نشكر المولى عز وجل أن شرّفنا بخدمة الحرمين الشريفين، ورعاية حجاج بيته الحرام، سائلين الله أن يتقبل من الحجاج حجهم ونسكهم وطاعاتهم.
ومع حلول عيد الأضحى المبارك، نهنئ شعبنا في هذا الوطن المبارك وأمتنا الإسلامية بهذه المناسبة، وندعوه سبحانه أن يجعله عيد خير وسلام واستقرار على أمتنا والعالم أجمع.
وكل عام وأنتم بخير.
هل يكتب الكاتب مشاعره؟ أم رسالته؟
أم أنه يكتب شيئًا أعمق من الاثنين معًا… شيئًا يشبه الإنسان حين يقف عاري الروح أمام الصفحة البيضاء؟
حين يضع الكاتب قلمه على الورق، لا تبدأ المعركة مع الكلمات فقط، بل مع نفسه أيضًا، حيث تتزاحم داخله المشاعر والذكريات والوجوه والحوارات القديمة، وتنتابه حيرة خفية: هل يترك قلبه يتكلم بحرية، فتخرج منه مشاعر لا يريد كشفها؟ أم يشد زمام القلم حتى لا يرى الناس ما يخفيه في أعماقه؟
فالكتابة ليست دائمًا أمرًا سهلاً كما قد تبدو للقارئ... فتُكتب بعض النصوص بيدٍ مرتجفة، وبعض الجمل يكتبها صاحبها ثم يتأملها طويلًا وكأنه يسأل نفسه: "هل قلت أكثر مما يُفترض؟"
يخاف الكاتب أحيانًا من نصوصه أكثر من خوفه من الناس، لأن الكلمات قد تتحول إلى مرايا تكشف ما حاول إخفاءه حتى عن نفسه. وقد يكتب عن الحنين فيظن الناس أنه عاش الفقد، ويكتب عن الوحدة فيعتقدون أنه وحيد، ويصف انكسارًا لم يمر به شخصيًا لكنه شعر بألمه في روح إنسان آخر.
وهنا يبرز السؤال القديم المتجدد: هل كل ما يكتبه الكاتب قد مرّ به فعلًا؟
ليس بالضرورة…
فالكاتب لا يعيش عمره وحده، بل يعيش أعمارًا كثيرة عبر الآخرين... قد يتألم من دمعة رآها في عين أم، أو من صمت رجلٍ أخفى خلف ابتسامته تعب السنين، أو من قصة عابرة سمعها ثم بقيت تسكنه أيامًا طويلة...
فالكاتب الحقيقي لا يكتب نفسه فقط، بل يكتب الإنسان كله… يكتب الخوف الذي نعجز عن الاعتراف به، والحنين الذي نخجل من إظهاره، والأسئلة التي تدور في صدور الناس دون أن تجد صوتًا يعبّر عنها.
ولهذا تبدو بعض النصوص وكأنها اعترافات شخصية جدًا، بينما هي في حقيقتها أصوات بشرٍ كثيرين اجتمعت داخل روح كاتب واحد.
فرسالة الكاتب - من وجهة نظري المتواضعة على الأقل - ليست مجرد سرد أفكاره أو كشف أسراره، بل أن ينقل أحاسيس الإنسان للإنسان. أن يعيش المشاعر بروحه قبل أن يسكبها على الورق حروفًا وكلمات، فيجد القارئ نفسه بينها، ويتنفس من خلالها شيئًا من أحاسيسه المكبوتة، فتخف عنه وطأة الشعور ولو قليلًا.
فالكاتب قد يكون اللسان الناطق لمن لا يعرف كيف يتحدث، والقلم السيّال لمن عجز عن الكتابة، والنافذة التي يطل منها الناس على ذواتهم التي انشغلوا عنها طويلًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يسمعه الكاتب بعد نص كتبه، ليس المديح، ولا الإعجاب، بل تلك العبارة الصادقة البسيطة: "كأنك كتبت ما بداخلي…"
حينها يشعر أن الكلمات أدّت رسالتها فعلًا، وأن النص لم يكن حبرًا على ورق، بل يدًا خفية امتدت لتربت على قلب إنسان بعيد.
فالكاتب الحقيقي لا يكتب ليقول: "انظروا إليّ"
بل يكتب ليقول: "أنتم لستم وحدكم… هناك من شعر يومًا بما تشعرون به الآن."
https://t.co/OzSt9lTUD9
هل يكتب الكاتب مشاعره؟ أم رسالته؟
أم أنه يكتب شيئًا أعمق من الاثنين معًا… شيئًا يشبه الإنسان حين يقف عاري الروح أمام الصفحة البيضاء؟
حين يضع الكاتب قلمه على الورق، لا تبدأ المعركة مع الكلمات فقط، بل مع نفسه أيضًا، حيث تتزاحم داخله المشاعر والذكريات والوجوه والحوارات القديمة، وتنتابه حيرة خفية: هل يترك قلبه يتكلم بحرية، فتخرج منه مشاعر لا يريد كشفها؟ أم يشد زمام القلم حتى لا يرى الناس ما يخفيه في أعماقه؟
فالكتابة ليست دائمًا أمرًا سهلاً كما قد تبدو للقارئ... فتُكتب بعض النصوص بيدٍ مرتجفة، وبعض الجمل يكتبها صاحبها ثم يتأملها طويلًا وكأنه يسأل نفسه: "هل قلت أكثر مما يُفترض؟"
يخاف الكاتب أحيانًا من نصوصه أكثر من خوفه من الناس، لأن الكلمات قد تتحول إلى مرايا تكشف ما حاول إخفاءه حتى عن نفسه. وقد يكتب عن الحنين فيظن الناس أنه عاش الفقد، ويكتب عن الوحدة فيعتقدون أنه وحيد، ويصف انكسارًا لم يمر به شخصيًا لكنه شعر بألمه في روح إنسان آخر.
