مقال يناقش فكرة مفادها أن قيمة الإنسان ترتفع مع صعود الذكاء الاصطناعي، وأن مستقبل الشركات معقود بامتلاكها حلقة تعلم خاصة تشفر معرفتها المؤسسية، وليس باقتناء أحدث نموذج، ويحذر من اقتصاد تستأثر فيه نماذج معدودة بالقيمة كلها.
ترجمة المقال
مستقبل الشركة في اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي
ظللت أفكر مليا في مستقبل الشركة داخل اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي، فهذا التحول يختلف عن كل نقلة تقنية سبقته. كنا فيما مضى نسخر الأنظمة الرقمية لتعزيز رأس المال البشري، أما اليوم فللمرة الأولى نقدر على نسج حلقة معرفية حقيقية تصل الإنسان بالآلة، وهذا ما يقلب الموازين، إذ يعيد تعريف العمل داخل المؤسسة من جذوره.
والرهان هنا ليس على أداة رقمية نستعملها، بل على قدرة المؤسسات على مواصلة التعلم وبناء ملكيتها الفكرية وصون تمايزها وتحقيق ازدهارها، في عالم صارت فيه نماذج الذكاء الاصطناعي تمتص خبرة الأفراد والمؤسسات دفقا متصلا، ثم تحيلها سلعة رخيصة في متناول الجميع.
كل شركة ستجد نفسها مضطرة إلى بناء رأسمالين معا: رأس مال بشري ورأس مال رمزي (token capital). فالأول هو ما يحمله الناس من معرفة وحصافة وعلاقات وبراعة وقدرة على قراءة الأنماط، أما الثاني فهو قدرة الذكاء الاصطناعي التي تبنيها الشركة وتملك زمامها.
والمهم أن رأس المال البشري يزداد قيمة كلما نما نظيره الرمزي، لا العكس؛ فالفاعلية الإنسانية هي محرك هذا النمو. البشر هم من يرسم الأهداف الطموحة، ويصل ما بين المجالات المتباعدة، وينسج العلاقات، ويلتقط الأنماط الأشد أثرا، وبغير توجيههم لا تجد إلا قدرة حاسوبية تلف حول نفسها بلا طائل.
ومن هنا فالفرصة الحقيقية لا تكمن في انتقاء أمثل نموذج، بل في بناء حلقة تعلم فوق النماذج، يتراكم فيها الرأسمالان البشري والرمزي معا. تقدر أن تسند مهمة بل وظيفة كاملة، لكنك لا تقدر أبدا أن تسند تعلمك أنت، ومستقبل الشركة معقود بقدرتها على مراكمة هذا التعلم عبر أفرادها وأنظمتها الذكية.
وهذا يستدعي منهجا معماريا جديدا، تقدر فيه كل شركة على بناء أنظمة وكيلة (agentic systems) تنضج مع الزمن، مع إمساكها بزمام ملكيتها الفكرية. ينبغي أن تستبدل الشركة نموذجا عاما (generalist) دون أن تخسر خبرة المخضرم التي رسختها في نظام تعلمها، وهذا هو الاختبار الفاصل لسيطرتها وسيادتها في المرحلة المقبلة.
تحتاج الشركات أن تحول سير عملها ومعرفتها التخصصية وما تراكم لديها من حصافة إلى أنظمة ذكية تتحسن مع كل استعمال؛ فالتقييمات الخاصة (private evals) ترصد إن كان النموذج يتقدم فعلا قياسا على نتائج تهم الشركة، لا على معايير خارجية وحدها، وبيئات التعلم المعزز الخاصة (private reinforcement learning environments) تتيح للنماذج أن تشتد عودها من آثار حقيقية نابعة من داخل المؤسسة، وقاعدة معرفتها تجعل الذاكرة المؤسسية طوع الاستعلام وتجعل استهلاك الرموز (tokens) أكفأ.
هذه الحلقة تصير هي الملكية الفكرية الجديدة للشركة، أتصورها آلة تتسلق التل خطوة في إثر خطوة، وهي على خلاف معظم الأصول تتراكم وتتضاعف؛ فكل سير عمل محسن يولد إشارة تدريب أنقى، تسرع بدورها تراكم المعرفة الضمنية التي تنفرد بها الشركة وحدها. والشركات السباقة إلى بنائها ستحوز ميزة عصية على المحاكاة، مهما طرأت قدرات في أي نموذج جديد.
