مهما حدث؛ هؤلاء الشبّان.. هم فتية القرآن التي آمنت، هم بلسم الحق في هذه الأرض، هُم عصا موسى تشُقُّ البحر لتبقى آمال جنوب العالم، وهم الحدث الصّعب على رأس طغاة هذه الأرض..
وقد نادى مليكُ السّماءَ يومَها : "ألا أيتها الأمّة المتحيرة الضالة بعد نبيّها، لا وفّقكُم الله، لأضحى ولا فطر"
وإنّ هذه السنوات الأخيرة؛ وهذه الأيام المُفرّغة من معناها - المحيطة بكل هذا الموت والظلم؛ لخيرُ شاهدٍ على ذاكَ النّداء..
بعضُ القلوبِ في أعماقِها مرضٌ،
وزادهُم الله من السُّقمَ والدَّنَفِ،
لا تُشفى نفس الذّليل وإِنّ،
عاشت سنينٌ بجانِب صالِحِ السَّلَفِ،
لا خير في مساكِنٍ عاشتْ الاوهانُ بها،
وإنَّ بيوتها بعد الوقتِ في تَلَفِ،
إنَّ من يلقى نور الله في لعِبٍ،
لا حزنٌ على مآلِهِ ولا أسَفِ،
ومن يلاقي هذا النورَ مُعتكفاً،
قد أدركَ الفَتْحَ وقد أستدرَك الهَدفِ،
وخيرُ صلاةٍ في الأنامِ نعرِفها،
لا شكَّ فيها ولا لِبسٌ ولا صُدَفِ،
صلاةُ الجنوبيّون أمام جحيمِ قاتِلِهم،
هي خير الصّلاة وإنّي لها لمُعتَرِفِ،
خيرُ العملِ وخير العامليين وعُرفُهُم،
الموتُ عادتُنا وإنّ عِشنا فمِن تَرفِ،
أحَبّوا الحياة ولكن هيهاتُ ذُلّتها،
خطّها الغفاريُّ عن الحسينُ على الخَزَفِ،
وهم حملوها منذُ ذاك اليومِ للأزلِ،
سيداً بعد سيداً وفي قلبهم شغَفِ،
وصادقٌ بعد صادقٌ وبِدمائهم صدقوا،
أشرفُ النّاسَ وبِهم يتشّرّفُ الشَّرَفِ..
يقولون أنَّ البِئر قد فاح بسرَّك؛
أربعون عاماً وهذا السِّر مُكثّمُ،
أربعون يوماً على العروجِ وإنّها،
راضيّة النّفسِ تمضي لا في مأْثمُ،
وأربعون شهراً كانت في حُسن خاتمةٍ،
بين السواتِر يُمسي رُبَّ ملثّمُ،
يَعرِفُ أن الموت آتٍ فيأتيهِ
واثقُ الخطوةِ يمشي عليها ميثمُ،
على طريقٍ بينَ العراق وعامِلٍ،
يزنُ البوصِلات في بصيرةِ هيثمُ،
سيدٌ صادقٌ من سُلالة هاشمٍ،
وجمالٌ يوسفيٌّ ووجهٌ كلثمُ،
أربعون عاماً من العطاءِ ومِثلُك،
صعبٌ أنّ نُلاقي مِثلُهُ دَهثَمُ..
لا تُصالِح،
وإن قالوا في الصّلحِ كُل المدائِحْ،
لا يصِحُّ قولُ الباطِل وإن؛
تواتَرَ ذِكرُهُ على ألسِنَةِ النّوابِح..
لا تصالِح،
بعضُ العفو ليس من شِيمِ المسامِح،
ويا ليتِ بعض الأيادي تُكسر فلا تُصافِح،
إنّ شميمَ الدّماءُ لا يُخفيه رشُّ الرّوائح..
لا تُصالح،
لقد رسموا الموتِ على وجهِ أُمِكِ.. والملامِح
وعالي الصوتَ في أزقّة حيِّنا، أمسى نوائِح
وأضحى اللّيلُ في عينيّ أخاكَ، ولا نفعٌ فيها للمصابِح،
إنّ الحقَّ لائحْ، والطّريق واضِح،
لا خيرٌ في من يركعُ في الجوائح،
ولا يجُرُّ العدلُ إلا من قام يُكافِح..
فلا تُصالِح..