وهنا يبرز السؤال القديم المتجدد: هل كل ما يكتبه الكاتب قد مرّ به فعلًا؟
ليس بالضرورة…
فالكاتب لا يعيش عمره وحده، بل يعيش أعمارًا كثيرة عبر الآخرين... قد يتألم من دمعة رآها في عين أم، أو من صمت رجلٍ أخفى خلف ابتسامته تعب السنين، أو من قصة عابرة سمعها ثم بقيت تسكنه أيامًا طويلة...
فالكاتب الحقيقي لا يكتب نفسه فقط، بل يكتب الإنسان كله… يكتب الخوف الذي نعجز عن الاعتراف به، والحنين الذي نخجل من إظهاره، والأسئلة التي تدور في صدور الناس دون أن تجد صوتًا يعبّر عنها.
ولهذا تبدو بعض النصوص وكأنها اعترافات شخصية جدًا، بينما هي في حقيقتها أصوات بشرٍ كثيرين اجتمعت داخل روح كاتب واحد.
فرسالة الكاتب - من وجهة نظري المتواضعة على الأقل - ليست مجرد سرد أفكاره أو كشف أسراره، بل أن ينقل أحاسيس الإنسان للإنسان. أن يعيش المشاعر بروحه قبل أن يسكبها على الورق حروفًا وكلمات، فيجد القارئ نفسه بينها، ويتنفس من خلالها شيئًا من أحاسيسه المكبوتة، فتخف عنه وطأة الشعور ولو قليلًا.
فالكاتب قد يكون اللسان الناطق لمن لا يعرف كيف يتحدث، والقلم السيّال لمن عجز عن الكتابة، والنافذة التي يطل منها الناس على ذواتهم التي انشغلوا عنها طويلًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يسمعه الكاتب بعد نص كتبه، ليس المديح، ولا الإعجاب، بل تلك العبارة الصادقة البسيطة: "كأنك كتبت ما بداخلي…"
حينها يشعر أن الكلمات أدّت رسالتها فعلًا، وأن النص لم يكن حبرًا على ورق، بل يدًا خفية امتدت لتربت على قلب إنسان بعيد.
فالكاتب الحقيقي لا يكتب ليقول: "انظروا إليّ"
بل يكتب ليقول: "أنتم لستم وحدكم… هناك من شعر يومًا بما تشعرون به الآن."
https://t.co/OzSt9lTUD9
أين تختبئ الذكريات؟ ولماذا تعود؟
حين يفتح العطر باب الذاكرة
هل شممت عطراً ذكّرك بعطر معلمك في الابتدائية؟ وهل سمعت لحنًا أخذك إلى أيام مراهقتك؟ وهل تذوقت طعماً أعاد لك ذكرى رحلة لا تنسى؟ أو أعاد لك ذكرى إنسان عزيز عليك...هل تبقى الذكريات في مكان واحد؟ ولماذا تعود؟ ولماذا تحفز الروائح الذكريات بشكل أكبر...لنذهب في جولة داخل تلافيف المخ وشبكات الأعصاب لنرى معاً...
فالذكريات ليست طيورًا تهاجر إلى مكانٍ بعيد، ولا صورًا تُعلّق في غرفة سرية داخل الدماغ، ثم نمدّ أيدينا إليها متى شئنا.
الذاكرة - كما يقول علم الأعصاب - ليست خزانة، بل كائن متغير، وليست شيئًا محفوظًا كما هو، بل شبكة من آثار عصبية تتوزع بين مناطق عدة من الدماغ، يدخل فيها الحُصين لتثبيت ملامح التجربة وربطها بسياقها، ثم تتداخل القشرة الدماغية في حفظ المعاني والمعارف والصور الممتدة مع الزمن.
لذلك حين نسأل: أين تذهب الذكريات؟ فالإجابة الأقرب: لا تذهب إلى مكان واحد، بل تتوزع فينا، تسكن شيئًا من الدماغ، وشيئًا من الجسد، وشيئًا من الحواس، وشيئًا من القصة التي نرويها عن أنفسنا.
وتشير مراجعات علمية إلى أن الذاكرة الجديدة تبدأ هشة قابلة للتغير، ثم تمر بعملية "التثبيت" أو consolidation حتى تصبح أكثر استقرارًا وطول بقاء.
حين نعيش موقفًا ما، لا يحفظ الدماغ المشهد كما تحفظ الكاميرا الصورة، بل يأخذ منه علامات: رائحة المكان ولون الضوء ونبرة الصوت والخوف الذي مرّ في الصدر، أو الطمأنينة التي حلت في القلب.
يقوم الحُصين بدور مهم في ربط هذه العناصر داخل ذاكرة حدثية، أي ذاكرة لها زمان ومكان وسياق، ولهذا يُذكر كثيرًا بوصفه من أهم البنى العصبية في تكوين الذكريات واسترجاعها.
لكن الذكرى لا تبقى كما وُلدت أول مرة، فكلما استرجعناها، كأننا نوقظها من نومها، فتغدو لحظةً قابلة للتعديل، ثم تحتاج إلى أن تُثبت من جديد، وهذا ما يسميه علماء الأعصاب إعادة التثبيت أو reconsolidation؛ أي أن الذاكرة عند استدعائها قد تعود مؤقتًا إلى حالة أكثر مرونة، ثم يعاد تخزينها بعد أن تتأثر بسياق الاسترجاع ومشاعرنا الحالية، ولهذا قد تتبدل الذكرى قليلًا مع الزمن، لا لأننا نكذب، بل لأن الدماغ لا يسترجع الماضي فقط، بل يعيد بناءه.
