قال الله سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه
(اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)
ما أعظم هذه الآية وما أجلها وما أوسع ما اشتملت عليه من (معرفة بالله سبحانه -ومعرفة بحقيقة الدنيا -وتربية للقلوب -وتصحيح لموازين الحياة -وبيان لسنة الله في الخلق -وتعظيم للآخرة -ودعوة إلى الزهد فيما يفنى والرغبة فيما يبقى)
فتأمل كيف افتتح سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه الآية بقوله (اعلموا) لأن القضية ليست خبرا يمر على السمع وإنما حقيقة يجب أن تستقر في القلب حتى تصير يقينا (يحكم نظر العبد إلى الدنيا -ويقود عمله فيها -فكلما ازداد العبد علما بالله وبالدار الآخرة -ازداد بصيرة بحقيقة الدنيا -وهان عليه ما يفوته منها)
ثم تأمل كيف قال سبحانه (إنما الحياة الدنيا) فجاء بأسلوب الحصر -ليبين أن الدنيا مهما اختلفت صورها واتسعت لذاتها -فإن حقيقتها لا تخرج عما ذكره الله بعدها [فلا يغتر العاقل بزخرفها لأن خالقه وخالقها هو الذي كشف له حقيقتها]
ثم رتب سبحانه وتعالى أوصافها ترتيبا من أبدع ما يكون فقال تعالى (لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) وكأن الآية ترسم رحلة الإنسان في الدنيا مرحلة بعد مرحلة (فيبدأ باللعب -ثم يشتغل باللهو -ثم يتعلق بالزينة -ثم يطلب التفوق على غيره -ثم يجعل أكبر همه كثرة المال والولد -حتى يلقى ربه) وكل ذلك ببلاغة عجيبة تختصر أعمار البشر كلها في خمس كلمات
ثم تأمل هذا المثل العظيم (كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما) فلم يشبه الدنيا بشيء ثابت -وإنما شبهها بنبات بلغ غاية الحسن -ثم لم يحتج إلى من يقطعه -بل ذبل بنفسه حتى صار حطاما -ليعلم العبد أن الدنيا تحمل أسباب فنائها في ذاتها -وأن كل ما فيها يسير إلى الزوال مهما بلغ من الجمال والقوة
ثم انظر كيف انتقل السياق فجأة من مشهد النبات الذابل إلى مشهد الآخرة فقال تعالى (وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان) ليوقظ القلوب من الغفلة -فكأن الدنيا لحظة عابرة -ثم ينكشف الغطاء -ويقف العباد بين يدي الله -فلا يبقى من الأموال ولا الأولاد ولا المفاخر -إلا ما كان خالصا لله موافقا لشرعه
وتأمل كيف قدم سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه (العذاب الشديد) ثم أتبعه بقوله (ومغفرة من الله ورضوان) لأن النجاة لا تكون بالأعمال وحدها -وإنما برحمة الله ومغفرته ورضوانه -فمن عرف ربه تعلق برحمته وخاف عذابه وسأله الثبات حتى يلقاه
ثم ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) فلم يقل سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه إنها غرور -وإنما سماها متاع الغرور -لأن الغرور ليس في ذات الدنيا -وإنما في تعلق القلب بها ونسيان الآخرة بسببها [فمن جعلها سلما إلى طاعة الله كانت نعمة -ومن جعلها غاية كانت فتنة وخسارة]
فسبحان من كشف لعباده حقيقة الدنيا -قبل أن يخدعهم بريقها -وأراهم نهايتها قبل أن يفتتنوا ببدايتها -ودلهم على دار لا يعتري نعيمها فناء ولا كدر (فمن عرف الله حق المعرفة لم تغره الدنيا وإن ملكها -ومن جهل ربه اغتر بها وإن لم يملك منها إلا القليل)
فلنتأمل عظمة هذه الآية (فهذه الآية من أعظم الآيات في القرآن -في بيان حقيقة الدنيا -فحري بنا أن نعيد بناء ميزان القلب -ليكون معلقا بما يبقى لا بما يفنى)
قال الله سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه
( وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ) ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )
ما أعظم هذا السياق وما أجل ما يتضمنه من بيان عظمة الخالق سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه
فقد بدأ سبحانه بقوله ( وأسروا قولكم أو اجهروا به )
ليقرر (أن السر والجهر عنده سواء -فلا يختلف في علمه ما أخفاه العبد عما أظهره -لأن علمه سبحانه ليس كعلم المخلوقين الذي تدركه الحواس -أو تنقله الأخبار -أو يزداد بالتجربة -وإنما هو علم كامل أزلي أبدي محيط بكل شيء -لا يسبقه جهل -ولا يلحقه نسيان -ولا يعتريه نقص بوجه من الوجوه)
ثم قال سبحانه ( إنه عليم بذات الصدور )
ولم يقل عليم بما في الصدور لأن التعبير بقوله ( ذات الصدور ) أبلغ وأعم فهو يشمل (كل ما استقر في القلب من إيمان وكفر -وإخلاص ورياء -ومحبة وبغضاء -ويقين وشك -وصدق وكذب -ونية وإرادة -وخاطر ووسوسة -وقصد قبل أن ينطق اللسان بكلمة أو تتحرك الجوارح بعمل -فهو سبحانه يعلم السر قبل أن يكون سرا -ويعلم النية قبل أن تصير عملا -ويعلم ما خطر في القلب ثم انصرف فلم يطلع عليه أحد من الخلق)
ثم جاء البرهان الذي تقف أمامه العقول خاضعة
فقال سبحانه ( ألا يعلم من خلق )
أي كيف يظن عاقل أن الذي خلق الخلق جميعا -وأوجدهم من العدم -وأتقن خلقهم -وأحكم تركيبهم -وأحصى أنفاسهم -وعد حركاتهم وسكناتهم -وأحاط بكل خلية في أجسادهم -وكل خاطر في نفوسهم -أن يخفى عليه شيء من أمرهم
ومن أعظم ما تدل عليه هذه الآية
أن الخالق العظيم لا يحتاج في علمه إلى تجربة -ولا إلى تفكير -ولا إلى مشاهدة -ولا إلى سؤال -ولا إلى معين -ولا إلى أدوات -ولا إلى زمن يكتسب فيه المعرفة -كما هو شأن المخلوقين تعالى الله وتقدس وتنزه في علاه
بل علمه كامل قبل وجود الخلق وبعد وجودهم -لا يزداد بحدوث الحوادث -ولا ينقص بذهابها
(لأنه سبحانه العليم الذي أحاط بكل شيء علما)
بل هو سبحانه (يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون -ويعلم الظاهر والباطن -والسر وأخفى -ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور -ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض -ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاه سبحانه علما)
ثم ختم سبحانه الآية باسمين عظيمين فقال ( وهو اللطيف الخبير )
(فاللطيف) هو الذي بلغ علمه أدق الأشياء وأخفاها -فلا تخفى عليه حركة نملة في ظلمة الليل -ولا جريان قطرة ماء في أعماق الصخور -ولا اضطراب قلب -ولا طرفة عين -ولا وسوسة نفس -ولا خفقة فؤاد
كما أنه سبحانه يلطف بعباده في تدبير أمورهم -فيسوق إليهم الخير من حيث لا يشعرون -ويصرف عنهم من الشر ما لا يعلمونه بحكمته ورحمته
(والخبير) هو الذي أحاط علمه بكل شيء إحاطة تامة -فيعلم حقائق الأشياء وبواطنها كما يعلم ظواهرها -ويعلم ماضيها وحاضرها ومستقبلها -ويعلم أسبابها ونتائجها -وما كان منها وما سيكون -وما لم يكن لو كان كيف يكون -فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء
فمن عرف ربه بهذه المعرفة امتلأ قلبه إجلالا وتعظيما ومراقبة وإخلاصا -واستحيا أن يراه الله على معصية -أو يفقده عند طاعة -وأيقن أن كل كلمة محسوبة -وكل نية معلومة -وكل عمل محفوظ -وأن الله لا يخفى عليه خافية -ولا يضيع عنده مثقال ذرة من خير أو شر
(فما أعظم الله -وما أجل جلاله -وما أكمل علمه -وما أنفذ قدرته -وما أتم حكمته سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه -فلا يحيط أحد بثناء عليه -بل هو كما أثنى على نفسه -وفوق ما يثني عليه جميع خلقه الأولون والآخرون).
@Sary_q8 لكل دولة مكانتها وفخر أبنائها بها، وهذا طبيعي. لقب أمّ الدنيا ارتبط تاريخيًا بمصر بسبب قِدَم حضارتها وتأثيرها الكبير عبر آلاف السنين، بينما للسعودية مكانتها العظيمة ويكفيها شرف احتضان الحرمين
الألقاب لا تنتقص من أحد، فلكل بلد ما يميّزه…