أهجر الأماكن
لئلا أتحوّل إلى نسخة قاسية
لا تتهاون في إفساد الود
ولا تتردد في تدمير ما تبقّى من دفء.
أهجر
لأحمي تلك اللوحة المعلّقة في مخيّلتي:
أنتِ... كما أحببتك
وأنا... كما تمنّيت أن أبقى.
يرضون بك ما دمتَ جثةً مؤدّبة، مدفونًا بالعمق الذي لا يُقلق راحتهم.
لكن حين تتحرّك روحك، حين تطلب شهيقًا واحدًا لا يمرّ عبرهم، ينهضون كحرّاس قبورٍ مذعورين، لأنك تجرّأت أن تعيش خارج سلطتهم.
تصالحتُ مع فكرة اللامبالاة،
حين يثقل الشعور ولا يبرّر ثقله،
ويخفّ لدرجة لا تُمسك،
فلا جدوى من الاحتفاظ به، ولا مبرّر للبقاء فيه.
لهذا، سيبقى ما أُحسّه… لنفسي.
لأن لا أحد يعنيه،
ولأن البوح لن يُعيد ترتيب الألم.
والراحة؟
أن أُغلق الباب،
ولا ألتفت.
لم تعد في حنجرتي رغبةٌ للبوح
كأنني طويتُ لساني في منديلٍ.. ونسيته
كلُّ ما فيّ يُعيد ترتيب نفسه بشراسةٍ هادئة
جعلتني أشدّ خفوتًا
أقلّ اندفاعًا
وأكثر جرأةً على الاستغناء
فما عاد للصخب غواية.
وجدت راحتي حين توقفت..
حين اعترفت دون خجل، أنني لا أصلح للسير بجوار أحد.
رغم فطرية المشاركة، وأنها داءٌ مغروس في الجلد.. إلا أنها لا تناسب فوضاي.
أؤمن أن بعض القلوب خُلقت لتكون وحدها
لا لأنها لا تستحق بل لأنها لا تطيق التزاحم
فمرحبًا بي، حيثما وجدتني..
فأنا المأوى.
هب لي أن أرى في كل تجربةٍ مرآةً أتعرّف فيها إلى حقيقتي، لا إلى ظلال تخيّلاتي.
وألّا أكره نفسي إن تعثّرت،
ولا أستعجل نجاةً لم يحن أوانها بعد.
علّمني ألّا أتآكل بصمت،
وأن أتطهّر من الأذى، لا أن أُخفيه تحت جلدي.
هب لي قلبًا لا يُجيد الإنكار
وعقلًا لا يُخدَع بما مرّ
وانت العليم.
لا آخِرَ لي...
لا في العِشقِ الذي يُربكني، ولا في الغَضَبِ الذي يَهُدُّ ضلوعي
ولا في الفقدِ الذي باتَ طَعمُهُ عاديًّا، ولا في الحُزنِ الذي لم يعُدْ يستأذن.
أنا لا أصِل
ولا أُنهِي
أنا فقط
أتوقّف.
كلما شعرتُ برغبةٍ في الاختفاء والتبخر أبتعد، أقضي الوقت مع يدي، وفمي وعيني
أملأ حواسي بي، أطرد العالم مني
أدخل غاباتي بحثًا عن صيدٍ ثمين...
في حكاياتي كلها كنتُ البندقية والقناص والفريسة. لا شريك لي في صيد الغزالة.
متى تخلّينا عن عادة البوح
متى كففنا عن اقتسام الأرق، تقليب القلق بين كفّينا، مراقصة الحزن، ومضغ السعادات الصغيرة كأنها آخر فتاتٍ للروح
متى صرنا نتجاوز الأحلام بصمت، ونتظاهر بأن الكوابيس لا تطرق الأبواب