ومن هنا نفهم لماذا تعود الذكريات فجأة، فقد نمشي في ممر عادي، فتوقظ رائحةٌ قديمة بيتًا كاملاً في داخلنا، وقد نسمع أغنية، فتعود مرحلة لا شخصًا واحدًا، وقد نلمح وجهًا يشبه وجهًا غاب، فيتحرك في النفس ما ظنناه سكن، وهذا يوافق ما يعرف في علم النفس بمبدأ خصوصية الترميز؛ فالإشارة التي حضرت وقت تكوين الذاكرة - رائحة، صوت، مكان، حالة نفسية -تصبح لاحقًا مفتاحًا لاسترجاعها، كلما تشابهت ظروف التذكر مع ظروف تكوين الذكرى، زادت فرصة عودتها.
والروائح بالذات لها سلطان عجيب على الذاكرة، ليست لأنها أكثر شاعرية فحسب، بل لأن مسارات الشم في الدماغ قريبة من مناطق مرتبطة بالعاطفة والذاكرة، ومنها اللوزة الدماغية والحُصين، لذلك قد تفعل رائحة قهوة قديمة أو عطرٍ عابر ما لا تفعله عشرات الصور، وتفتح بابًا لم يُطرق منذ سنوات.
وقد درست أبحاث حديثة أثر الروائح في استدعاء الذكريات الذاتية، خاصة الذكريات العاطفية، ووجدت أن الإشارات الشمية قد تستحضر ذكريات أكثر حيوية وانفعالًا من بعض الإشارات اللفظية.
أما لماذا تعود بعض الذكريات بإلحاح ولا تعود أخرى؟ فهنا تدخل العاطفة، فالذكريات التي ارتبطت بخوف شديد أو فرح عميق أو خجل أو فقد أو دهشة، تترك في الدماغ علامة أوضح. فاللوزة الدماغية تؤثر في معالجة الخبرات العاطفية، وتدعم قوة تذكر الأحداث المشحونة وجدانيًا، خاصة حين تتفاعل مع أنظمة الذاكرة الأخرى، لذلك لا نتذكر كل الأيام، لكننا نتذكر اليوم الذي انكسر فيه شيء فينا، أو اليوم الذي شُفي فيه شيء.
والذاكرة ليست فردية تمامًا، بل هي جزء من هويتنا ويرى باحثون في الذاكرة الذاتية أن ذكرياتنا الشخصية تُبنى داخل ما يسمى "نظام الذاكرة والذات"، أي أن الإنسان لا يتذكر الأحداث بوصفها معلومات مجردة، بل بوصفها فصولًا من حكايته عن نفسه: من كنت؟ ماذا خسرت؟ ماذا تعلمت؟ من أحبني؟ من خذلني؟ وأين كنت واقفًا حين تغير شيء في حياتي؟ ولهذا فإن بعض الذكريات تعود لا لأنها الأقوى فقط، بل لأنها ما زالت مرتبطة بسؤال مفتوح في داخلنا.
وللمزاج أيضًا مفاتيحه الخفية، فحين يكون الإنسان حزينًا، قد يجد ذاكرته تميل إلى استدعاء ما يشبه حزنه؛ وحين يطمئن، قد تصبح الذكريات الألطف أكثر قربًا، وهذا ما تسميه بعض مراجع علم النفس الذاكرة المتوافقة مع المزاج؛ أي أن الحالة الشعورية الحالية قد تؤثر فيما يسهل استدعاؤه من الماضي، لذلك لا يعود الماضي دائمًا كما كان، بل يعود أحيانًا مرتديًا لون اللحظة التي نعيشها الآن.
ثم يأتي النوم، ذلك العامل الهادئ الذي يعمل حين نغيب حيث تشير دراسات في علم الأعصاب إلى أن النوم لا يريح الجسد فقط، بل يشارك في تثبيت الذكريات وإعادة تنظيمها، وخلال النوم قد يعيد الدماغ تنشيط بعض الأنماط العصبية المرتبطة بالتجارب، وهي عملية يشار إليها أحيانًا بـ"إعادة العرض" أو replay، ولها علاقة بتثبيت الذاكرة ودمجها في المعرفة الأوسع.
لذلك قد نفهم الذكريات هكذا: إنها لا تذهب بعيدًا، لكنها لا تبقى ساكنة، فبعضها يضعف لأننا لم نعد نزوره، وبعضها يتغير لأننا كلما زرناه أعدنا ترتيبه، وبعضها يختبئ لا لأنه اختفى، بل لأن مفتاحه لم يمر بنا بعد، فإذا مرّت الرائحة، أو الأغنية، أو المكان، أو العمر نفسه… عاد الباب وانفتح.
والأعجب أن الذكرى حين تعود لا تقول لنا دائمًا: "هذا ما حدث"، بل تقول أحيانًا : "هذا ما لم يلتئم بعد"، وحيناً تقول: "هذا ما صنعك"، وأحيانًا، بلطفٍ لا ننتبه له، تقول: “لقد كنتَ هناك… ثم نجوت".
فالذكريات لا تعود عبثًا دائمًا، فبعضها يعود ليؤلمنا، وبعضها يعود ليؤنسنا، وبعضها يعود ليعيد إلينا جزءًا نسيناه من أنفسنا.