وآخر ما نرتجيه عالم تفرط فيه كل شركة في كل قطاع بقيمتها لحفنة نماذج تلتهم كل ما تطاله، فإن آلت القيمة كلها إلى نماذج معدودة لن يطيق الاقتصاد السياسي ذلك، إذ ليس ثمة إذن مجتمعي لمستقبل بالذكاء الاصطناعي يفرغ صناعات بأسرها من مضمونها.
تأمل ما جرى في الطور الأول من العولمة، حين أفرغ الإسناد الخارجي (outsourcing) اقتصادات صناعية كاملة من مضمونها؛ فقد بدت أرقام الناتج المحلي سليمة في ظاهرها، لكن الإزاحة كانت واقعا ملموسا، وآثارها تتردد إلى اليوم. فلا نجرن هذه الدينامية إلى عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يستأثر نفر قليل من الأنظمة بكل العوائد، بينما تجد صناعات بأكملها معرفتها وقد غدت سلعة رخيصة، انتزعت من تحت أقدامها.
وفي تقديري أن أولويتنا أن نبني منظومة متكاملة على الحد المتقدم (frontier ecosystem)، لا نموذجا متقدما وحسب، حتى تتدفق القيمة واسعة عبر كل شركة وكل صناعة وكل بلد؛ منظومة تملك فيها كل مؤسسة حلقة التعلم التي تشفر معرفتها المؤسسية، فتضاعف رأسماليها البشري والرمزي.
هذا هو المبدأ الذي نشأت عليه، حيث تتيح المنصات فوقها قيمة أوفر مما تحتجزه في داخلها، وحيث تقدر كل شركة على الابتكار المتصل وبناء قيمتها الخاصة.
وحين يتحقق ذلك تصنع الشركات قيمة لنفسها وللاقتصاد المحيط بها، ويرى الموظفون خبرتهم وقد تضاعفت، وحصافتهم وقد صارت جزءا من أنظمة تجعلها قابلة للتكرار والتوسع، فتعود المنافع على الشركات والمجتمعات من حولها. هكذا تقود الشركات القيمة لنفسها وللاقتصاد الأوسع، وهذا هو التوازن المستقر الذي ينبغي أن نبنيه معا.
في كثير من الأحيان ننظر إلى الفجوات التنموية باعتبارها تحدياً اقتصادياً أو تمويلياً فقط، لكن جزءاً من هذه الفجوات يرتبط بقدرة المستفيد على فهم الخدمة والوصول إليها والاستفادة منها، فكلما تحسنت تجربة المستفيد، زادت فرص الوصول والتمكين وتحقيق الأثر.
لهذا فإن تجربة المستفيد لم تعد قضية خدمية فحسب، بل أصبحت أحد الممكنات الأساسية للتنمية المستدامة.
@ncnp_sa هذا نموذج مهم لأن الأثر هنا لا يظهر في رقم الخدمة بل في تغير حياة الأسرة بعد الخدمة.
في مثل هذه التجارب، قياس رحلة الاسرة من أول احتياج حتى الاستقرار هو ما يحول العمل غير الربحي من نشاط إلى أثر مستدام.
@EhsanSA قيمة مشاريع الإسكان لا تقف عند توفير المسكن .
الأثر الحقيقي يظهر لما تتحسن حالة الأسرة بعد الاستقرار، وتعظم قيمة الدعم واستدامة الأثر ، وتحويله لأثر ممتد على جوانب حياتية أخرى للأسر المدعومة
@SakanOrg الاستقرار السكني مثال واضح على أن تجربة المستفيد ليست تفصيلا جانبيا.
كلما كانت رحلة الأسرة أوضح وأسهل، زادت قدرة المبادرة على تحويل العطاء إلى أثر ملموس ومستدام.
هذا هو الفرق بين تقديم الخدمة وتحسين حياة المستفيد.
بناء الأسس غير المرئية للتحول الرقمي؟
لا تُقاس جاهزية المؤسسة بعدد أنظمتها الرقمية، بل بقدرتها على توظيفها ضمن منظومة متكاملة تحقق القيمة والأثر.
