الأستاذ الجامعي الملقِّن
على امتداد ((22))
سنواتي الطويلة في أروقة الجامعات خمسون عاما رأيتُ نماذج كثيرة من الأساتذة الذين يسلكون طرقا شتى ومناهج مختلفة بعضُها يفتح العقول وينير الطريق أمامها ويفسح المجال لتنمو مدارك الطلاب وتسمو معارفهم وبعضها للأسف يغلقها بإحكام ويلغيها ويفرض الرأي الذي يرى وإن كان خطأ. ولعلّ أكثر هذه النماذج حضورًا في الجامعات العربية على وجه خاص هو نموذج الأستاذ الذي يجعل من قاعة الدرس منصةً لإملاء ما في أوراقه فيتجنب النقاش ويخشى الأسئلة ويفرّ من كل حوار قد يجرّه إلى منطقة لا يحسن الوقوف فيها.
هذا الأستاذ لا يُعلّم كما يُفترض أن يعلّم الأستاذ الجامعي لكنه يقرأ قراءة ويُملي إملاء ويرفض كل محاولة للطالب كي يشارك أو يعترض أو يناقش أو يقدّم رؤية أخرى وإذا سأله أحد الطلاب سؤالًا خارج حدود النص الذي بين يديه تغير وجهه وأظهر الغضب أو تظاهر بأن السؤال غير مهم أو قال عبارته الجاهزة "هذا خارج المقرر" وهي العبارة التي تُستخدم كثيرًا كدفاع عن جهله وقمع لطلابه ليست تنظيما للمادة التي كلف بتدريسها ولست أقول ذلك تجنيًا على أحد أقول ذلك عن واقع معروف في الجامعات لا يخفى على طالب ولا يغيب عن زميل وهذا النموذج من الأساتذة لا يتجنب النقاش حبًّا في النظام أو اختصار الوقت ولا يميل إلى الإملاء حبًّا في الضبط، لكن هناك خوف داخلي خوف من أن يُسأل سؤالًا لا يعرف جوابه أو أن يظهر أمام طلابه بموقف أقل اكتمالًا مما يود أن يظهر به أمامهم،
وهذا الخوف وإن بدا مفهومًا من حيث الطبيعة البشرية إلا أنه يُفسد العملية التعليمية إفسادًا عميقًا لأن الأستاذ الذي يمنع الحوار لا يمنع الكلام فقط يمنع التفكير ويغلق وظيفة الجامعة ويصادر ما لدى طلابه من رؤية قد لا تتفق مع رؤيته وإن ظن غير ذلك.
(( 23 ))
معلمُنا المتواضع
ما أكثر من يمرون في حياتنا ثم يطويهم النسيان، وما أقل أولئك الذين يمضي بهم العمر، وتبقى صورهم ساكنةً في القلب لا يغيّرها الزمن، وليس ذلك لأنهم أصحاب جاهٍ أو مال، ولكن لأن الله كتب لهم قبولًا في النفوس، فجعل ذكراهم تعود كلما عادت الذكريات.
إذا ذُكرت مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، نهضت من الذاكرة وجوهٌ مضيئةٌ صنعت شيئًا من طفولتنا، وكان من أقربها إلى النفس وجه أستاذنا القدير عبدالمعطي بن عطية النعماني رحمه الله، معلم الرياضيات والعلوم والتربية الرياضية، فيستقبلنا بابتسامته الهادئة التي كانت تبدد ما في النفوس من رهبة، وتجعل الحصة أقرب إلى الأنس منها إلى التكلف.
كان التواضع يكسو سمته، والهدوء يزين حضوره، فلا يتكلف في قوله، ولا في فعله، قريبًا من طلابه، لطيفًا في معاملته، واضحًا في شرحه، فإذا تناول مسألةً في الرياضيات بدت يسيرةً بعد أن كانت عسيرة، وإذا شرح درسًا في العلوم أحسست أن المعرفة تقترب منك خطوةً بعد خطوة، حتى تبلغها دون أن تشعر بعناء.
ثم تراه في حصةِ التربية الرياضية كما عهدته في الفصل، هادئًا في توجيهه، رفيقًا في تعليمه، كأنما كان يُهذِّب النفوسَ وهو يدرِّب الأجساد، ويغرسُ النظامَ في السلوك قبل أن يغرسه في الصفوف، حتى أدرك طلابه أنَّ التربيةَ فعلٌ يُرى، لا قولٌ يُسمع.
وكانت مدرسة ابن القيم يومئذٍ عامرةً برجالٍ حملوا رسالة التعليم بمحبة، وكانت ساحاتها تضج بأصوات الصغار، غير أن لكل تلميذٍ فيها معلمًا يظل أقرب إلى قلبه من غيره، وكان أبو عبدالإله واحدًا من أولئك الذين رزقهم الله محبةً لا تُطلب، وقبولًا لا يُصطنع.