وبين علم الأعصاب ووجع الإنسان مساحة رقيقة تقول: نحن لا نحمل ذكرياتنا فقط، بل نحمل الطرق التي تغيرنا بها تلك الذكريات.
https://t.co/019P5dUBk3
•نشرة بين الطب والأدب —عبدالقادر مساعد
@rcmc2000
كل مرة أفتح فيها موقع كتابة أدور جديد النشرة! أحرص إني أقرأ كل الأعداد ولا يفوتني منها شيء
تعطيني شعور كأني جالسة قدام شخص حكيم، مثل ما كانوا يصورونه بالقصص زمان، وجالس يحكي لي حكمة من واقع خبرته بالحياة 🤍
أين تختبئ الذكريات؟ ولماذا تعود؟
حين يفتح العطر باب الذاكرة
هل شممت عطراً ذكّرك بعطر معلمك في الابتدائية؟ وهل سمعت لحنًا أخذك إلى أيام مراهقتك؟ وهل تذوقت طعماً أعاد لك ذكرى رحلة لا تنسى؟ أو أعاد لك ذكرى إنسان عزيز عليك...هل تبقى الذكريات في مكان واحد؟ ولماذا تعود؟ ولماذا تحفز الروائح الذكريات بشكل أكبر...لنذهب في جولة داخل تلافيف المخ وشبكات الأعصاب لنرى معاً...
فالذكريات ليست طيورًا تهاجر إلى مكانٍ بعيد، ولا صورًا تُعلّق في غرفة سرية داخل الدماغ، ثم نمدّ أيدينا إليها متى شئنا.
الذاكرة - كما يقول علم الأعصاب - ليست خزانة، بل كائن متغير، وليست شيئًا محفوظًا كما هو، بل شبكة من آثار عصبية تتوزع بين مناطق عدة من الدماغ، يدخل فيها الحُصين لتثبيت ملامح التجربة وربطها بسياقها، ثم تتداخل القشرة الدماغية في حفظ المعاني والمعارف والصور الممتدة مع الزمن.
لذلك حين نسأل: أين تذهب الذكريات؟ فالإجابة الأقرب: لا تذهب إلى مكان واحد، بل تتوزع فينا، تسكن شيئًا من الدماغ، وشيئًا من الجسد، وشيئًا من الحواس، وشيئًا من القصة التي نرويها عن أنفسنا.
وتشير مراجعات علمية إلى أن الذاكرة الجديدة تبدأ هشة قابلة للتغير، ثم تمر بعملية "التثبيت" أو consolidation حتى تصبح أكثر استقرارًا وطول بقاء.
حين نعيش موقفًا ما، لا يحفظ الدماغ المشهد كما تحفظ الكاميرا الصورة، بل يأخذ منه علامات: رائحة المكان ولون الضوء ونبرة الصوت والخوف الذي مرّ في الصدر، أو الطمأنينة التي حلت في القلب.
يقوم الحُصين بدور مهم في ربط هذه العناصر داخل ذاكرة حدثية، أي ذاكرة لها زمان ومكان وسياق، ولهذا يُذكر كثيرًا بوصفه من أهم البنى العصبية في تكوين الذكريات واسترجاعها.
لكن الذكرى لا تبقى كما وُلدت أول مرة، فكلما استرجعناها، كأننا نوقظها من نومها، فتغدو لحظةً قابلة للتعديل، ثم تحتاج إلى أن تُثبت من جديد، وهذا ما يسميه علماء الأعصاب إعادة التثبيت أو reconsolidation؛ أي أن الذاكرة عند استدعائها قد تعود مؤقتًا إلى حالة أكثر مرونة، ثم يعاد تخزينها بعد أن تتأثر بسياق الاسترجاع ومشاعرنا الحالية، ولهذا قد تتبدل الذكرى قليلًا مع الزمن، لا لأننا نكذب، بل لأن الدماغ لا يسترجع الماضي فقط، بل يعيد بناءه.
ومن هنا نفهم لماذا تعود الذكريات فجأة، فقد نمشي في ممر عادي، فتوقظ رائحةٌ قديمة بيتًا كاملاً في داخلنا، وقد نسمع أغنية، فتعود مرحلة لا شخصًا واحدًا، وقد نلمح وجهًا يشبه وجهًا غاب، فيتحرك في النفس ما ظنناه سكن، وهذا يوافق ما يعرف في علم النفس بمبدأ خصوصية الترميز؛ فالإشارة التي حضرت وقت تكوين الذاكرة - رائحة، صوت، مكان، حالة نفسية -تصبح لاحقًا مفتاحًا لاسترجاعها، كلما تشابهت ظروف التذكر مع ظروف تكوين الذكرى، زادت فرصة عودتها.
والروائح بالذات لها سلطان عجيب على الذاكرة، ليست لأنها أكثر شاعرية فحسب، بل لأن مسارات الشم في الدماغ قريبة من مناطق مرتبطة بالعاطفة والذاكرة، ومنها اللوزة الدماغية والحُصين، لذلك قد تفعل رائحة قهوة قديمة أو عطرٍ عابر ما لا تفعله عشرات الصور، وتفتح بابًا لم يُطرق منذ سنوات.
وقد درست أبحاث حديثة أثر الروائح في استدعاء الذكريات الذاتية، خاصة الذكريات العاطفية، ووجدت أن الإشارات الشمية قد تستحضر ذكريات أكثر حيوية وانفعالًا من بعض الإشارات اللفظية.
أما لماذا تعود بعض الذكريات بإلحاح ولا تعود أخرى؟ فهنا تدخل العاطفة، فالذكريات التي ارتبطت بخوف شديد أو فرح عميق أو خجل أو فقد أو دهشة، تترك في الدماغ علامة أوضح. فاللوزة الدماغية تؤثر في معالجة الخبرات العاطفية، وتدعم قوة تذكر الأحداث المشحونة وجدانيًا، خاصة حين تتفاعل مع أنظمة الذاكرة الأخرى، لذلك لا نتذكر كل الأيام، لكننا نتذكر اليوم الذي انكسر فيه شيء فينا، أو اليوم الذي شُفي فيه شيء.