#KaizenConsulting#كايزن_للاستشارات#التحول_الرقمي
من الأخطاء الشائعة أن تتعامل كثير من الجهات مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعاً تقنياً فقط.
ًفي الخدمات، الذكاء الاصطناعي مشروع تشغيلي قبل أن يكون تقنيا.
إذا كانت البيانات غير واضحة، والمعرفة غير مرتبة، ومسارات الحوكمة غير منضبطة، فالذكاء الاصطناعي سيسرع الفوضى بدل أن يحلها.
صوت ضيف الرحمن، أمانة تتحول إلى خدمة
كعادة المملكة العربية السعودية قيادة وشعباً في بذل الغالي والنفيس لتيسير سبل الراحة لضيوف الرحمن واستجلاب أسباب السكينة لهم، لينعموا برحلة إيمانية تبلغهم ما أملوا، وعلى دأب ولاة الأمر في الاستماع إلى صوت المواطن والمقيم وضيف الرحمن وتفهم حاجاتهم، دعا معالي الدكتور توفيق الربيعة وزير الحج والعمرة حجاج موسم 1447 إلى تقديم أفكار ومقترحات تسهم في تطوير موسم الحج القادم 1448، فجاءه حتى اليوم 2092 رداً ونحو 952 ألف مشاهدة. والرقم ليس لافتاً قياساً بأعداد الحجاج الكبيرة في الموسم، وليس الإنجاز بحد ذاته، فالإنجاز يبدأ بعد آخر رد، يوم نسأل السؤال العملي: ماذا نفعل بكل هذه الآراء حتى نحولها إلى خدمات أفضل في الموسم المقبل؟ ومن هنا يبدأ عمل المتخصص في تجربة المستفيد، إذ يفصل بين من يرى في الردود ضجة تنتهي بانتهاء التفاعل، ومن يراها، كما يفعل معاليه، مصدر بيانات يقود قراراً للتطوير.
من نخدم قبل أن نصغي؟
ما قام به معاليه مثال لما يفترض أن تقوم به كل جهة تخدم المستفيدين، وخاصة ضيوف الرحمن، حكومية كانت أو من القطاع الخاص أو غير الربحي، في بناء برنامج متكامل للاستماع إلى صوت المستفيد. وقبل أن نجمع شيئاً ينبغي أن نعرف من نخدم، فالاستماع لا يبدأ من المنصة بل من فهم المستفيد نفسه وتحديد شخصياته النمطية (البروسونا)، في مثالنا (الحاج القادم من الخارج، وحاج الداخل، وكبير السن، وذو الإعاقة)، لكل واحد منهم في رحلته أهداف أو توقعات وحاجات تختلف عن غيره، ومن لا نعرفه لن نستطيع بناء تجربة ملائمة له ولن نحسن الاستماع إليه، وعلى هذا الفهم يبنى برنامج صوت مستفيد لا يتكئ على قناة واحدة، فمنصة إكس ليست إلا واحدة من قنوات الإصغاء إلى جانب الاستطلاعات والمقابلات وقنوات الخدمة الميدانية والشكاوى، وكل قناة تكشف ما تخفيه الأخرى. والجهة العاملة في الحج التي يكتمل نضجها هي التي تجمع هذه القنوات في برنامج واحد يصغي إلى المستفيدين كلهم لا إلى من يصل صوته وحده.
كيف نحلل ونرتب؟
ولنبدأ بأول القنوات تفاعلاً في مثالنا، وهي ردود إكس، فهي في صورتها الأولى مادة متناثرة، تتضمن آلاف الأفكار المختلطة، لا يمكن أن نستخلص منها شيئاً منظماً حتى ترتب. وهنا تتدخل أدوات التحليل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، القادرة على تحليل هذه الآلاف في وقت وجيز، وتصنيفها بحسب موضوعها، وقياس نبرتها، فيختصر أياماً من العمل التقليدي لتكشف صورة واضحة لأولويات الحجاج.