كلّما كتبتُ عن الحسينِ جرحتُ يدي؛
كأن سيوفُ القومِ في ذكراهِ تعيشُ
حتّى أصحاب الكهفَ والرّقيمَ تعجّبوا؛
لأمر إبنِ محمّدٍ بين آلافِ الجّيوشِ
والأعجبُ أمرُ رأسِك المحمولِ على القنا؛
وحصيرّةٌ تشيّعُ فيها خيرُ النّعوشِ
وطفلٌ نائمٌ على صدرِ والدِه؛
ألا لعنةُ اللهِ على بغيِ العروشِ..
شدَّ الله عضُدي بأخي؛ وما إستقامت وقفتي بدونه..
إن فقدتُ الوالِدَ ففيهِ وجدتُه، ولله حِكمةٌ في كُلِّ شؤونه..
صاخِبٌ، يعلو صوتَه في السّهلةِ.. وفي صعبِ المواقِفِ يعلو سكونه..
إن جار الزّمان على عيناي؛ رأيتُ الدُنيا من ضيِّ عيونه..
إسمُه عليّ، وخُلقُه عليّ، وعاشَ عليٌّ في سِرِّ مكنونه..
كَبِرتُ، وشِبْتُ، وما زلت تحتَ جناحِ أخي؛
أستجيرُ بالدُّنيا في وِسطِ حصونه..
وما رجوتُ جنّةً لأجلِ متاعها،
ولهفةُ نفسي تصبو في اللّقاء؛
يومَ أرى فيه وجه الحبيبِ وآلِهِ،
ويملأُ حديثُ العِشقِ أرجاء السّماءَ..
أُحدّثهم عن جَرحِ الدّنيا وعظيمِ دائها،
وعن دواءٌ كان في جِراحِ كربلاء..
هذا الصراع ليس عادِل، لم يكُن يوماً كذلك ولن يكون. وإن الوقوف أمام هذا العدوّ بالنسبة لنا ليس فيه رأي ولا ترف، وليست خياراً نتخذه إذا كنّا أقوياء ونعدِل عنه إنّ كان في ضعف، والمقاومة ليس اغنية إنتصار وتضحية لجوليا بطرس، والتّحرير ليس مناسبة يوم في السّنة تضَع فيه صورة إمرأة جنوبية ترمي الرّز على العائدين، والإنتماء للجنوب ليس حالة عزّ وشرف على مواقع التواصل.
إنّ تحرير الجنوب كلَّف دمٌ ونارٌ ودمار كالّذي ترونه اليوم والحفاظ عليه قد كلّف أكثر بكثير. وإن الصّراع مع العدو ليس مشكل عالسوشيال ميديا وهو صراعٌ دموي في العلن والخفاء مستمر من قبل التحرير الى اليوم. في أيّام السلم قبل أيام الحرب، وقد كلّف آلاف الشباب أفضل سنين عمرهم وأدّى للتضحية بحياتهم المهنيّة وفرصتهم لكي يروا العالم الخارجي ولكيّ يبنوا عائلات طبيعيّة في الضوء.
كان الجميع يُدرِك ذلك قبل ال ٢٠٠٠. وعلى الجميع أن يدرك ذلك بعدها، ففي الوقت الّذي كُنا نسهر فيه على شاطئ صور كان هناك رجال تسهر لتحميه، وفي الوقت الّذي ذهبنا الى اعمالنا لنبني حياة مهنية، كان هناك رجال يبنون سدّاً يردَع العدو من قتلها، وبينما كُنا نبني حياتِنا الشخصية كان هناك من يُضحّي بحياته الشخصيّة لكي يُعطينا ذلك.
وعلى مرِّ السنين كان يتّخِذ قرارات - أصاب فيها أو أخطأ - ليمنع أكبر منظومة إستعمارية من الإستيلاء على أرضِك وخنقِ بلادك خارجيا وداخليا وإفساد حياتك "الطبيعية" الّتي تقودها والّذي هو بنفسه قليلٌ ما ينعمُ بها.
فإذا أعجبك ذلك أم لم يعجبك، رأيته ليس عادلاً أم تقبّلته. تُخلق في الجنوب والموت وشمٌ في رأسِك من قبل أن تلدك أمُّك. عادةً فاقِدٌ لفرد من عائلتك أو أكثر. وإن لم تكن، فحتماً سوف تفقِد أحداً منهم أو من أصدقائك أو معارفك اليوميّة في أحد المعارك.
فإمّا أن تهرُب وتتبرئ من رأسِك، أو تلبس الموت قلادةً في عُنقِك، والثانية حال معظم الجنوبيين..