والذاكرة ليست فردية تمامًا، بل هي جزء من هويتنا ويرى باحثون في الذاكرة الذاتية أن ذكرياتنا الشخصية تُبنى داخل ما يسمى "نظام الذاكرة والذات"، أي أن الإنسان لا يتذكر الأحداث بوصفها معلومات مجردة، بل بوصفها فصولًا من حكايته عن نفسه: من كنت؟ ماذا خسرت؟ ماذا تعلمت؟ من أحبني؟ من خذلني؟ وأين كنت واقفًا حين تغير شيء في حياتي؟ ولهذا فإن بعض الذكريات تعود لا لأنها الأقوى فقط، بل لأنها ما زالت مرتبطة بسؤال مفتوح في داخلنا.
وللمزاج أيضًا مفاتيحه الخفية، فحين يكون الإنسان حزينًا، قد يجد ذاكرته تميل إلى استدعاء ما يشبه حزنه؛ وحين يطمئن، قد تصبح الذكريات الألطف أكثر قربًا، وهذا ما تسميه بعض مراجع علم النفس الذاكرة المتوافقة مع المزاج؛ أي أن الحالة الشعورية الحالية قد تؤثر فيما يسهل استدعاؤه من الماضي، لذلك لا يعود الماضي دائمًا كما كان، بل يعود أحيانًا مرتديًا لون اللحظة التي نعيشها الآن.
ثم يأتي النوم، ذلك العامل الهادئ الذي يعمل حين نغيب حيث تشير دراسات في علم الأعصاب إلى أن النوم لا يريح الجسد فقط، بل يشارك في تثبيت الذكريات وإعادة تنظيمها، وخلال النوم قد يعيد الدماغ تنشيط بعض الأنماط العصبية المرتبطة بالتجارب، وهي عملية يشار إليها أحيانًا بـ"إعادة العرض" أو replay، ولها علاقة بتثبيت الذاكرة ودمجها في المعرفة الأوسع.
لذلك قد نفهم الذكريات هكذا: إنها لا تذهب بعيدًا، لكنها لا تبقى ساكنة، فبعضها يضعف لأننا لم نعد نزوره، وبعضها يتغير لأننا كلما زرناه أعدنا ترتيبه، وبعضها يختبئ لا لأنه اختفى، بل لأن مفتاحه لم يمر بنا بعد، فإذا مرّت الرائحة، أو الأغنية، أو المكان، أو العمر نفسه… عاد الباب وانفتح.
والأعجب أن الذكرى حين تعود لا تقول لنا دائمًا: "هذا ما حدث"، بل تقول أحيانًا : "هذا ما لم يلتئم بعد"، وحيناً تقول: "هذا ما صنعك"، وأحيانًا، بلطفٍ لا ننتبه له، تقول: “لقد كنتَ هناك… ثم نجوت".
فالذكريات لا تعود عبثًا دائمًا، فبعضها يعود ليؤلمنا، وبعضها يعود ليؤنسنا، وبعضها يعود ليعيد إلينا جزءًا نسيناه من أنفسنا.
وبين علم الأعصاب ووجع الإنسان مساحة رقيقة تقول: نحن لا نحمل ذكرياتنا فقط، بل نحمل الطرق التي تغيرنا بها تلك الذكريات.
https://t.co/019P5dUBk3
أدركتُ متأخراً أن الأمر شخصي، شخصيٌ جداً، ولا علاقة له بأي نُظمٍ أو لوائح. لم أكمل عامي الأول بعد في عملي هذا، ومع ذلك أشعر برغبةٍ مستميتة للفرار من كل شيء؛ لأنني ببساطة لا أُعجب أحداً. لم أضع إصبعي بعد على مكمن الخلل، وقد يكون هذا ما يجعلني مناضلاً حتى اليوم؛ لأنني لستُ كافياً لأحد!
قصة قصيرة على منصة كتابة :
https://t.co/jBZHSgKCbL
حين تصبح القراءة دواءً...
ما تأثير القراءة على الصحة ؟
حين يثقل اليوم على الإنسان، لا يحتاج دائمًا إلى حلّ كبير، ولا إلى سفر بعيد، ولا إلى عزلة طويلة.
بل ربما تكفيه صفحة واحدة ينتقل فيها من ضجيج العالم إلى صوت أهدأ، ومن ازدحام الرسائل والتنبيهات إلى جملة تمشي على مهل، صفحة تفتح له بابًا صغيرًا، وتقول له: اجلس هنا قليلًا.
ولم تعد القراءة في نظر العلم مجرد هواية جميلة ، فقد أشارت دراسات حديثة إلى أن القراءة الحرة أو العلاجية قد تساعد على تخفيف الضيق النفسي والقلق وتحسين المزاج، خصوصًا حين تكون عادة منتظمة، ونابعة من رغبة ذاتية، لا واجبًا ثقيلًا يضاف إلى قائمة الواجبات.
ففي تحليل شمولي حديث نُشر عام 2025، جُمعت نتائج 11 دراسة شملت 3480 طالبًا جامعيًا حول ما يُعرف بـ العلاج بالقراءة.
وأظهرت النتائج أن القراءة الموجّهة يمكن أن تسهم في تحسين الصحة النفسية، وأن أثرها يصبح أوضح حين تستمر فترة أطول، خاصة في تخفيف أعراض القلق.
