حمد الخروصي وسعود القحطاني صعدا إلى أعلى لكيلا يسقط بيرق القصيدة
——————————
حمود بن سالم السيابي
——————————
في أغسطس من عام ٢٠١٥م.توقَّف القلب الأخضر للشاعر الشعبي العماني الكبير حمد الخروصي في جبال سويسرا سقف أوروبا العالي
ويومها كتبت:
{بعد رواية "هايدي" الخالدة للروائية السويسرية يوهان شبيري أصبح لعمان قنديلها الأخضر في جبال الألب.
وكما تَسُوق هايدي عنزاتها لكوخ جدها في زفَّة من الثغاء وصليل الجلاجل يجلس حمد الخروصي تحت تعريشة الكريستال ليضمّد جروح الوعول}.
لكن قلب شاعر الوطن كان عصيَّاً فلم يسمح لسويسرا بكل سحرها وفتنتها وهضابها المغزولة بالصنوبر من مزاحمة جمال وطن يتربع فيه مذْ بدأ ينبض وهو بعْد في المشيمة وإلى آخر نبضة ألزمَتْهُ توسُّد ظلَّ شريشة في الصبيخي:
"ليش كلما جيت أنسى
أذكر أنّي صعب أنسى شي منِّك يا بلادي..!!
شي مثلك في فوادي..!!
ما خدع عيني الصنوبر ..!!
هضبة الوادي ..
الأمان
في عمان النهر شعري
والسماء الزرقاء ..
المبادئ والفرح..
لعب الطفولة
بسمة أحضان الأيادي..
وآنا في كف الجبال الخُضر
خنجر
إنتي يا بلادي الربيع الطلق ..
غيمه
وآنا في حضن السهول
إنسان فكّر فيك
وإنتي يا عروس الشرق ..
شادي...!!!
ليش كلما جيت أذكر أنسى أني صعب أذكر أرض غيرك
يا بلادي..!!
ولقد مرَّتْ عشر سنوات على رحيل شاعر الوطن وما زال أغسطس يتفنَّن كل عام في نبش الجراحات لتظلَّ نازفة من أغسطس إلى أغسطس.
وفي شهر أغسطس أيضا من عام ٢٠٢٥م. يصعد الشاعر السعودي الكبير سعود بن معدي القحطاني قمم سمحان الشامخ حاملا لجلاله "علعلانَ جبال تهامة" و"عَثْرَبَ" جبال الحجاز وخزامى عسير.
وقد ملأ مِزْوَدَهُ بخبز "الميفا" العسيري و"دغابيس" الباحة وخبزتها "المُقَنَّاة" و"تمْريَّة" السمسم ليحلِّي بها أفواه رفاقه قبل أن تسُوق دلته الشقراء الفناجين الأخيرة:
ياسايق الفنجال يامدرج الكيف
ياللي لذيذ البن الاشقر تسوقه
صبه لمنهو يحتزم فالمواقيف
اللي علوم الطيب دايم تشوقه
ورغم ما خاض فيه الخائضون وهم يضعون فرضيَّات لخاتمة سعود القحطاني بتعثُّر قدميه وانزلاقه من الأعلى نحو السفح تبقى فرضياتهم لا تشبه خواتيم الصقور التي تعشش في الجبال ، وتتمنى ميتة تشبهها في الجبال.
وبرأيي أنها خاتمة لا ترتضيها الجبال العالية نفسها والتي من طبائعها تحفيز الهمم العالية.
وكان الألْيق بتغليب فرضية توقُّف قلب ��عود القحطاني بعد أن قال بيته الأخير في قصيدة العمر:
جدِّي قَلْطْني على مجدنْ كفو وأختار خالي وأعتنى في منسبي
وَفُوا معي بعض الرجال أو ما وَفُوا
اللي ب ينصاني لزومه ف اشنبي
سلِّم على اللي ف الشدايد وقَّفُوا
وأزهلْ لزومك تختلفْ عن وشْ تبي
وهي ذات الخاتمة المجللة بالمجد لشاعر الوطن حمد الخروصي يوم توقَّف قلبه وهو في بلاد الجبال ولم يسقط ، لأجل أن يظل بيرق القصيدة خفَّاقاً.
ولكونه تربَّى على عدم ملامسة الجباه للتراب إلا عند السجود وتقبيل زعفران الوطن:
خذني من الناس والريح
وانثرْ جنوني بسحابكْ
لو دارت الارض ما اطيح
إِلَّا ل اُقَبِّل ترابكْ
وعندها يكون الانحناء مستحقاً وواجباً تجاه "مرباه" وإن اتسع "المربى" للبعض ممَّن يبخسون الناس أشياءها.
لكن الأنفس النبيلة تظل عالية الترفُّع عن كل ما من شأنه تحميل الوزر على "المرْبى" لأن :
عمان تاريخ وحضاره وهمَّه
مبدأ، عقيده، واقع، إحساس، إيمان
ناسٍ بها للناس عهدٍ وذمَّه
وسلطان ما مثله على الأرض سلطان
وإذا كان الشعرُ رحماً بين حمد الخروصي وسعود القحطاني فقد عرف الشاعران لذلك الرحم قدره.
وإذا كان أغسطس موعداً لإغماد قلميهما فقد تشابها سيرة ونخوة وخواتيم.
يقول ضجيع مقبرة الكرامة بالمحالة بعسير سعود القحطاني:
و إن فعلت الطيب ما هو لجل حاجه
طبع جدي وطبع أبوي وصار طبعي
وأختم بضجيع ظل شريشة الصبيخي حمد الخروصي :
متعلقٍ في السما
شفت النجوم قبور
والناس غيمة ظما
والشعر هذا نور ..!!
———���————————
*مسقط في ٢٠ أغسطس ٢٠٢٥م.
**الاستشهادات الشعرية أعلاه من نصوص الشاعرين الكبيرين حمد الخروصي وسعود القحطاني
يموت الإنسان ولا يموت الشاعر. يتوقف النبض ولا تنام الروح، فالموت والفناء للجسد، والبقاء والخلود للروح. كلنا سنموت ذات لحظة خاطفة، غير أن الروح هي من تتجلى وتخلد، تحلق في فضاء الكون المترامي، تغوص في محيط الحلم البعيد"
#حمد_الخروصي