ربّ تدبيرٍ إلهي خفيّ يسوقه اللطيف بعبده، فحين أراد الله إنجاء يوسف عليه السلام، سدّ على القوم منافذ الإدراك وأعماهم عن الحقيقة؛ وتأمل ذلك في قولهم: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ}.
إذا أراد الله أمرًا يسّر له أسباب النجاة، فقد يطمس على بصائر الخصوم ويغلق منافذ إدراكهم حتى لا يبلغوا أذاهم، ليبقى باب الفرج وحده مفتوحاً لمن صدق مع الله.
قال تعالى: { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين }
حين يعرض القلب عن أنس الذكر، وينأى بروحه عن رحاب الرحمن، تضيق عليه مساحات النور؛ فما هي إلا ومضة غفلة حتى يستوطن الروح نزيل ثقيل وظل جاثم لا يفارق، فمن لم يملأ قلبه بذكر خالقه، تكفل القرين بالاستحواذ على فضائه.
المعادلة الإلهية السرمدية ثابتة لا تتخلف: بقدر ما يرتوي القلب من معين (فاذكروني أذكركم)، يتوارى ظلام الغواية.. وبقدر ما يحصل من إعراض وجفاء، يتسلط الشيطان ليكون قريناً ملازماً، فحي على حراسة الأرواح بذكر من بيده ملكوت كل شيء.
الخلاء الروحي خطيئة لا ترحم؛ فالقلب الذي يفرغ من لِجَاجِ الذكر والانطراح بين يدي الرحمن، لا يبقى مهجوراً، بل يأتيه النقيض شقياً لئيماً يسوقه حيث يشاء، وما أهلك النفوس مثل قطيعة الذاكرة مع ربها، وما أنجاها كعقدة العهد الأبدي مع ذكر الله.
ليست الغفلة مجرد هفوة عابرة، بل هي استبدال لولاية النور بولاية الظلمة. من تعامى عن نور الهدى هيّأ لقلبه ظلاً من الشقاء، فاحذر أن تخلع عن قلبك درع الذاكرين، لئلا تقف عارياً أمام عصف الوساوس وقرين السوء.
فما الاستخارةُ يوماً تعهدًا بأن يأتي الدربُ مطابقاً لهوى النفس، بل هي سؤال الخالقِ الخيرةَ في أمره، ثم الانطلاقُ في رحابِ الأقدارِ بنفسٍ راضيةٍ مطمئنةٍ إلى حُسنِ اختياره.
حين يتعمد المرء غض طرفه عن سنا الحق وصم أذنيه عن ندائه، فإنه يمضي مسرعاً نحو متاهات الضياع؛ فما استكبر عبدٌ عن الحقيقة إلا وكست بصيرةَ قلبه غشاوةُ العناد.
ما أقسى أن يختار الإنسان بإرادته أن يكون في صفوف المستكبرين، جاعلاً أصابعه في أذنيه هرباً من صوت النور، فما مصير هذا الاستكبار سوى الضياع في متاهات الهلاك.