أتجنب الحديث عن الحالات التي تراجعني في العيادة، وأؤمن بأن خصوصية المريض أمانة لا تُمس.
لكن ما يؤلمني أحيانًا أن بعض الأعراض التي نراها في العيادة لا يكون مصدرها مرضًا عضويًا بقدر ما يكون مصدرها بيئة عمل مرهقة أو علاقة إدارية غير صحية.
راجعتني مريضة كانت مصنفة في ملفها بأنها كثيرة الإجازات المرضية.
وعندما استمعت إلى قصتها، لم أجد شخصًا يتهرب من العمل، بل موظفة تحب عملها ومتمسكة به رغم كل ما تواجهه من تعسف من مديرتها.
كانت تذكر مواقف كثيرة دون أن أطلب منها ذلك، وكأنها تبحث عمن يسمعها أو ينصفها بعد أن تراكمت عليها الضغوط لسنوات.
تحدثت عن شعورها بعدم التقدير، وتجاهل إنجازاتها، وصعوبة النقل أو إيجاد فرصة عمل بديلة، ومحاولاتها المستمرة للتأقلم رغم الاستنزاف النفسي الذي تعيشه.
وللأسف، هذه ليست القصة الأولى. ولا أدري إن كنت أسمع هذه القصص أكثر لأنني امرأة، أم لأن عددًا كبيرًا من الموظفات يعشن المعاناة نفسها .
الأمر الذي يستوقفني أن بعض الموظفين قد يمرضون بسبب #بيئة_العمل ، ثم يجدون أنفسهم يُحاسبون على آثار ذلك المرض، أو يواجهون صعوبات إضافية حتى عند محاولة العلاج أو طلب الدعم.
بعض الممارسات الإدارية قد تترك أثرًا يتجاوز تقارير الأداء والمؤشرات، لتنعكس على الصحة النفسية والجسدية للموظف. فالتوتر المزمن والقلق واضطرابات النوم والصداع وآلام العضلات ومشكلات الجهاز الهضمي ليست دائمًا مشكلات منفصلة عن بيئة العمل.
الحزم مطلوب، والمساءلة مطلوبة، والانضباط ضرورة لأي مؤسسة ناجحة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الإدارة والهيمنة، وبين القيادة والتسلط، وبين تصحيح الخطأ واستهداف الأشخاص.
لذلك فإن تقييم القيادات لا ينبغي أن يقتصر على تحقيق المؤشرات والأرقام فقط، بل يجب أن يشمل أثرهم على فرق العمل، ومعدلات الاستنزاف الوظيفي، والعدالة في التعامل، وقدرتهم على بناء بيئة عمل صحية وآمنة.
فالمدير الجيد لا يحقق النتائج على حساب الإنسان، بل يحقق النتائج من خلال الانسان.
#الصحة_والسلامة_المهنية