وهذا المعنى مهم؛ لأنه يجعل القراءة أقرب إلى عادة علاجية هادئة، لا جرعة سريعة عابرة فالكتاب لا يعمل دائمًا مسكّناً فورياً، بل تمريناَ نفسياً متكرراً، يعلّم العقل أن يهدأ بالتدرج.
وتضيف دراسة أخرى نُشرت في عام 2022 بعدًا أكثر إنسانية؛ فقد بحثت أثر قراءة الأدب والخيال، وتذكّره، ومناقشته، على المزاج والصحة النفسية، ووجدت أن الأدب قد يترك أثرًا إيجابيًا في المزاج والانفعال، لكن هذا الأثر لا يحدث دائمًا بمجرد المرور السريع على النص، بل قد يحتاج إلى تأمل، أو تذكّر، أو حديث مع الآخرين، وكأن النص يواصل حياته حين نحمله معنا، ونقلبه في الذاكرة، ونقوله لصديق، أو نسمعه من قارئ آخر.
وهنا تظهر قيمة المشاركة.
فالقراءة وحدها تمنح الإنسان خلوة جميلة، لكنها حين تتحول إلى حديث، أو نادٍ صغير، أو جلسة صادقة بين صديقين، تصبح أوسع أثرًا.
وقد يقرأ اثنان النص نفسه، فيخرج كل واحد منهما بمعنى مختلف؛ أحدهما يرى فيه عزاءً، والآخر يرى فيه سؤالًا، وثالث يجد فيه شجاعة لم يكن ينتبه إليها، وحين نتبادل هذه المعاني، لا نشارك الكتب فقط، بل نشارك شيئًا من أرواحنا.
لذلك، ليست القراءة وصفة سحرية تقول لنا: اقرأوا دقائق معدودة فيزول القلق، ولا رقمًا قاطعًا نعلقه على الجدران ثم نطمئن.
والأبحاث الحديثة لا تؤكد بالضرورة تلك الأرقام الشائعة، لكنها تؤيد معنى أعمق وأكثر اتزانًا: أن القراءة المنتظمة، خاصة حين تصحبها الرغبة والتأمل والحوار، قد تكون مساحة نفسية آمنة، يلتقط فيها الإنسان أنفاسه، ويعيد ترتيب فوضاه الداخلية.
فالكتاب لا يزيل هموم الحياة، لكنه يخفف حدّتها.
ولا يلغي الضغوط، لكنه يمنحنا مسافة صغيرة بينها وبين قلوبنا.
ولا يبدل الواقع، لكنه قد يبدل طريقة وقوفنا أمامه.
وربما لهذا نحتاج أن نعيد للقراءة مكانها في أيامنا؛ لا سباقًا لإنهاء الكتب، ولا وسيلة للتفاخر بعدد الصفحات، بل استراحة صادقة للعقل، وفسحة هادئة للروح، وجسراً لطيفاً بيننا وبين الآخرين.
حين تشعر أن الضجيج قد علا، وأن يومك صار أثقل مما يحتمل قلبك، جرّب أن تترك هاتفك قليلًا، وتفتح كتابًا، واقرأ وحدك إن احتجت إلى السكينة، واقرأ مع غيرك إن احتجت إلى الأنس، ثم دع المعنى يعمل في داخلك على مهل.
فليست كل عافية تأتي على هيئة دواء.
أحيانًا تأتي على هيئة كتاب، وجملة،
وصديق يقول لك بعد القراءة:
أنا شعرت بهذا أيضًا.
https://t.co/JYeR8oNBtY
حين تصبح القراءة دواءً...
ما تأثير القراءة على الصحة ؟
حين يثقل اليوم على الإنسان، لا يحتاج دائمًا إلى حلّ كبير، ولا إلى سفر بعيد، ولا إلى عزلة طويلة.
بل ربما تكفيه صفحة واحدة ينتقل فيها من ضجيج العالم إلى صوت أهدأ، ومن ازدحام الرسائل والتنبيهات إلى جملة تمشي على مهل، صفحة تفتح له بابًا صغيرًا، وتقول له: اجلس هنا قليلًا.
ولم تعد القراءة في نظر العلم مجرد هواية جميلة ، فقد أشارت دراسات حديثة إلى أن القراءة الحرة أو العلاجية قد تساعد على تخفيف الضيق النفسي والقلق وتحسين المزاج، خصوصًا حين تكون عادة منتظمة، ونابعة من رغبة ذاتية، لا واجبًا ثقيلًا يضاف إلى قائمة الواجبات.
ففي تحليل شمولي حديث نُشر عام 2025، جُمعت نتائج 11 دراسة شملت 3480 طالبًا جامعيًا حول ما يُعرف بـ العلاج بالقراءة.
وأظهرت النتائج أن القراءة الموجّهة يمكن أن تسهم في تحسين الصحة النفسية، وأن أثرها يصبح أوضح حين تستمر فترة أطول، خاصة في تخفيف أعراض القلق.
وهذا المعنى مهم؛ لأنه يجعل القراءة أقرب إلى عادة علاجية هادئة، لا جرعة سريعة عابرة فالكتاب لا يعمل دائمًا مسكّناً فورياً، بل تمريناَ نفسياً متكرراً، يعلّم العقل أن يهدأ بالتدرج.
وتضيف دراسة أخرى نُشرت في عام 2022 بعدًا أكثر إنسانية؛ فقد بحثت أثر قراءة الأدب والخيال، وتذكّره، ومناقشته، على المزاج والصحة النفسية، ووجدت أن الأدب قد يترك أثرًا إيجابيًا في المزاج والانفعال، لكن هذا الأثر لا يحدث دائمًا بمجرد المرور السريع على النص، بل قد يحتاج إلى تأمل، أو تذكّر، أو حديث مع الآخرين، وكأن النص يواصل حياته حين نحمله معنا، ونقلبه في الذاكرة، ونقوله لصديق، أو نسمعه من قارئ آخر.