ونلاحظ فيما ورد من أفكار أن نحو 85 بالمئة من الردود جاءت شاكرة مقدرة للجهود الضخمة التي تبذل لخدمة ضيف الرحمن، متفهمة للتحديات الطبيعية في مثل هذا الموسم الاستثنائي بكل ما يحيط به من محددات زمنية وجغرافية، كما نلمس فيها ثناء ضيف الرحمن على ما تحسن قبل أن يقترح ما يطلبه، فيخاطب الجهات العاملة في منظومة الحج بوصفه شريكا في التطوير لا متذمرا يشكو.
وعندما نحلل موضوعات هذه الأفكار نجد أن تحديات التنقل والزحام تصدرت القائمة، إذ وردت في نحو 28 بالمئة من الردود الأكثر تفاعلاً، يليه ملف حجاج الداخل وأهل مكة بنحو 23 بالمئة والذي تناول الباقات والتصاريح والحصص، ثم موضوع حفظ النعمة في البوفيهات المفتوحة بنحو 17 بالمئة، فالمعاناة من الحر ونقص التظليل بنحو 14 بالمئة، وبعدها النظافة والاستدامة وخدمات كبار السن وذوي الإعاقة. والأولوية الواحدة تثقل شريحة دون أخرى، فزحام النفرة أشد وطأة على كبير السن وذي الإعاقة، وغلاء الباقات أمسّ بحاج الداخل، ولذلك تُقرأ الأرقام بحسب الشخصيات النمطية لا بوصفها معدلاً واحداً يسوي بين المستفيدين.
قبل أن نبني على هذه الأرقام قرارات، علينا أن نسأل من الذي كتب هذه الردود، فالذين شاركوا فئة محددة من الحجاج، يجيدون الكتابة بالعربية، ويتابعون حساب الوزير، ويميلون إلى إبداء رأيهم على الإنترنت، وتغيب عنا غالبية حجاج هذا الموسم، وعددهم نحو 1.7 مليون قدم أكثرهم من الخارج، فلم تصلهم الدعوة بلغتهم ولم يكتبوا. فإذا رتبنا أولويات التطوير على أصوات من تكلم وحدهم، بنينا القرار على رأي أقلية، وأسقطنا حاجة الأكثرية الصامتة، وهنا تظهر قيمة برنامج صوت المستفيد متعدد القنوات، فهو لا يكتفي بمن بادر إلى الكتابة، بل يقصد الصامتين بقنوات تناسبهم وبلغاتهم، من استطلاع ممثل يشمل الجنسيات كلها إلى قنوات الخدمة الميدانية التي تلتقي ضيف الرحمن حيث هو، فيتحقق من أن ما طلبه من كتبوا هو فعلاً ما يحتاجه عموم الحجاج، قد تكون قناة واحدة تقدم رؤى ثرية تكشف التفاصيل وتفتح الأسئلة، لكنها لا تغني وحدها عن بقية القنوات
كيف نصل من التقرير إلى القرار؟
تحليل صوت المستفيد وإخراج تقرير عنه ليس نهاية العمل، بل أوله، فالتقرير الذي يوضع في درج لا يغير تجربة ضيف واحد، بل القيمة تبدأ حين تتحول الأولويات الثلاث الأولى، وهي التنقل والطعام والحر، إلى مشروعات تطوير محددة، لكل مشروع منها مسؤول وجدول زمني وميزانية، تبدأ بتجربة في نطاق ضيق قبل تعميمها على الموسم كله. هذا هو الفرق بين جهة تجمع الآراء لتقول إنها استمعت، وجهة تترجم الآراء إلى خطة عمل يراها ضيف الرحمن ماثلة أمامه في طريقه ومخيمه ووجبته.
كيف نقيس التحسن؟
يبقى أن نثبت أن التطوير نجح فعلاً، والقول إن ضيوف الرحمن صاروا أكثر رضا كلام عام لا يمكن قياس كما أن الرضا لوحده خاصة في رحلة مثل رحلة ضيف الرحمن تمتاز بتنوع المستفيدين وشخصايتهم فيها ليس مؤشراً كافياً للحكم على نجاح التطوير، الأجدى أن نطوير مؤشرات مركبة مصممة لطبيعة الرحلة، مؤشرات تقيس الانطباعات، والنتائج،والجهد، ومقارنة هذه الأرقام قبل التطوير وبعده تكشف إن كانت الخدمة قد تحسنت فعلاً، وبأي قدر، وأين بقي الخلل، بهذا يتحول قياس تجربة ضيف الرحمن من انطباع عام يتغير بتغير الحال، إلى مؤشرات تشغيلية ثابتة تتابع موسماً بعد موسم، فيعرف صاحب القرار أين أنفق ثمرة جهده وأين يضاعفه.
