في عدوان 2012، انتهت الحرب بعد ثمانية أيام من بدئها، بعدما أدخلت مصر وقتها المساعدات كافة، وفتحت المعبر على مصراعيه للجرحى وذوي الحاجات العاجلة، وسمحت حتى (تحت عين الدولة) بتهريب السلاح لأهل غزة من المقاتلين، وأوفدت رئيس الوزراء حينها دكتور هشام قنديل، وأجبرت إسرائيل على وقف إطلاق النار حتى انتهاء الزيارة، ما شجع وفودًا عربية أخرى على الدخول، حتى لم تجد إسرائيل بُدًّا من وقف القتال والهزيمة أمام غزة والعزيمة العربية والغيرة الإسلامية والجيرة..
وحسبنا الله ونعم الوكيل فيمن وصل بنا إلى اليوم.. حين نستجدي قاتلًا مجرمًا جبانًا أن يفتح معبر رفح، لمرور آلاف الجرحى الذين ينزفون حتى الموت، وأن تعبر المساعدات الملحة العاجلة لمليوني إنسان يموتون جوعًا تحت الحصار، دون انتظار إذن إسرائيلي.. الاتفاقيات الدولية هي الاتفاقيات، والحدود هي الحدود، والمعبر هو المعبر.. لكن ذاك حين تستبدل برئيس نزيهٍ بوابًا ابن عرص.
فيمَ كان يفكر في تلك اللحظات؟ أدركته طائرة الاستطلاع فكشفته، وهو مقبلٌ متقدم، يكمُن لعدوه، متربصًا لقتال، يستذكر الله في نفسه، ويتذكر الثأر في صدره، ويحمل الدرع في يده، أيُقبل أم يدبر؟ أيكرّ أم يفر؟ لا باب إلا إلى السماء، ولا مخبأً يدركه في الأرض، أو عساه يعلم فتحة نفق في مكان ما، لكن إن ولجها فنجا مؤقتًا وهلك أصحابه.
يكمل الوثب بخطواته الواسعة، يهرول كالسعاة بين الصفا والمروة، وإن كان لم يرَ الكعبة ولا البيت الحرام ولا قبر النبي إلا في منامه، يحتضن شهادته بين جنبيه، ويسير إلى موته مدركًا أن الموت أدركه، فيعرض أمامه شريط عمره كله فلا يجده إلا عبارة عن نفق طويل عميق مظلم، لا نور فيه إلا السرُج البسيطة والجباه المتوضئة، فيطمئن للقاء الله.
وحينها، كأن الموتَ يستأذنه، ويمهله ثوانيَ قبل الارتقاء الأخير، تصيبه الآلة الجبانة الغادرة في مقتل، فتخترقه الشظية، وقد عرف أنها اللحظة اللحظة، فانكبَّ معانقًا الأرض مودعًا فيها سره الأخير، ملحقًا دمه بعرقه، وفراقه بدمعه، وبشراه بموته، متحاملًا على جرحه، وهو الشهيد على أي جنبٍ كان في الله مصرعه، لكنه يصرّ، أن يبعث ساجدًا، باثًّا آخر أنفاسه بالدنيا في ترابٍ طاهر زكيّ، ذاهبًا إلى الفردوس الأعلى بسجدةٍ صادقة، كأنه يدفن نفسه بنفسه، في كبِد غزة، وهو الذي عاش عمره كله في كَبَدها.