وهنا تظهر قيمة المشاركة.
فالقراءة وحدها تمنح الإنسان خلوة جميلة، لكنها حين تتحول إلى حديث، أو نادٍ صغير، أو جلسة صادقة بين صديقين، تصبح أوسع أثرًا.
وقد يقرأ اثنان النص نفسه، فيخرج كل واحد منهما بمعنى مختلف؛ أحدهما يرى فيه عزاءً، والآخر يرى فيه سؤالًا، وثالث يجد فيه شجاعة لم يكن ينتبه إليها، وحين نتبادل هذه المعاني، لا نشارك الكتب فقط، بل نشارك شيئًا من أرواحنا.
لذلك، ليست القراءة وصفة سحرية تقول لنا: اقرأوا دقائق معدودة فيزول القلق، ولا رقمًا قاطعًا نعلقه على الجدران ثم نطمئن.
والأبحاث الحديثة لا تؤكد بالضرورة تلك الأرقام الشائعة، لكنها تؤيد معنى أعمق وأكثر اتزانًا: أن القراءة المنتظمة، خاصة حين تصحبها الرغبة والتأمل والحوار، قد تكون مساحة نفسية آمنة، يلتقط فيها الإنسان أنفاسه، ويعيد ترتيب فوضاه الداخلية.
فالكتاب لا يزيل هموم الحياة، لكنه يخفف حدّتها.
ولا يلغي الضغوط، لكنه يمنحنا مسافة صغيرة بينها وبين قلوبنا.
ولا يبدل الواقع، لكنه قد يبدل طريقة وقوفنا أمامه.
وربما لهذا نحتاج أن نعيد للقراءة مكانها في أيامنا؛ لا سباقًا لإنهاء الكتب، ولا وسيلة للتفاخر بعدد الصفحات، بل استراحة صادقة للعقل، وفسحة هادئة للروح، وجسراً لطيفاً بيننا وبين الآخرين.
حين تشعر أن الضجيج قد علا، وأن يومك صار أثقل مما يحتمل قلبك، جرّب أن تترك هاتفك قليلًا، وتفتح كتابًا، واقرأ وحدك إن احتجت إلى السكينة، واقرأ مع غيرك إن احتجت إلى الأنس، ثم دع المعنى يعمل في داخلك على مهل.
فليست كل عافية تأتي على هيئة دواء.
أحيانًا تأتي على هيئة كتاب، وجملة،
وصديق يقول لك بعد القراءة:
أنا شعرت بهذا أيضًا.
https://t.co/JYeR8oNBtY
العالم أكبر من رأس الديك!
سمعتُ هذه القصة منذ زمن بعيد، ولا أذكر أين سمعتها ولا ممّن، لكنها بقيت في الذاكرة كما تبقى الحكايات الصغيرة التي تحمل في داخلها معنى أكبر من حجمها.
يُحكى أن رجلًا أكمه، أي وُلد أعمى، رُدّ إليه بصره للحظات قصيرة، فرأى رأس ديك.
لا أدري لماذا رأى رأس الديك وحده، ولماذا لم يرَ الديك كاملًا، ولا لماذا لم تقع عيناه على شجرة أو نهر أو وجه إنسان أو صفحة سماء، لكن بحسب الحكاية أنه رأى رأس الديك، ثم كُفّ بصره مرة أخرى، وعاد إلى عماه الأول.
ومنذ تلك اللحظة صار رأس الديك هو العالم كله في ذهنه.
فإذا حدّثه أحد عن شيء كبير سأله:
هل هو أكبر من رأس الديك؟
وإذا وصفوا له لونًا قال:
هل يشبه لون رأس الديك؟
وإذا ذكروا له شكلًا أو حجمًا أو جمالًا أو غرابة، عاد إلى سؤاله الأول:
كيف هو مقارنة برأس الديك؟
صار رأس الديك معيار الأشياء، ومسطرة الفهم، وحدود الخيال.
والقصة، على طرافتها، ليست بعيدة عن واقع كثير من الناس.
فكم من إنسان لا يرى العالم إلا من خلال تجربة واحدة مرّ بها، أو فكرة واحدة ورثها، أو عادة واحدة نشأ عليها، أو بيئة واحدة لم يغادرها بجسده ولا بعقله.
يظن أن ما عرفه هو كل المعرفة، وأن ما اعتاده هو الصواب المطلق، وأن ما خرج عن مألوفه خروج عن الحكمة والمنطق.
فإذا جاءه رأي جديد قال: لم نسمع بهذا من قبل.
وإذا طُرحت فكرة مختلفة قال: هذا ليس ما تعودنا عليه.
وإذا حاول أحدهم التطوير قال: ولماذا نغيّر ما وجدنا عليه آباءنا؟
وإذا برز مبدع بفكرة لا تشبه السائد، لم يسألوه عن قيمتها، بل سألوه: هل تشبه رأس الديك الذي نعرفه؟
وهنا تكمن المشكلة.
ليست المشكلة في أن يكون للإنسان تجربة محدودة، فكلنا نرى العالم من نافذة ما، ولكن المشكلة أن يظن الإنسان أن نافذته هي السماء كلها، وأن ما لم يره غير موجود، وأن ما لم يفهمه خطأ، وأن ما لم يعتده خطر.
كم من مشروع أُجهض لأن فكرته لم تشبه رأس الديك.
وكم من موهبة خُنقت لأن صوتها لم يكن مألوفًا.
