وهنا اللحظة اللي تغيّرت فيها… لما صرت أشوف الوجع مش من بعيد، بل من الداخل. لما صرت أتخيّل الوجوه، والأصوات، والبيوت، وحتى الأمل اللي يطلع من تحت الركام.
هالروايات غيّرتني كإنسانة. خلتني أفكر أكثر، أرحم أكثر، أفهم أكثر. صرت أحس بكل تفصيلة صغيرة في الحياة، بكل كلمة تقال بصوت خافت
أنا إنسانة تعيش تحت ظل التفاصيل. الأشياء الصغيرة تلمسني، وتشدّني القصص اللي تكتب من وجع حقيقي، من عمق الأرض والناس والدين. يمكن عشان كذا أحب الكتب اللي تحكي عن بلاد عانت، عن شعوب انسرق منها صوتها، عن أشخاص يحاولون يعيشون وسط الخراب.
بشكل حقيقي جدًا، صادق جدًا، زي لما شخص يرفع يده ويدعي بكل اللي فيه لأنه ما عنده شي غير الدعاء.
كتبهم تخليك تعيش الستيريوتايب عن الدول اللي دايم نسمع عنها في الأخبار – الحرب، الفقر، اللجوء – بس يخلوك تشوفه من جوّا. من قلب الإنسان اللي يحاول يعيش رغم كل شي.
"أحمل مفتاح بيتنا في عنقي، لا أخلعه، ينام معي، أتحسّسه كلما ضاق صدري، أقبض عليه بيدي كأنني أقبض على الوطن."
هذا الاقتباس يختصر الرواية كلها…
يمكن ما نقدر نوقف الحرب، ولا نمنع القصف، ولا نرد الأرواح لأمهاتها… بس نقدر ما ننسى
نقدر نحكي عن رقيّة❤️
ورقيّة؟ صوت لكل وحدة فقدت أبوها، ولبست مفتاح بيتها على رقبتها وهي تمشي به في كل المنافي، صوت كل بنت قالت "برجع"، حتى لو ما عرفت كيف ومتى. ورغم كل الخراب… فيه إصرار حيّ في أدب رقيّة، إنو لسه في شي اسمه حق العودة، حتى لو كل العالم نسي.
فلا تنسوا...
فلسطين مش خبر عاجل، ولا ترند موسمي، فلسطين جرح حيّ، يحكيه الأدب لما العالم يصير أصمّ. وإحنا نقرأ "الطنطورية" اليوم، ما نقدر نفصل بين وجع رقيّة زمان ووجع فلسطين الآن…كأن الرواية تكتب نفسها من جديد كل يوم، في غزة، في رفح، في الشجاعية، في عيون أطفال ما شافوا غير الحرب..
الوطن مو بس تراب… الوطن ذاكرة، رائحة خبز، صوت جار، طمأنينة باب يُقفل من غير ما ينفجر، وفلسطين حتى اليوم، ما قدرت تحظى بكل هذا، كل ما تحاول تعيش، تخرج روح جديدة من تحت الركام، وتكمل الطريق..
وأنا أقرأ، أحس وجع رقيّة مو بعيد… أشوفه في وجه الأطفال اللي طالعين من تحت الركام اليوم، في صوت الأمهات اللي تدفن أولادها وتقول "الحمد لله"، في عيون أهل غزة اللي صامدين وقلوبهم تنزف.
قاعده أقرأ رواية "الطنطورية" لرضوى عاشور، وكل صفحة تخليني أتوقف وأتنفّس. مش لأن اللغة صعبة، ولا لأن الأحداث ثقيلة بس… لأن الوجع اللي بين السطور مو مجرّد حبر، هو وجع شعب كامل، وجع اسمُه فلسطين..
وما تقدر تهرب من فكرة إنها فلسطينية لاجئة، محكومة تعيش على أطراف الحياة. الرواية تحكي عن اللي ما أحد يحكي عنهم… عن البنات اللي تهجّروا، عن البيوت اللي اتفجّرت، عن الأمهات اللي ما لقوا أولادهم، عن الحياة اللي دايمًا مؤجّلة لأنهم دايمًا في نجاة مؤقتة..