المدقال.. ملحمة البارود
قبل أن تتباهى الدول باستعراضاتها العسكرية وتنظّم جنودها في مسيرة عظيمة مع هدير الدبابات وتحليق الطائرات؛ كانت القبائل السعودية في جنوب الوطن تنظّم استعراضات مهيبة عبر فن "المدقال" الذي يجوز وصفه بما قاله الشاعر عبد الواحد الزهراني "رقصة الموت ماهي رقصة اهل الطرب والدندنة".
"المدقال" الذي بات له سياق مختلف في ظل الأمن والأمان؛ هو الرسالة الدموية التي يبعثها أبناء القبيلة إلى الأعداء ليخبروهم عن بأسهم الشديد، وعن جاهزية العتاد وكثرة المحاربون، فيما الزلفة والزير يصدحان ليعمقان معاني التضحية، ورائحة البارود تتطاير في المكان لترسخ رغبة الوجود.
ومن يقص شريط العرض المُفزع هم العراضة وبنادقهم، إذ يدخلون طوابير إلى ساحة الاستعراض، وكل طابور مُكوّن من خمسة أشخاص أو أكثر، ويضم الطابور الافتتاحي أعيان ووجهاء القبيلة وكبار السن، وأول شخص فيهم هو قائد الطابور.
وفي مشهد استعراضي دراماتيكي، يلتف الطابور حول الساحة متفقين في لحظة على صناعة غيمة سوداء من البارود، وبعدئذ يدخل طابور آخر وتستمر الطوابير تتوالى على الساحة.
وتصل استعراضية "المدقال" إلى ذروتها بفقرة "الزقاف" التي يرمي فيه شخصان بندقيتهما للأعلى فتعود إليهما مشحونتان برغبة العيش؛ وما أن يلتقطان البندقيتان الطائرتان حتى يضغطان الزناد..
وينتهي فن المدقال بدخول جميع المشاركين إلى ساحة الاستعراض، ويشكلون دائرة كي يسدلوا الستار على ملحمة البارود التي كتبها رجال التاريخ.
ويعد المدقال موروثاً عريقاً ينبئ عن عراقة الفنون الجنوبية، وقوة شكيمتها التي تتكشف بهذا الاستعراض، أما اليوم فأصبح أسلوباً أصيلاً تطبق القبائل قواعده الشامخة أثناء وفودها على القبائل حتى تبين عن كثرتها وتقديرها للمضيفين.
"ضو الأمريكاني".. التي أضرمها الشعراء
حين أبرمت السعودية عام 1933م اتفاقية تنقيب النفط مع الولايات المتحدة، وقفت على حقول الذهب الأسود شعائل الغاز التي تتطاير منها ألسنة النار، الأمر الذي صادف اضطرام نيران الشعر منذ وقت قديم مثلما قال الشاعر العباسي أبن سكرة في القرن الرابع الهجري "الشعر نار بلا دخان".
وبعد أن تفاعلت نيران الشعر ونيران النفط والتهبت جذوة القرائح.. أشعل الشعراء "ضو الأمريكاني" في قصائدهم عساها أن تجسّد حالاتهم الوجدانية؛ خلال تحول اقتصادي بدأ في شرق الوطن وألقى ظلاله على الأدب السعودي، ومن شواهده أبيات الشاعرة عمشاء الدغيلبية:
يا ونّتي يوم محمد بالخبر جاني
الحر بالكبد ودمع العين غاطيها
تشعل بقلبي كما ضوء المريكاني
دب الدهر والعة ما احدٍ يطفيها
وهذا ما حدث أيضاً في مدينة بقيق التي بدأ التنقيب فيها قبل 84 عاماً، عندما تطاير شَررها ولم ينطفئ نارها من أكباد شعراء الصحراء، ومن الأمثلة الشاعر سعد الهديرس الذي قال:
كبدي اللي تستعر مثل الزقارة
مثل نار ابقيق مايطفي سعرها
وكذلك في رأس تنورة المدينة التي تحوي أكبر مصافي للنفط في العالم؛ ويُضاء ليلها بنيران شعائل الغاز؛ كان لها وجود حارق عند الشعراء حيث قال الشاعر محمد الخازن:
والهوى ضدي وانا ناحله حالي
ونار في صدري كما نار تنورة
وبهذه الطريقة مثّلت نيران النفط تعابير صادقة ومتسعرة، ليُعد النفط والشعر حقلان وطنيان لا ينضبان.
