بفوزه في الانتخابات بينما كان هو لم يقر بهزيمته بعد ولم يصدق الكونغرس رسميا على النتائج.
يحمل ترمب اليهود الأمريكيين جزءا من المسؤولية عن خسارته الانتخابات في ٢٠٢٠. إذ ذكر في أكثر من مناسبة انتخابية وباستياء وغضب، أنه رغم كل ما قدمه لإسرائيل لا يزال اليهود الأمريكيون ملتزمين بنمط تاريخي بتأييدهم بنسب أعلى وملحوظة لمرشح الحزب الديمقراطي.
ويستشهد ترمب وفريقه بأنه اعترف لإسرائيل بضم الجولان المحتل، وقام بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، عدا عن انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعه باراك أوباما. وقبل ذلك كله، الدور الكبير الذي بذله ترمب في التوصل لـ"اتفاقيات إبراهيم" للسلام مع الإمارات والبحرين، وتطبيع العلاقات مع المغرب والسودان.
ولترمب أيضا أسباب أخرى وإضافية تجعله يضمر الضغينة لنتنياهو تتعلق بموقفه مما يسمى الدولة العميقة أو المنظومة التقليدية في الولايات المتحدة ”Establishment”. فقد أعاد ترمب في ٧ يناير الماضي نشر فيديو لمقابلة مع الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس يهاجم فيها نتنياهو بأنه يقوم بالتلاعب بالإدارات الأمريكية منذ ١٩٩٥ وتوريطها في حروب لا منتهية في المنطقة خدمة لمصالحه، وما يعني ذلك من تكلفة سياسية واستراتيجية ومالية باهظة تسددها الولايات المتحدة.
وكان ترمب قد تعهد خلال حملته الانتخابية بإيقاف الحرب في غزة منذ اليوم الأول لولايته. وأكد ذلك للجالية العربية والمسلمة في ولاية ميشيغين ولعمدة مدينة هامترامك اليمني الأصل عامر غالب الذي شاركه المنصة الانتخابية في لفتة تاريخية.
ولأن ترمب لا يضمن نتنياهو وليس لديه ما يخسره كونها ولايته الثانية والأخيرة، فقد استمع لنصيحة السيناتور الجمهوري عن ولاية ساوث كارولاينا ليندسي غراهام الذي دعاه في ديسمبر الماضي إلى إصدار بيان بشأن قضية الرهائن في غزة. حينها توعد ترمب بأنه سيكون هناك ثمن باهظ سيدفع في الشرق الأوسط ويتحمله المسؤولون فيه إذا لم يتم إطلاق سراح الرهائن. وبينما فُهم أن هذا التهديد موجه لحماس ودول عربية إلا أنه أيضا كان موجها لنتنياهو لإرغامه على القبول بصفقة رفضها قبل ثمانية أشهر.
سوريا الجديدة.. ليست للتصدير
ما إن سقط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر المجيد حتى سارع الكثير من السوريين المنفيين والعرب المتضامنين وبينهم شخصيات عامة إلى التوجه نحو العاصمة دمشق لا سيما معالمها الشهيرة جامع بني أمية الكبير وساحة الأمويين التي يتوسطها السيف الدمشقي الشهير.
لا يشكك أحد في مشاعر الشوق المخلصة للهائمين بحب الشام والفرحين بتحريرها، إلا أن البعض خصوصا من الضيوف العرب كان مجرد توثيق حضورهم بالصوت والصورة عبء على السوريين والإدارة السورية الجديدة، هذا عدا عن تمريرهم رسائل سياسية تحريضية مبطنة وعلنية ضد أنظمة عربية وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي لتلقي بثقلها على السوريين وتحملهم ما لا يتحملون.
وبينما حاول قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع، في أولى مقابلاته للإعلام العربي، التنصل من هذه الأفعال بذكاء، أقدم أحد هؤلاء ممن يعرفون بالمهاجرين العرب الذين قاتلوا في سوريا على الإعلان عن تشكيل حركة سياسية تهدف لإسقاط نظام عربي. ودفع ظهوره المتكرر على مواقع التواصل إلى وضع الإدارة السورية الجديدة في حرج شديد مما اضطرها لمنعه.