كيف نغلق الحلقة مع المستفيد؟
تبقى خطوة أخيرة كثيرا ما تنسى، وهي أن يعود الجواب إلى صاحب الرأي، فضيف الرحمن الذي اقترح فكرة وأخذت بها الجهة يستحق أن يعرف أن اقتراحه صار خدمة، وهو وإن لم يعد حاجاً في الغالب، يحمل عن رحلته أثراً يرويه لمن حوله، فيغدو رضاه سمعةً وتجربته قصة تروى، وللحلقة وجه آخر أوسع، فإلى جانب الرد على صاحب الاقتراح تعلن الجهة لضيوف الرحمن والعموم ما تغير بفضل أصواتهم، فتبلغ الثقة من لم يكتبوا، وتطمئن الأكثرية الصامتة إلى أن صوتها مستمع له حتى إن لم تدل به.
وحين تتكرر الدعوة كل عام، تبلغ حجاجاً جدداً، ومعها قياس يثبت أن مشكلات الموسم الماضي تراجعت، فيتحول الإصغاء من بادرة موسمية تنتعش ثم تخبو، إلى نظام تطوير مستمر يبني كل موسم على ما قبله.
قيمة ما فعله معالي الدكتور توفيق لن تقاس بعدد المشاهدات، فتلك أرقام تمر، بل بما سيلمسه ضيف الرحمن الموسم المقبل من فرق في تنقله وطعامه ووقته تحت الشمس، أدوات الإصغاء صارت في متناول الجميع، والفارق يصنعه من يملك المنهج الذي يحول الرأي إلى قرار، ويقيس أثر القرار بالأرقام، ويعيد الأثر إلى من تكلم.
وما قام به معاليه دعوة مفتوحة لكل جهة تعمل في خدمة ضيف الرحمن أن تجعل صوت المستفيد أصل قرارها لا هامشه، وخاصة شركات حجاج الداخل وحجاج الخارج، فهي الأقرب إلى الحاج والأقرب إلى تفاصيل رحلته من إصدار تصريحه واختيار باقته واستقباله إلى تنقله وسكنه ومبيته ومغادرته، وبيدها أن تبني لكل شريحة من حجاجها برنامج صوت مستفيد متعدد القنوات يصغي إليهم بلغاتهم، ويحلل ملاحظاتهم، ويحول أولوياتهم إلى مشروعات تطوير تقاس بالأرقام ويعود أثرها إليهم، فالجهة وهي اعني شركات تقديم الخدمة التي تتقن الإصغاء إلى حاجها اليوم تكسب سمعةً تسبقها إلى حجاج المواسم القادمة، وتجعل من كل موسم خطوة في رحلة تطوير لا تتوقف، عمادها أن صوت الحاج أمانة تتحول إلى خدمة.
تكشف أحدث إحصائيات القطاع غير الربحي في المملكة عن وجود أكثر من 7,800 جمعية ومؤسسة وصندوق أهلي موزعة على مختلف المناطق.
هذه الأرقام تعكس نمو طموح، لكنها تضعنا أمام مسؤولية عظيمة
هل يتواكب نمو عدد الكيانات مع تطور تجربة المستفيد فيها وجودة الخدمات المقدمة؟
في رأيي، المرحلة القادمة لن تُقاس بعدد الجمعيات المسجلة فقط، بل بقدرة القطاع على:
• فهم احتياجات المستفيدين بدقة
• تصميم رحلات مستفيد تلبي احتياجتهم الفعلية
• قياس رضا المستفيد وأثر الخدمة
• بناء خدمات رقمية وإنسانية سهلة الوصول
نجاح القطاع غير الربحي مستقبلاً سيعتمد على الانتقال من التركيز على تقديم الخدمة والاهتمام بالمتبرع إلى التركيز على تجربة المستفيد الذي من أجله أنشئت المنظمة كأحد أهم ممكنات تحقيق الأثر والاستدامة
تشكل البينة المؤسسية ممكن أساسي في تقديم تجربة مستفيد حقيقة تحقق أهدافها.
