تأتي سنته الجديدة، ولا تأتي هي.. فيكبر الفراغ عامًا آخر، وتتعلم أن تهنّئ الغياب بصمت، وأن تطفئ شمعةً لا يراها أحد، إلا قلبٌ ما زال يعرف عددها، ويعرف لأيّ نبضٍ كانت تُشعل..!
يولد كلَّ عامٍ معها، ويكبر فيك أنت.. تتبدّل السنوات، ولا تتبدّل هي في الذاكرة، كأنّ الزمن يعيدها عليك ليقول.. بعض الأشخاص لا يغادرون، إنّما يسكنوننا بصيغة الذكرى..!
الغيابُ ليس فراغًا يا صاحبي، بل حضورٌ مؤلمٌ على هيئة صمت.. هو أن يبتعد الجسد، وتبقى الروح عالقةً في تفاصيل المكان.. في الكرسيّ الفارغ، في الرسالة التي لم تُكتب، في السؤال الذي لم يجد جوابًا.. الغيابُ فلسفةُ الأشياء التي لم تكتمل..!
ما نزل المطرُ إلّا وانسكب طيفُك معه، كأن السماء إذا فتحت مزنَها فتحت معها خزائن الذكرى، فتداعت إليّ صورتُك كما تتداعى الأنغام في قلبٍ يعرف من الحب ما لا يُقال..!
يُنتزع المكان.. فيبقى ظله في الروح، ويُغادر الأشخاص.. فتظل أصواتهم تمشي في صمتنا، وتنكسر الأنماط.. فتفزع الروح لأنها كانت تمشي على جسرٍ اعتادت صلابته، فسقطت فجأة في فراغٍ لا قرار له..!
نحنُ عابرو طرقٍ في ظاهرِ الأمر، لكن في باطنِ الروح، هناك من يجيءُ كأنما أُرسلَ ليُتمِّم نقصًا فينا، ويمضي تاركًا وراءه أثرًا لا يُمحى.. كصفحةٍ كتبها القدرُ بيده..!
إذا نظرتَ إليها وجدتَ في عينيها ما يُغنيك عن الكلام، وإن غِبتَ عنها وجدتَ في قلبك صداها، كأنها تُحادثُكَ على البعد حديثَ الأرواح التي لا يبلُغها الفَناء.. تُخاطِبُكَ بلا كلمة، لأن في روحها من روحِك كلمةً لا تُقال..!
من أجمل ما تهبه لنا الحياة ذاك الذي يقف في البُعد، ولكن أثره في الروح أقرب من نبضها، يراقبك كأنما يخاف أن يوقظك من حلمٍ جميل، ويحبّك كما يُحبّ المسافرُ الضوء الذي يدلّه، لا يقترب فيُربك، ولا يبتعد فيُفقِدك، إنما يعيش في المسافة التي خُلقت لتطمئنّ أنت بها..!
الكاتب حين يكتب إنما يضع قلبه بين يدي الورقة، ويتركها تلتقط منه ما تساقط من ألم، وما فاض من حنين، حتى تصبح الجملة نفسها نبضًا.. والسطر خفقةً لا تُرى، لكنها تُحسّ في أعماق القارئ..!
إلى ملهمتي…
وإن كان للدهشة مَوطِنٌ تُولَد فيه، فأنتَ مَهْدُها، وإن كان للقدر نافذةٌ يُطلُّ منها بالنور، فأنتَ ضياؤه.. يا هذا الذي كلما أقبلَ، انفتحت في الروح أبوابٌ من سكينة، وكأن الزمان بكل ثقله وتقلبه أراد أن يعتذر عن قسوته.. فبعثك..!
وتمضي هي.. تترك لي من بعدها فتاتَ نور، ومسافةً يتردّد فيها اسمي كأنني أبحث عنّي، وتترك للحروف دهشةً لا تستقيم، وغيابًا يُشبه الامتحان.. هل تستطيع الروح أن تمضي..؟
حين ننهار في أنفسنا، تسقط الحيرة عن وجوه الأسئلة، ويغدو السؤال نفسَه سؤالًا عن معنى السؤال.
كأنّ المعاني تُطفئ نورها، وتتركنا نمشي في ممرّ الصمت، نبحث عمّا فقدناه فينا.. لا في الدنيا..!
أكون هناك.. إذا ناداني حضورك بصمتٍ أفهمه، وإذا صار الانتظار طريقاً، واللقاء قدرًا، وإذا أحسستَ أن الأماكن كلها تضيق إلّا ذلك الموضع الذي تفتح له روحك بابًا..!