الأغنيات.. أبها
سيدة الضباب التي تلف جبالها أنغام الطرب، وأيقونة البهاء التي تفيض سهولها بكلمات الغزل، هي أبها مدينة الجمال من تينع حقولها بالسحر وتمطر سمائها بالبهجة؛ ومن جذبت الفنانين حتى تغنوا بها تحت تأثير روعتها، صانعين سياحة موسيقية زاهرة، وموجهين الأنظار إلى موطن ينبت الورد حول ثقافته وتاريخه.
استجاب "صوت الأرض" لطبيعة مدينة حالمة على متن السحاب، عبر أنشودة غرام وترنيمة هيام كان عنوانها "شفت أبها".. باح بها عما في القلوب الواقعة في شباك جمالها، كحال شاعر القصيدة المصري أحمد رجب الذي وقع بها أيضاً، وبدوره موسق الفنان طلال مداح هذه الكلمات الرقيقة: "لا تلوموني في هواها.. قبل ما تشوفوا بهاها".
وقد تعاون الفنان محمد عبده مع الشاعر غازي القصيبي والموسيقار عمر كدرس، في محاولة موسيقية لوصف حسن "عروس الربى"، مترنماً فنان العرب في مصيف "يحلم النجم أن يمس يديها".
أما الفنان عبادي الجوهر فتسلق جبل السودة بصوته العذب حتى تربع على قمتها برفقة كلمات الأمير بدر بن عبد المحسن وألحان الموسيقار سراج عمر. وفي هذه المنطقة التي تستقر بين السماء والأرض أنشد قائلاً: "روحي هوى السودة ونفسي هوى السودة
وعيني في جبل تهلل.. بالحب موعودة".
وانضمت إلى هذه النخبة سيدة الغناء الخليجي الفنانة ابتسام لطفي، بعد أن قادها الشوق إلى أبها فنطقت بنبرة المتشوق وكلمات المتلهف أغنية "مشتاق لك يا أبها" حيث بذرت فيها الحسن والحنين وهي تترنم قائلة: "حنيت انا لغيمه وضباب .. واشتقت لعيون الحبيب.
زاد من روعة جمال أبها وصال.. وصل أحبا منه شوقي اشتعـل".. وهكذا كانت أبها بالنسبة للفنان خالد عبد الرحمن أثاثاً لاجتماع عاطفي في أغنية "انتظرت الشمس"، كما لم ترضَ ملاحة أبها أن تبقى خلفية أحداث، لتلغي ما قاله شكسبير "ماذا تكون المدينة سوى البشر" بعدما نسج المكان بتضاريسه ومناخه وبواعثه لقاء الأحبة.
وأخيراً.. أبها ليست فقط مقصد سياحة وخيار أول للزوار، بل الفكرة الإبداعية في القصيدة الغنائية، والنبرة الفريدة في الأغنية المحلية، وهكذا امتلأت جنباتها الخضراء بالموسيقى.
#صيّف_في_عسير
#عسير_تهول
تتدافع الجهات الأربعة من مواقعها وتندمج في جهة واحدة تحددها خطواتهن، وفي تلك اللحظات تقفز الجاذبية من مركز الأرض إلى تثنيات أبدانهن، محدثات اضطراب في مسلّمات الكون وهن يمارسن فن "الخماري".