وفي القطاع غير الربحي بعدد منظماته التي تتجاوز 7000 منظمة في الحاجة أشد لوجود بنية مؤسسية تعزز استدامتها وتعزيز تجربة المستفيد منها وتعظم الأثر منها.
صوت الحاج لا ينتهي عند جمع المقترحات.
القيمة تبدأ عندما يتحول الرأي إلى مشروع تطوير، ومؤشر أثر، وعودة بالنتيجة إلى صاحب الصوت.
في خدمات الحج، الاستماع ليس نشاط تواصل؛ بل جزء من القرار التشغيلي.
صوت ضيف الرحمن، أمانة تتحول إلى خدمة
كعادة المملكة العربية السعودية قيادة وشعباً في بذل الغالي والنفيس لتيسير سبل الراحة لضيوف الرحمن واستجلاب أسباب السكينة لهم، لينعموا برحلة إيمانية تبلغهم ما أملوا، وعلى دأب ولاة الأمر في الاستماع إلى صوت المواطن والمقيم وضيف الرحمن وتفهم حاجاتهم، دعا معالي الدكتور توفيق الربيعة وزير الحج والعمرة حجاج موسم 1447 إلى تقديم أفكار ومقترحات تسهم في تطوير موسم الحج القادم 1448، فجاءه حتى اليوم 2092 رداً ونحو 952 ألف مشاهدة. والرقم ليس لافتاً قياساً بأعداد الحجاج الكبيرة في الموسم، وليس الإنجاز بحد ذاته، فالإنجاز يبدأ بعد آخر رد، يوم نسأل السؤال العملي: ماذا نفعل بكل هذه الآراء حتى نحولها إلى خدمات أفضل في الموسم المقبل؟ ومن هنا يبدأ عمل المتخصص في تجربة المستفيد، إذ يفصل بين من يرى في الردود ضجة تنتهي بانتهاء التفاعل، ومن يراها، كما يفعل معاليه، مصدر بيانات يقود قراراً للتطوير.
من نخدم قبل أن نصغي؟
ما قام به معاليه مثال لما يفترض أن تقوم به كل جهة تخدم المستفيدين، وخاصة ضيوف الرحمن، حكومية كانت أو من القطاع الخاص أو غير الربحي، في بناء برنامج متكامل للاستماع إلى صوت المستفيد. وقبل أن نجمع شيئاً ينبغي أن نعرف من نخدم، فالاستماع لا يبدأ من المنصة بل من فهم المستفيد نفسه وتحديد شخصياته النمطية (البروسونا)، في مثالنا (الحاج القادم من الخارج، وحاج الداخل، وكبير السن، وذو الإعاقة)، لكل واحد منهم في رحلته أهداف أو توقعات وحاجات تختلف عن غيره، ومن لا نعرفه لن نستطيع بناء تجربة ملائمة له ولن نحسن الاستماع إليه، وعلى هذا الفهم يبنى برنامج صوت مستفيد لا يتكئ على قناة واحدة، فمنصة إكس ليست إلا واحدة من قنوات الإصغاء إلى جانب الاستطلاعات والمقابلات وقنوات الخدمة الميدانية والشكاوى، وكل قناة تكشف ما تخفيه الأخرى. والجهة العاملة في الحج التي يكتمل نضجها هي التي تجمع هذه القنوات في برنامج واحد يصغي إلى المستفيدين كلهم لا إلى من يصل صوته وحده.
كيف نحلل ونرتب؟
ولنبدأ بأول القنوات تفاعلاً في مثالنا، وهي ردود إكس، فهي في صورتها الأولى مادة متناثرة، تتضمن آلاف الأفكار المختلطة، لا يمكن أن نستخلص منها شيئاً منظماً حتى ترتب. وهنا تتدخل أدوات التحليل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، القادرة على تحليل هذه الآلاف في وقت وجيز، وتصنيفها بحسب موضوعها، وقياس نبرتها، فيختصر أياماً من العمل التقليدي لتكشف صورة واضحة لأولويات الحجاج.