منذ انطلاق معركة ردع العدوان، حرصت إدارة الشؤون السياسية على إصدار بيانات تطمئن الدول التي تربطها علاقات ببشار الأسد لا سيما روسيا والصين والعراق ولبنان والأردن إضافة إلى المجتمع الدولي، وكذلك بيانات توضح أنها ليست في مسعى للتدخل بالشؤون الداخلية لأي من الدول وأنها تسعى لعلاقات تحترم السيادة لكل دولة. وبالتزامن مع التقدم الميداني السريع والمبهر والانهيار غير المسبوق لقوات الأسد، أصرت إدارة الشؤون السياسية على إظهار حرصها على وحدة السوريين بإصدار بيانات تخاطب الأقليات العرقية والطائفية في البلاد من المسيحيين والعلويين والشيعة والكرد.
أدركت الإدارة السورية الجديدة منذ تحرير حلب أنه لا يمكن تحقيق الانتصار بإنجازات إدارة العمليات العسكرية وحدها دون عمل مواز وشاق تخوضه إدارة الشؤون السياسية وسط حقل ألغام إقليمي ودولي لتثبيت المكتسبات الميدانية وترجمتها باعتراف بسلطتها الجديدة وشرعيتها بعد هروب الأسد. وهذا النضج واحد من أبرز التحولات في مسار الفصائل الثورية وتعلمها من أخطائها بأن الميدان وحده ليس كفيلا بالانتصار. فالسلطة لا تقوم إلا بالسيطرة على أرض لها حدود واضحة يعيش فيها شعب وتحظى باعتراف دولي.
إن سعي الإدارة السورية الجديدة للحصول على اعتراف إقليمي ودولي لم يكن بالأمر السهل خصوصا أن نظام الأسد امتهن سياسة المحاور وارتمى أخيرا في المحور الإيراني الطائفي معاديا عمقه العربي وبعده الإسلامي. لذلك حرص أحمد الشرع، قائد الإدارة السورية الجديدة، على التأكيد أن زمن الثورة في سوريا انتهى، وأن زمن بناء الدولة قد بدأ. كما جدد التأكيد أن عقلية الثورة لا تبني دولة، متعهدا بحل هيئة تحرير الشام إذ لم يعد هناك مبرر لبقائها بعد تحرير الشام.
كثيرة هي الأعباء السورية الملقاة على كاهل الإدارة السورية الجديدة من بسط الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية وحصر السلاح بيد الدولة ولملمة جراح الناس ومواساة ذوي الضحايا والنهوض الاقتصادي. ورفع هذه الأثقال يحتاج إلى سواعد أشقاء سوريا وتوافقهم وتضامنهم لضمان استقرار البلاد والمنطقة بعد حقبة الأسد الذي اشتهر بالعبث والتحريض والتخريب وإثارة القلائل ما وراء الحدود.
ليس من ضمن أولويات السوريين اليوم أو حتى غد تصدير الثورة وهم الذين عانوا من سياسة تصدير الثورة الإيرانية التي عاثت بالمنطقة تفريقا وتخريبا وتدميرا. ولا حتى أن السوريين اليوم هم في مرحلة إسقاط "ثورة مضادة"، فهم تأخروا أصلا ثلاثة عشر عاما على اللحاق بـ ١٤ يناير ٢٠١١ حين هرب بن علي من تونس، و١١ فبراير ٢٠١١ حين تنحى مبارك في مصر، و٢٠ أكتوبر ٢٠١١ حين انتقم ثوار ليبيا من القذافي. لكنهم يرجون أن يكونوا قد تعلموا جيدا من مسار تلك الثورات حتى لا يقعوا في فخ إعادة تدوير النظام السابق سواء عبر صناديق الاقتراع وانقلابات سياسية أو عسكرية.
بينما تسعى سوريا الجديدة للخروج من سياسة المحاور ونسج أفضل العلاقات مع جيرانها وعمقها العربي، فإنها أيضا أمام تحديات جسام تتعلق بملف المقاتلين الأجانب أو ما يعرفون بالمهاجرين خصوصا أنهم مطلوبون في بلادهم. وفي انتظار أن يحدد البرلمان المقبل مصيرهم، كما أوضح أحمد الشرع، فإن أصواتا بارزة في صفوفهم بدأت تخرج تدعوهم لأن يكونوا رحمة على السوريين وأن يكونوا عونا لهم في بناء دولتهم لا عبئا عليهم. فسوريا بلد جديد خارج من ألف تحت الصفر، كما يقول أحد أبرز وجوههم، ليؤكد قائلا: لا ترهقوا السوريين بتحميلهم عبء خلافات مع الدول بإنشاء أحزاب أو تكتلات ترهق كاهلهم.