سُمّي بـ "الخماري" لأنه يخامر العقول أثناء ممارسته، وكذلك للبس النساء "الخماري" أثناءه، وهو فن يلعبنه النساء باعتباره من الفنون السعودية الأصيلة التي يرافقها الغناء والطبل والطار.
جح ساجر
عادة الصيف عند السعوديين؛ لخفض درجات الحرارة
لتخفيف وطأة حرارة الجو وسخونة الشمس، غازل سكان ساجر أرضهم الزراعية ببذور الحبحب التي أودعوها في باطنها، فأخرجت مثلّجات تبدد القيظ وتبرّد الأجساد؛ إلى أن تموضعت هذه الفاكهة الباردة صيفاً على المائدة السعودية.
"جح ساجر" هو "استبراد" في خضم الصيف. لا سيما أن ساجر علامة جودة تضمن لذة الحبحب التي تستجلب الشتاء؛ عطفاً على أرضها الخصبة ومياهها الجوفية، ويأتي "السوق الموسمي" فيها بأنواع مختلفة من الحبحب، ويكون مقصداً للمشترين.
ولجح ساجر لون أحمر وسكر عذب وماء قراح، وهو ما ميّزه عند الناس.
كما أنه حظي بصيت عالمي، فأحبه أبن ثقافة الساموراي؛ السفير الياباني لدى المملكة فوميو إيواي الذي ذهب إلى ساجر لأجله.
وبينما يتنزه البعض في البلدان الباردة، كان "جح ساجر" مأوى ضحايا الصيف
الله لكم يا أهل اليدين المفاليس
أبطى علنا ذا السنة جح ساجر
وهو جهاز التبريد الذي تهديه لنا الأرض:
واليا حداه الصيف والحر لا أقصاه
كبده يبردها على جح ساجر
ولذلك يردد القابعون تحت حرارة الشمس:
"حنا يبرّد جونا جح ساجر"
ناصر بن سرحان.. فارس بالنظام
"خيّال الحجبا وأنا أخو حزوى" الذي عرفته ساحات الحروب وسار باسمه الركبان
سطّر فروسيته بميادين المعارك، إذ استل سيفه وأمسك ببندقيته مجندلاً الأعداء وداحراً الخصوم، ليفني ضربات حوافر خيله في خدمة البلاد وتوحيد مناطقها مع المؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله-
هو ناصر بن سرحان العجمي؛ أول فارس اعترفت به "التابعية" وآخر فارس.
فروسيته تشهد لها أراضي الوطن و"التابعية"..
إلا أن هناك قصة خلف تدوين هذه المهنة، حيث أخبر ناصر موظف التابعية أن مهنته "فارس"، ولكن لم يقبلها الموظف وحاول أن يسجّل مهنة أخرى، وأنهى هذا الصراع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وأمر بتسجيله فارساً.
الفارس ناصر بن سرحان من أبرز رجال الملك عبد العزيز، حتى أنه في معركة "جراب" واجه فارساً في صفوف الأعداء صدح بين الجنود قائلاً: "وين عبد العزيز يا هل الخيل؟" فخرج إليه ناصر وقال: "هنا له كافي وأنا أبو كرّوز"، وانتصر عليه وأخذ خيله.
فوثق التاريخ أدواره البطولية، وحفظ نبله وصفاته وأخلاقه الأصيلة.
مارد الشعر.. ناصر الفراعنة
في أحد أيام محافظة رنية غرب السعودية عام 1976م، انفلق صباح شاعري وانبلج ضوء الإبداع، حيث وُلد آنئذ الشاعر ناصر الفراعنة، فملئ الدنيا وشغل الناس بموهبته المتفردة التي جعلته يقول: "ولدتُ في مكانٍ غير المكان وفي زمانٍ غير الزمان".
ثابر الفراعنة في صغره على طرح "السؤال" حتى أدرك مراده، وأيضاً أنكب على القراءة إلى أن شيدت له المعنى والمبنى، وبمجرد ما شبّ انتبذ في مكتبته وقد حوت فيما بعد على 20 ألف كتاباً.