ونلاحظ فيما ورد من أفكار أن نحو 85 بالمئة من الردود جاءت شاكرة مقدرة للجهود الضخمة التي تبذل لخدمة ضيف الرحمن، متفهمة للتحديات الطبيعية في مثل هذا الموسم الاستثنائي بكل ما يحيط به من محددات زمنية وجغرافية، كما نلمس فيها ثناء ضيف الرحمن على ما تحسن قبل أن يقترح ما يطلبه، فيخاطب الجهات العاملة في منظومة الحج بوصفه شريكا في التطوير لا متذمرا يشكو.
وعندما نحلل موضوعات هذه الأفكار نجد أن تحديات التنقل والزحام تصدرت القائمة، إذ وردت في نحو 28 بالمئة من الردود الأكثر تفاعلاً، يليه ملف حجاج الداخل وأهل مكة بنحو 23 بالمئة والذي تناول الباقات والتصاريح والحصص، ثم موضوع حفظ النعمة في البوفيهات المفتوحة بنحو 17 بالمئة، فالمعاناة من الحر ونقص التظليل بنحو 14 بالمئة، وبعدها النظافة والاستدامة وخدمات كبار السن وذوي الإعاقة. والأولوية الواحدة تثقل شريحة دون أخرى، فزحام النفرة أشد وطأة على كبير السن وذي الإعاقة، وغلاء الباقات أمسّ بحاج الداخل، ولذلك تُقرأ الأرقام بحسب الشخصيات النمطية لا بوصفها معدلاً واحداً يسوي بين المستفيدين.
قبل أن نبني على هذه الأرقام قرارات، علينا أن نسأل من الذي كتب هذه الردود، فالذين شاركوا فئة محددة من الحجاج، يجيدون الكتابة بالعربية، ويتابعون حساب الوزير، ويميلون إلى إبداء رأيهم على الإنترنت، وتغيب عنا غالبية حجاج هذا الموسم، وعددهم نحو 1.7 مليون قدم أكثرهم من الخارج، فلم تصلهم الدعوة بلغتهم ولم يكتبوا. فإذا رتبنا أولويات التطوير على أصوات من تكلم وحدهم، بنينا القرار على رأي أقلية، وأسقطنا حاجة الأكثرية الصامتة، وهنا تظهر قيمة برنامج صوت المستفيد متعدد القنوات، فهو لا يكتفي بمن بادر إلى الكتابة، بل يقصد الصامتين بقنوات تناسبهم وبلغاتهم، من استطلاع ممثل يشمل الجنسيات كلها إلى قنوات الخدمة الميدانية التي تلتقي ضيف الرحمن حيث هو، فيتحقق من أن ما طلبه من كتبوا هو فعلاً ما يحتاجه عموم الحجاج، قد تكون قناة واحدة تقدم رؤى ثرية تكشف التفاصيل وتفتح الأسئلة، لكنها لا تغني وحدها عن بقية القنوات
كيف نصل من التقرير إلى القرار؟
تحليل صوت المستفيد وإخراج تقرير عنه ليس نهاية العمل، بل أوله، فالتقرير الذي يوضع في درج لا يغير تجربة ضيف واحد، بل القيمة تبدأ حين تتحول الأولويات الثلاث الأولى، وهي التنقل والطعام والحر، إلى مشروعات تطوير محددة، لكل مشروع منها مسؤول وجدول زمني وميزانية، تبدأ بتجربة في نطاق ضيق قبل تعميمها على الموسم كله. هذا هو الفرق بين جهة تجمع الآراء لتقول إنها استمعت، وجهة تترجم الآراء إلى خطة عمل يراها ضيف الرحمن ماثلة أمامه في طريقه ومخيمه ووجبته.