تمضي السنون، وتتعاقب الأيام، فإذا عادت الذاكرة إلى مقاعد الدراسة لم تستحضر الدروس وحدها، بل استحضرت أصحابها أيضًا، لأن العلم قد يُنسى بعضه، أما الخلق الحسن فلا يُنسى، والكلمة الطيبة لا يطويها الزمن، والابتسامة الصادقة تبقى حيث لا تبقى أشياء كثيرة.
رحم الله أبا عبدالإله، فقد أدى رسالته في صمت المخلصين، ومضى وقد ترك في نفوس طلابه أثرًا طيبًا، وما أجمل أن يلقى الإنسان ربَّه وقد خلّف وراءه علمًا نافعًا، وذكرًا حسنًا، وقلوبًا لا تزال تدعو له كلما مرّ اسمه، أو مرّت بها أيام المدرسة الأولى.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
بفضل من الله وتوفيقه صدر اليوم الفسح لكتابي الجديد طريق الهجرة النبوية من غار ثور الى جنوب الجحفة ومعارضة الجادة وقد وقعت عقدا مع دار اطوار لطباعته قريبا ان شاء الله
(( 18))
إلى كونفــــــــــــوشيوس حينما فقد أحد طلابه فأبنه بقوله (يان هوي) لقد كان محبا للتعلم لا ينطق عن غضب ولا يكرر خطأه ما أعظم خسارتي فيه.
وأفلاطـــــــــــــون تحدث عن طلابه بأنهم بناة المستقبل ويقول إن الجيل الجديد من طلابنا سيكون لهم شأن أعظم لأنهم لا يكتفون بسماع الفلسفة بل يحيونها، ولم يذكر أحدا باسمه منهم وإنما عمم الحديث عنهم جملة بلا تفصيل.
وغاليليو غاليــــــــلي أشار إلى تلميذه بند يتوكا ستيللي بأنه رجل لامع في الرياضيات وقال عنه لقد تتلمذ في مدرستي وسألت الله أن يهيئ له مستقبلا أعظم من أستاذه، يعني نفسه.
وفي الثقافة الإسلامية لا نجد فارقا كبيرا عمن سبقهم من المعلمين في الثقافات القديمة نحو طلابهم فما نجده كلمات مختصرة تشير إلى النابهين من طلابهم مثل ذكر الـــــــــــــحسن البصري لتلميذه واصل بن عطاء وأسفه على خروجه من حلقته واعتزال مجلسه لخلاف بينهما.
ومثله الشـــــــــــــافعي مع أحمد بن حنبل حين غادر بغداد فقال: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أروع ولا أفقه ولا أزهد من أحمد بن حنبل، وكذلك أشار الإمام مـــــــــــــالك لما يتوقعه من مستقبل علمي كبير للشافعي حيث قال: إني لأرى لهذا الغلام شأنا. ويذكر ابن خلـــــــــــــدون طالبين من طلابه أخذا عنه الأصول والفقه كما قال وهما القاضي شمس الدين البساطي والفقيه بدر الدين بن جماعة. وفيهم يقول القائل:
أَهْلُ دِمَشْقَ اسْتَرَابُوا مِنْ كَثْرَةِ الحُكَّامِ/ إِذْ هُمْ جَمِيعاً شُمُوسٌ وَحَالُهُمْ فِي ظَلَامِ
أما أنا فإنني أحتفظ بأسماء ما يصل إلى خمســــــــــــــــــــة عشـــــــــــر ألف طالب وطالبة هم من شاركوني بعض محطات رحلة استمرت خمسين عاماً في الجامعة. أريد أن يضمهم هذا الكتاب بأسمائهم كاملة وأن أتحدث عنهم وأسجل وجودهم وجهودهم وما جرى بيننا ممن استفاد ومن يُستفاد منه. هذا ما أردت أن تحمله هذه المذكرات أعلاماً وأسماءً ناطقة وحاضرة وفاعلة وليست صامتة. لكن مع الأسف جرت الرياح بما لا تشتهي السفن فقد كان من الغايات الرئيسة التي وضعتها لهذه المذكرات أن تضم أسماء جميع من مروا في مسيرتي الأكاديمية الطويلة من طلاب وطالبات وفاءً لهم وتقديراً لأثرهم وتوثيقاً لرحلة تعليمية امتدت عقوداً طويلة غير أن ما كان مأمولاً ومقصوداً في البداية تحول مع مرور الوقت إلى أمر يكاد يكون مستحيلاً من الناحية العملية.
(19))