حتى في الحب كانت رؤيتي حادة كشفرة الحسام علمت مسبقاً بمن سأهيم بها وعلمت يقيناً أنني لن أكسب ودها لا بقوة ذراعي ولا بحيلة عقلي لأن دفتري كان قد رصد مسبقاً العقبة الوجودية الخالدة وهي عدم توفر المال رأيت تفاصيل ليلة فراقنا وأنا طفل ورأيت نوع الثوب الذي سترتديه والمنديل الذي ستمسح
في مراهقتي أدركت لعنة هذا الاستبصار رأيت طابور الوظيفة البائس الذي سأقف فيه في مستقبلي وحاولت العبث بالخريطة وسلوك طرق ملتوية لأتفادى ذلك الحظ السيء المتربص بي لكنني أدركت لاحقاً أن محاولاتي للهروب كانت هي النفق ذاته الذي يوصلني للمشهد وقفت في سن الـ26 أمام ذات المدير برائحة
أنا لا أتوقع المستقبل أنا أقيد تفاصيله في مسوداتي قبل أن تجرؤ الأيام على ارتكابه. كل خيبة عشتها، وكل وجه فقدته، وكل باب أُغلق في وجهي، كان مدوناً بالحبر الأسود في دفتري القديم منذ كنت في الثانية عشرة. الأيام لا تفاجئني، الأيام فقط تنقاد وتنصاع لما كتبته لها مسبقاً.
في عمر الـ24، سأجلس في مقابلة عمل ببدلة مستعارة، وسيسألني المدير عن طموحي، بينما كلينا يعلم أن طموحي الوحيد هو ألا تسقط الأمطار وأنا أبحث عن حافلة العودة. لقد رتبت الحافلة هذا المأزق لي منذ كنت في العاشرة
كنت أنظر لجدي في أعياد الطفولة وأنا أتدرب في عقلي على صيغة النعي التي سأكتبها له بعد خمسة عشر عاماً. تفادي الموت حماقة، لقد ماتوا جميعاً في مسودات كتاباتي قبل أن يغادروا أجسادهم في الواقع