@sltana1079 مبارك لك أستاذ سلطان هذه الثقة المستحقة، وأسأل الله أن يكتب لك التوفيق والسداد في مهمتك الجديدة بالمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، وأن يجعلها مرحلة حافلة بالإنجاز والأثر، ونفع التعليم وأهله. تستحق كل خير، ومنها للأعلى بإذن الله.
لكل قبيله عادتها وتقاليدها التي توارثتها عبر الأجيال وثق تمام أن هذه العادات لم تاتي اعتباطا بارك الله فيك ، في قبيلتنا جهينه إذا نقصت الفنجال عن حده المعروف كأنك تنقص من حق ضيفك واذا ملأته عن حده كأنك طردته . في الاعتدال والوسطية تكرم ضيفك وتعطيه حقه . وهذا ما جاءت به الشريعه السمحاء
بين الجامعة والميدان: لماذا يتحسس بعض الأكاديميين من المشرفين التربويين؟
في كل منظومة تعليمية تتجاور فيها الجامعة مع المدرسة، يبرز سؤال قديم يتجدد مع كل مشروع تطوير: لماذا تبدو العلاقة بين بعض الأكاديميين في الجامعات والمشرفين التربويين مشوبة بشيء من التوتر أو التحفظ؟ ولماذا تتحول أحيانًا إلى نقد لاذع أو تشكيك متبادل، بدل أن تكون علاقة تكامل وتعاون؟
إن الحديث هنا لا يستهدف التعميم، فهناك أكاديميون ومشرفون تربويون يمثلون نماذج راقية في التعاون والإنتاج العلمي والمهني، لكن الظاهرة موجودة بما يكفي لتستحق التأمل.
يرى بعض الأكاديميين أن الجامعة هي المصدر الأول للمعرفة التربوية، وأن البحث العلمي هو المرجع الأعلى في بناء الممارسات التعليمية. ومن هذا المنطلق قد ينظر بعضهم إلى المشرف التربوي بوصفه منفذًا للتعليمات أكثر منه منتجًا للمعرفة. وفي المقابل، يرى كثير من المشرفين التربويين أن سنوات العمل داخل المدارس، ومواجهة التحديات اليومية، تمنحهم خبرة عملية قد لا توفرها قاعات المحاضرات وحدها.
وهنا تبدأ الفجوة بين “المعرفة النظرية” و”الحكمة الميدانية”.
ومن أسباب هذه الحساسية أيضًا اختلاف معايير النجاح. فالأكاديمي يقاس غالبًا بعدد أبحاثه، واستشهادات الباحثين بها، وإنتاجه العلمي، بينما يقاس المشرف التربوي بقدرته على تحسين أداء المدارس، وتطوير المعلمين، ورفع نواتج التعلم. وحين يحاول أحد الطرفين تقييم الآخر بمعاييره الخاصة، تنشأ أحكام غير عادلة.
كما أن بعض الأكاديميين لم يمارسوا الإشراف التربوي أو الإدارة المدرسية إلا لفترات قصيرة، وربما لم يمارسوها أصلًا، فيميل بعضهم إلى تقديم حلول مثالية يصعب تطبيقها في الواقع. وفي المقابل، قد يرفض بعض المشرفين أي فكرة جديدة بحجة أنها “لا تصلح للميدان”، فيغلقون الباب أمام التطوير والابتكار.
ومن العوامل النفسية التي لا يمكن إغفالها شعور بعض الأكاديميين بأن المكانة العلمية تمنحهم سلطة معرفية أعلى، في حين يشعر بعض المشرفين أن خبرتهم الطويلة لا تحظى بالتقدير الذي تستحقه. وعندما يلتقي الشعور بالتفوق مع الشعور بالتهميش، يصبح الحوار صعبًا، ويتحول الاختلاف إلى صراع.
ويظهر النقد اللاذع أحيانًا في صور مختلفة؛ فمن الأكاديميين من يصف الإشراف التربوي بأنه عمل إداري يغلب عليه الروتين، وأنه بعيد عن البحث العلمي والتجديد. وفي المقابل، يصف بعض المشرفين الأكاديميين بأنهم يعيشون في “برج عاجي”، يكتبون نظريات جميلة لا تصمد أمام واقع الفصل الدراسي، ويصدرون أحكامًا على التعليم دون معايشة حقيقية لتحدياته.
والحقيقة أن هذا النقد، عندما يتحول إلى تعميم، يظلم الطرفين معًا. فالجامعة لا تستطيع تطوير التعليم دون فهم الواقع المدرسي، والميدان لا يستطيع مواكبة التطور دون الاستفادة من البحث العلمي الرصين.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينظر كل طرف إلى الآخر بوصفه منافسًا لا شريكًا. فالتعليم لا ينهض بالألقاب الأكاديمية وحدها، ولا بالخبرة الميدانية وحدها، وإنما ينهض حين تتكامل المعرفة العلمية مع الخبرة التطبيقية.
ولعل السؤال الأجدر بالطرح ليس: من الأفضل، الأكاديمي أم المشرف التربوي؟ بل: كيف يمكن لكل منهما أن يستفيد من الآخر؟
فالأكاديمي الذي ينزل إلى المدارس، ويستمع إلى المعلمين، ويختبر أفكاره في الواقع، يصبح بحثه أكثر عمقًا وتأثيرًا. والمشرف التربوي الذي يقرأ الدراسات الحديثة، ويطور أدواته وفق الأدلة العلمية، يصبح أكثر قدرة على قيادة التغيير.
وفي النهاية، ليست قيمة الإنسان فيما يحمل من لقب، بل فيما يضيفه إلى المعرفة، وما يتركه من أثر في الناس. فكم من باحث عظيم لم ينجح في إدارة فصل دراسي واحد، وكم من مشرف متميز غيّر حياة آلاف المعلمين والمتعلمين دون أن ينشر بحثًا في مجلة علمية.
إن التعليم يحتاج إلى عقول الجامعة، كما يحتاج إلى قلوب الميدان، ولا يكتمل أحدهما دون الآخر. وكل خطاب يزرع الاستعلاء أو الازدراء بين الفريقين لا يخدم إلا استمرار الفجوة التي يدفع ثمنها المعلم والطالب، وهما الغاية الحقيقية لكل إصلاح تربوي.