كل رمز في هذه الحياة يحمل معه صورة ذهنية تسبقه إلى عقول الناس فالعقل البشري لا يحب التعامل مع كل إنسان بوصفه حالة مستقلة بل يميل إلى اختصار العالم في قوالب جاهزة تساعده على الفهم السريع والنقاب ليس استثناء من ذلك
فما إن يرى كثير من الناس امرأة منقبة حتى تتشكل في أذهانهم شخصية كاملة قبل أن تنطق بكلمة واحدة فيتخيلون امرأة تقليدية تتبنى آراء دينية معينة وترفض التعليم المختلط ولا تعمل وتعيش وفق نمط اجتماعي محافظ وكأن قطعة القماش أصبحت كافية لاختزال إنسان كامل بتجاربه وأفكاره وشخصيته
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من هذا القالب بكثير فقد يكون النقاب خيارًا دينيًا عن قناعة شخصية وقد يكون نتيجة ضغوط أسرية أو اجتماعية وقد تكون خلفه امرأة تقرأ الفلسفة وتحب الفن وتعمل وتؤمن بأفكار لا تخطر على بال من كوّن تلك الصورة المسبقة
وعندما تصطدم هذه الصورة بالواقع يبدأ ما يسميه علماء النفس بالتنافر المعرفي إذ يجد الدماغ نفسه أمام معلومتين لا تنسجمان معًا فيشعر بعدم الارتياح ويحاول التخلص من هذا التوتر
أمام هذا التعارض يسلك الإنسان غالبًا أحد طريقين إما أن يراجع صورته الذهنية ويعترف بأن النقاب لا يكفي لمعرفة شخصية المرأة أو أن يهاجم المرأة نفسها لأنها هزت القالب الذي اعتاد عليه
ولهذا فإن كثيرًا من ردود الفعل العدائية لا تكون موجهة إلى الشخص بقدر ما تكون محاولة للدفاع عن صورة ذهنية مريحة كان العقل قد بناها مسبقًا فالإنسان بطبيعته يميل إلى حماية قوالبه المعرفية لأنها تمنحه شعورًا باليقين حتى لو كانت هذه القوالب ناقصة أو غير دقيقة
ولا أرى تعارضًا بين النقاب وبين ممارسة المرأة لحياتها أو تعليمها أو عملها إذا كان ارتداؤه نابعًا من قناعة شخصية حرة لكن يبقى من الضروري الاعتراف بأن حرية الاختيار ليست متاحة للجميع فهناك مجتمعات وأسر تفرض النقاب بوصفه واجبًا اجتماعيًا قبل أن يكون خيارًا فرديًا ولذلك لا يمكن التعامل مع كل منقبة على أنها اتخذت القرار في الظروف نفسها أو بالدافع نفسه
وربما تكون المشكلة الحقيقية ليست في النقاب ذاته بل في ميلنا الدائم إلى اختزال الإنسان في رمز واحد ونسيان أن البشر أكثر تعقيدًا واتساعًا من أي صورة ذهنية يصنعها العقل على عجل.
هل النصر هو النص التراجيدي الذي عجزت البشرية كلها عن كتابته؟
النص الذي لم يستطيع اسخيلوس ترجمته من افكاره الى نصوصه ..
او ربما يكون هو النص الذي غاب عن سوفوكليس .
او هو ما اراد يوربيديس كتابه وخشي على اذهان الناس وقلوبهم .
ام انه هو النص الذي حاول شكسبير مرارا محاكاته بعقله ولم يستطيع بلوغ وصفه ..
ام ان النصر بذاته هو اعظم كاتب تراجيديا عرفته البشريه ؟
النصر.. هو الأسطورة التي لم تُكتب بعد،
والتي كان كل شاعر، وكل كاتب،
يحاول أن يلمس ظلّها.
النصر هو النص الذي يكتب نفسه.
هو التراجيديا التي لا تُهزم.
هو العمل الذي لو رآه إسخيلوس،
وفهمه سوفوكليس،
وحلّله يوريبيديس،
وتأمله شكسبير…
لأدركوا أنهم كانوا مجرد مقدّمة له.
النصر…
ليس كلمة تُقال،
ولا قصة تُروى،
ولا مأساة تُحكى على مسرحٍ قديم.
النصر…
ليس عملاً أدبياً،
بل عملٌ قدري.
ليس مأساة تُشاهد،
بل مأساة تُعاش.
النصر…
هو البطل الذي لا يمو-ت،
والخصم الذي لا ينتصر،
والجمهور الذي لا يغادر.
النصر …
هو المسرحية التي لا تُسدل ستارتها،
والفصل الذي لا ينتهي،
والحكاية التي كلما حاولوا كتابتها…
كتبتهم هي.
النصر…
هو الكاتب الوحيد
الذي لا يحتاج إلى قلم،
ولا إلى ورق،
ولا إلى جمهور.
لأنه بكل ببساطة
يكتب نفسه بنفسه.