قال الله سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه
(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)
(ما أعظم هذه الآية -وما أجلها -وما أبلغها- وما أكثر ما أودع الله فيها- من أصول الإيمان -ومقامات العبودية -وآداب الدعاء -وما أوسع ما اشتملت عليه من تعظيم الله سبحانه -وبيان كمال عدله -ورحمته -وحكمته -ولطفه -وإحسانه -وإظهار فقر العبد إلى ربه في كل لحظة من لحظات حياته -فلا غنى له عنه تعالى وتقدس وتنزه في علاه طرفة عين)
فتأمل كيف افتتح سبحانه وتعالى الآية بقوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ليغرس في قلب المؤمن -كمال الثقة بربه -وأن جميع أوامره ونواهيه وابتلاءاته -دائرة بين العدل والرحمة والحكمة- فلا يأمر إلا بما فيه صلاح العباد- ولا ينهى إلا عما فيه فسادهم -ولا يبتليهم -إلا بما يعلم أنهم قادرون عليه بعونه وتوفيقه فلا يظلم ربك أحدا)
ثم قال سبحانه وتعالى (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) فأثبت -كمال عدله جل جلاله -وأن كل نفس مرهونة بعملها -فلا يحمل أحد وزر غيره- ولا يضيع عنده عمل عامل من ذكر أو أنثى -بل يجازي المحسن بإحسانه -ويؤاخذ المسيء بعدله -ويعفو عن كثير بفضله ورحمته
ثم لقن (سبحانه وتعالى )عباده -أن يرفعوا أكف الضراعة إليه
فقال تعالى وتقدس وتنزه في علاه (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) -لأن العبد مهما بلغ من العلم والحرص -فلا يسلم من النسيان والخطأ -ففتح الله له باب الدعاء والاستغفار والافتقار إليه
ثم قال سبحانه (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) -ليعلم العبد أن ما جاءت به هذه الشريعة من اليسر والتخفيف -نعمة عظيمة تستوجب دوام الحمد- وأن الله رفع عن هذه الأمة من الآصار والأغلال -ما لم يرفعه عن أمم قبلها -رحمة منه تعالى وفضلا
ثم قال تعالى وتقدس وتنزه في علاه (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)
-وليس المراد الاعتراض على قدر الله- وإنما هو كمال الافتقار إليه -وسؤاله اللطف والتيسير- والثبات -وأن يعين عبده على ما قدره عليه- وأن يصرف عنه ما لا قدرة له به إلا بعونه سبحانه وتعالى
ثم تأمل (هذا التدرج البديع في أعظم مطالب العبد) (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا)
فالعفو محو الذنب وآثاره -والمغفرة ستر الذنب وعدم المؤاخذة به -والرحمة هي الفوز بكل خير في الدنيا والآخرة- فلا نجاة لعبد إلا بهذه الثلاث التي لا يملكها إلا الله سبحانه تعالى وتقدس وتنزه في علاه
ثم ختمت الآية بقوله تعالى (أنت مولانا)
(وهي من أعظم كلمات التوحيد والافتقار- فإن من كان الله مولاه- تولاه بحفظه -وهدايته -وتوفيقه -ورحمته -وكفايته -ونصره )
[فلا يخيب من تولاه الله- ولا يضيع من احتمى بجنابه واعتصم به]
ثم جاء ختامها (فانصرنا على القوم الكافرين)
لأن النصر من الله وحده- لا بالأسباب المجردة- ولا بكثرة العدد والعدة -وإنما بتأييده سبحانه- لمن حقق الإيمان والتوكل عليه- وأخلص له الدين
(فما أعظمها من آية ختم الله بها أعظم سورة في كتابه- فجمعت عدله ورحمته وحكمته وتربيته لعباده- وأرشدتهم إلى أكمل الدعاء وأعظم الافتقار وأصدق الالتجاء إليه -سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه)
(نسأل الله سبحانه وتعالى -أن يجعل هذه الآية العظيمة حياة لقلوبنا -ونورا لصدورنا -وأن يرزقنا حسن التوكل عليه -وكمال الافتقار إليه -وأن يعفو عنا -ويغفر لنا- ويرحمنا -ويتولانا في الدنيا والآخرة إنه نعم المولى ونعم النصير).