تكتسب الأماكن معنى آخر حين تفصح لك عن حكايتها
ليست الأمكنة حجراً يشيد ولاطريقاً يسلك ولانافذة تطل على الأفق إنها أرواح تتنفس في صمت وذاكرة
تحفظ مانسيه الزمن وتخبئ بين تفاصيلها قصصا لا تقال
لكل عابر بل لمن يجيد الأصغاء إلى همس الجدران
قد تعبر شارعاّ مئات المرات فلا يترك فيك أثراً ثم تسمع أن على ذلك الرصيف بدأ حلم كبير أوانتهت حكاية حب أوانتظر قلب عزيزاً لم يعد عندها لايتبدل المكان بل تتبدل أنت تراه بعين تبصر المعنى قبل المشهد والروح قبل الحجر
تلك الشجرة التي كانت مجرد ظل عابر
تصبح شاهدةً على وعدٍ لم يذبله الزمن وذلك المقهى الذي حسبته مكاناً عادياً يغدو فصلاً من سيرة إنسان مازالت ضحكاته عالقة في زواياه وما زال الصمت يحتفظ بأصداء حديثه هكذا تصنع الحكايات معجزاتها تمنح الحجر قلباً وتمنح الطرقات ذاكرة وتكسو الأماكن روحاً لاتراها العيون لكنها تلامس القلوب وما إن تعرف قصة مكان حتى تصبح خطواتك فيه أكثر هدوءً وأنك لاتمشي فوق أرض صامته بل فوق أعمارٍ مرت من هنا وتركت شيئا منها لكل من يأتي بعدها
ولعل سر تعلقنا ببعض الأماكن ليس جمالها بل ما سكنها من مشاعر فما أكثر الأماكن المتشابهة وما أقل الأماكن التي تقيم في القلب فالمعمار قد يبهر البصر أما الحكاية فهي وحدها التي تأسر الروح لهذا لاتخلد الأمكان هندستها ولااتساعها ولاشهرتها بل تخلدها الحكايات التي تنام بين جدرانها وما إن تفتح لك تلك الحكايات حتى يصبح لكل زاوية نبض ولكل طريق ذاكرة ولكل عودة إليها دفء لقاء كأنك لاتزور مكاناً بل تلتقي جزءً من نفسك كان ينتظرك هناك
أحياناً لايتغير مصير إنسان بخطوة جريئة ولابباب
فتح ولابيد أمتدت إليه بل بكلمة جاءت في موعدها
كلمة لايتجاوز عمرها ثواني لكنها تعيش في القلب
أعواماً وكأنها لم تكن حروف تنطق بل مفاتيح خفيه
تفتح أبواباً أوصدها اليأس طويلاً
ماأعجب الكلمات لالون لها ولاوزن ولاترى بالعين
ومع ذلك تستطيع أن ترفع إنساناً من قاع الإنكسار
إلى قمة الأمل وأن تعيد لروح أنهكها التعب يقينها بنفسها وأن تمنح قلباً ضائعاً سبباً جديداً ليؤمن
بأن الغد يستحق الإنتظار كأن الله أودع في بعض الكلمات سراً لاتدركه العيون وإنما تشعر بها الأرواح
كم من طفل صنعته كلمة تشجيع فأصبح بعد سنوات
أسماً يملاً الآفاق وكم من مبدع كان على وشك
أن يدفن حلمه فأيقظته عبارة مؤمنه بقدراته وكم من قلب كاد أن يغرق في بحر الوحده فكانت كلمة اهتمام
واحدة هي اليابسة التي وصل إليها ليست كل البطولات
تكتب في ميادين القتال فبعضها يكتب في جملة صادقه وفي دعاء خفي وفي كلمة طيبه خرجت من قلب لاينتظر مقابلاً وفي الجهة الأخرى هناك كلمات لاتحدث ضجيجاًعند خروجها لكنها تخلف صمتاً طويلاً في داخل من سمعها فكلمة احتقار قد تهدم سنوات من الثقة وكلمة سخريه قد تطفئ موهبة قبل أن تولد وكلمة قسوة قد تغلق باباً كان يمكن أن يفتح مستقبلاً كاملاً لذلك لم تكن الكلمة يوماًأمراًعابراًإنها مسؤوليه لأنها تترك في الأرواح ما لاتتركه كثيراً من الوقائع والأجمل أن الكلمات تشبه العطر لايمكنك أن تهديه لأحد دون أن يبقى شيئاً من عبيره في يديك فكل كلمة جميلة تقولها تهذب روحك قبل أن تسعد غيرك وكل عبارة صادقة تنير قلبك قبل أن تنير طريق من يسمعهاولهذا كان اللطف في الحديث من أرقى صور الكرم وكأن حسن الكلمة من أنبل وجوه الإنسانيه فلا تؤجل كلمة الشكر ولاتبخل بكلمة تقديرولاتستصغر كلمة الإعتذار ولاتظن أن كلمة الحب إو الدعاء أو المواساة تمرمرور العابرين فقد تكون بالنسبة لك جملة قصيره لكنها بالنسبة لغيرك بداية حياة جديده أو نهاية حزن طويل أونجاة من معركه لم يخبربها أحداً
وحين تدرك أن الكلمة قد تحيي عزيمة وترمم قلباً وتغرس أملاً وتغير قراراً وتكتب فصلاً جديداً في حياة إنسان ستعرف أن الحروف ليست أصواتاً بل قوى خفيه تعيد تشكيل العالم من حولنا