وكم من تطوير تأخر لأن بعض العقول لا تزال تقيس المستقبل بمسطرة الماضي.
إن الإنسان يحتاج بين وقت وآخر أن يراجع "رأس الديك" الذي يسكن عقله.
ما الفكرة التي جعلها معيارًا لكل شيء؟
ما التجربة التي حبس العالم داخلها؟
ما العادة التي ظنها قانونًا؟
ما الرأي الذي ورثه حتى نسي أن يسأل عنه؟
فالعقل حين يتوقف عن الدهشة يشيخ، وحين يرفض الاختلاف يضيق، وحين يجعل من تجربته الوحيدة مقياسًا للحياة كلها، لا يعود يرى الأشياء كما هي، بل كما تسمح له ذاكرته الصغيرة أن يراها.
وليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن خبرته أو ماضيه أو ما ألفه، فالتجارب جزء من الحكمة، والعادات قد تحمل شيئًا من الصواب. لكن الخطر أن تتحول الخبرة إلى قيد، والمألوف إلى صنم، والماضي إلى سقف منخفض لا نسمح لأحد أن يرفعه.
الحياة أوسع من رأس ديك.
والعلم أوسع من تجربة واحدة.
والحق أكبر من عادة قديمة.
والجمال لا يُقاس دائمًا بما رأيناه أول مرة.
لذلك، كلما ضاقت صدورنا بفكرة جديدة، أو انزعجنا من رأي مختلف، أو رفضنا تطويرًا فقط لأنه غير مألوف، فلنسأل أنفسنا بهدوء:
هل نحن نحكم على الأشياء بعقول مفتوحة…
أم ما زلنا نقيس العالم كله برأس الديك؟
https://t.co/XWlzLyHZGV
فتات الوقت… كيف تصنع منه عمرًا؟
كيف تستفيد من الأوقات المهدرة؟
هل شعرت يومًا أنك تحتاج إلى يومٍ أطول من أربعٍ وعشرين ساعة؟
كأن الأعمال أكثر من الأوقات، والمشاغل أكثر من الساعات، والمهام تتراكم على طرف اليوم كما تتراكم الأوراق على مكتبٍ ضاق بصاحبه.
والحقيقة أننا لا نستطيع أن نزيد اليوم ساعة واحدة، فسيظل اليوم أربعًا وعشرين ساعة، كما عرفه الإنسان منذ زمن بعيد؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن المصريين القدماء قسموا دورة اليوم إلى أربعٍ وعشرين ساعة: اثنتي عشرة ساعة للنهار، واثنتي عشرة ساعة لليل، ثم تطوّر مفهوم الساعات المتساوية لاحقًا عند الفلكيين اليونانيين والمسلمين.
لكن ما نستطيع فعله ليس زيادة الوقت، بل إنقاذ ما يتسرب منه.
ففي حياتنا أوقات صغيرة لا ننتبه لها، دقائق مبعثرة في الانتظار أمام الدوائر الحكومية، أو في المستشفيات، أو المتاجر، أو المطاعم والمقاهي، أو وسائل النقل، أو حتى عند إشارات المرور، دقائق قد نظنها بلا قيمة، لكنها لو جُمعت لكانت ساعة أو ساعتين، وربما أكثر.
وهنا يكمن السر...
قد لا تستطيع أن تجد ساعة كاملة للقراءة، لكنك تستطيع أن تقرأ عشر صفحات في انتظار موعد، وخمس صفحات في طريقك، وصفحات أخرى في وقت قصير بين عملين.
ومع الأيام، تكتشف أنك قرأت كتابًا كاملًا من فتات الوقت.
يمكنك أن تستمع إلى بودكاست نافع أثناء المشي أو الرياضة أو التنقل، ويمكنك أن تدوّن فكرة لمقال، أو ملاحظة لبحث، أو خاطرة عابرة قبل أن تضيع، ويمكنك أن تتصفح موقعًا مفيدًا، أو تقرأ نصًا جميلًا في منصة كتابة، أو تترك تعليقًا نافعًا لكاتبٍ يحتاج كلمة تشجيع.
ليست المشكلة دائمًا في قلة الوقت، بل في تسربه من بين أيدينا دون أن نشعر.
كثير من أوقاتنا تضيع في تصفح عشوائي لا يترك أثرًا، أو حديث جانبي لا يضيف شيئًا، أو سرحان طويل لا يثمر راحة ولا فكرة.
وليس المقصود أن يتحول الإنسان إلى آلة إنتاج لا تهدأ، فالنفس تحتاج إلى راحة، والعقل يحتاج إلى هدوء، ولكن هناك فرقًا بين راحة مقصودة، وضياع غير منتبه.
الأوقات الصغيرة تشبه العملات المعدنية في الجيب؛ قد يستهين بها صاحبها، فإذا جمعها وجدها مبلغًا يستحق النظر.
فلنحسن التعامل مع هذه الدقائق المتناثرة، لا نحمّلها فوق طاقتها، ولا نجلد أنفسنا إن ضاعت، ولكن ننتبه لها قدر الاستطاعة. فقد تكون صفحة تقرؤها في انتظارٍ عابر بداية معرفة، وقد تكون فكرة تكتبها في زحام يومك نواة مقال، وقد يكون صوتٌ نافع تسمعه في طريقك سببًا في تغيير عادة أو تصحيح مسار.
العمر لا يضيع غالبًا في الساعات الكبيرة، بل يتسرب من ثقوب الدقائق الصغيرة.
والسؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا:
كم من أعمارنا ضاع ونحن نقول: إنها مجرد دقائق؟
https://t.co/1sOfZwaS8u