كيف نقيس التحسن؟
يبقى أن نثبت أن التطوير نجح فعلاً، والقول إن ضيوف الرحمن صاروا أكثر رضا كلام عام لا يمكن قياس كما أن الرضا لوحده خاصة في رحلة مثل رحلة ضيف الرحمن تمتاز بتنوع المستفيدين وشخصايتهم فيها ليس مؤشراً كافياً للحكم على نجاح التطوير، الأجدى أن نطوير مؤشرات مركبة مصممة لطبيعة الرحلة، مؤشرات تقيس الانطباعات، والنتائج،والجهد، ومقارنة هذه الأرقام قبل التطوير وبعده تكشف إن كانت الخدمة قد تحسنت فعلاً، وبأي قدر، وأين بقي الخلل، بهذا يتحول قياس تجربة ضيف الرحمن من انطباع عام يتغير بتغير الحال، إلى مؤشرات تشغيلية ثابتة تتابع موسماً بعد موسم، فيعرف صاحب القرار أين أنفق ثمرة جهده وأين يضاعفه.
كيف نغلق الحلقة مع المستفيد؟
تبقى خطوة أخيرة كثيرا ما تنسى، وهي أن يعود الجواب إلى صاحب الرأي، فضيف الرحمن الذي اقترح فكرة وأخذت بها الجهة يستحق أن يعرف أن اقتراحه صار خدمة، وهو وإن لم يعد حاجاً في الغالب، يحمل عن رحلته أثراً يرويه لمن حوله، فيغدو رضاه سمعةً وتجربته قصة تروى، وللحلقة وجه آخر أوسع، فإلى جانب الرد على صاحب الاقتراح تعلن الجهة لضيوف الرحمن والعموم ما تغير بفضل أصواتهم، فتبلغ الثقة من لم يكتبوا، وتطمئن الأكثرية الصامتة إلى أن صوتها مستمع له حتى إن لم تدل به.
وحين تتكرر الدعوة كل عام، تبلغ حجاجاً جدداً، ومعها قياس يثبت أن مشكلات الموسم الماضي تراجعت، فيتحول الإصغاء من بادرة موسمية تنتعش ثم تخبو، إلى نظام تطوير مستمر يبني كل موسم على ما قبله.
قيمة ما فعله معالي الدكتور توفيق لن تقاس بعدد المشاهدات، فتلك أرقام تمر، بل بما سيلمسه ضيف الرحمن الموسم المقبل من فرق في تنقله وطعامه ووقته تحت الشمس، أدوات الإصغاء صارت في متناول الجميع، والفارق يصنعه من يملك المنهج الذي يحول الرأي إلى قرار، ويقيس أثر القرار بالأرقام، ويعيد الأثر إلى من تكلم.
وما قام به معاليه دعوة مفتوحة لكل جهة تعمل في خدمة ضيف الرحمن أن تجعل صوت المستفيد أصل قرارها لا هامشه، وخاصة شركات حجاج الداخل وحجاج الخارج، فهي الأقرب إلى الحاج والأقرب إلى تفاصيل رحلته من إصدار تصريحه واختيار باقته واستقباله إلى تنقله وسكنه ومبيته ومغادرته، وبيدها أن تبني لكل شريحة من حجاجها برنامج صوت مستفيد متعدد القنوات يصغي إليهم بلغاتهم، ويحلل ملاحظاتهم، ويحول أولوياتهم إلى مشروعات تطوير تقاس بالأرقام ويعود أثرها إليهم، فالجهة وهي اعني شركات تقديم الخدمة التي تتقن الإصغاء إلى حاجها اليوم تكسب سمعةً تسبقها إلى حجاج المواسم القادمة، وتجعل من كل موسم خطوة في رحلة تطوير لا تتوقف، عمادها أن صوت الحاج أمانة تتحول إلى خدمة.
هل يمكن للاقتصاد الوطني أن يتحدث بلغة البيانات والسيناريوهات المستقبلية؟
نعمل حاليًا مع إحدى الجهات السيادية على تطوير وتشغيل نماذج اقتصادية كلية تدعم تحليل السياسات وصناعة القرار المبني على الأدلة، وذلك من خلال بناء نموذج التوازن العام القابل للحساب (CGE)، وربط النماذج القطاعية، وتعزيز تكامل البيانات.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الجهود في تمكين الكوادر الوطنية من تطوير سيناريوهات اقتصادية دقيقة، وتعزيز جاهزية الجهة لتحليل المتغيرات الاقتصادية، ودعم التخطيط الاستراتيجي بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
#KaizenConsulting
#كايزن_للاستشارات
#نماذج_اقتصادية