عمل الفراعنة سبع سنوات في الخدمة العسكرية، قبل أن يتقاعد ويعمل في مضمار الثقافة.. في حين أن قصائده منتشرة آنذاك عبر الأشرطة، التي جذبت من الراديوهات الجماهير والنقاد.
عذر مسعود ما برّر خيانة شاه مسعود
ولا حبُّ الجواري كان عذراً لابنِ عبّاد
عن التلمود عندي في السراجيف ألف تلمود
وعندي من المعارف ما يوقّف كل عدّاد
كما التقط الفراعنة جماليات الشعر الفصيح، وكان من روائعه "ملوك الجن" التي عززت شائعة ارتباطه بالجن، وهي فكرة عربية تجلت قبل الإسلام حيث راج تصور أسطوري عن علاقة بين الشعراء وتلك المخلوقات.
عَرَفَتْ ملوكُ الجنِّ ريحَ عِمامتي
ونَكَحْتُ منهم سبعةً وثمانيَةْ
ودفنتُ قرْطاً في صفيحةِ قرْمَدٍ
وشرِبْتُ من دمِ ذي الصواعِ بآنِيَةْ
وقد أبدع الفراعنة في فنون عديدة:
الحكمة:
لا بغيت امر ولا جابه الله لا تندّم
لا تلحق دمعتك حاجة ما الله كتبها
الغزل:
حجم ناحل خصرها في ردفها لا جيت احدّد
حجم نقطة نون داخل نون ما تقبل زيادة
التاريخ:
انهيار فصعود أو صعود فانهيار
حلقتين بينهن شمس الحضارة تستدير
وبهذه المسيرة الأدبية الباذخة كان الفراعنة من أبرز الشعراء السعوديين الذين أضافوا للأدب العربي، إذ تميز بأسلوب شعري متجدد مغذى بالثقافة والتاريخ والألفاظ الشعبية والفصيحة؛ حتى جعلته تجربته المتراكمة من قامات الشعر.
"ليتنا من حجنا سالمين": عمر بن أبي ربيعة وبصري الوضيحي
خلال أداء مناسبك الحج لم ينفك الشاعر عمر بن أبي ربيعة في القرن الأول الهجري، والشاعر بصري الوضيحي في القرن الثالث عشر هجري، من لعنة الغزل.
في بيت الله الحرام استصعب بعض الشعراء كبح سلوكياتهم والسيطرة على اهوائهم، تاركين حبل عقولهم على الغارب.. فصوروا بمَلكتهم الإبداعية ما يثبت نزعتهم إلى الغزل والحب وهم في حرمة المكان والزمان، منساقين إلى رغباتهم الإنسانية المتفشية.
في التراث العربي القديم الشاعر عمر بن أبي ربيعة واحداً من تلك النماذج، وهو الذي أوشكت أن تغيّب عقله حسناء أثناء رمي الجمرات، حتى خط أبياتاً يروي ما جرى له:
بدا ليَ منها معصمٌ يوم جمّرتْ
وكفٌ خضيبٌ زُيّنت ببَنانِ
فوالله ما أدري وإني لحاسبٌ
بسبعٍ رميْتُ الجمرَ أم بثمانِ
أما في التراث الشعبي فكان الشاعر بصري الوضيحي من طراز أبي ربيعة، حيث أكثر من الغزل وأشتهر به، ومن مواقفه في موسم الحج أنه أراد تقبيل الحجر الأسود غير أنه وجد نفسه يطبع قبلة على وجنة إحداهن، ووثب أبنه يعتذر إليها قائلاً: "تاه العود" فكتب الشاعر:
التايـه اللـي جـاب بصري يقنه
جدد جروح العود والعـود قاضي
جينا نحج ونطلب الله جنة
جنة نعيمٍ.. يوم يبس اللحاظي
يا ليت كانت حُبتـي فـي معنـه
يوم العيـون عـن الخوامل غواضي
الشعر والشاهي.. "سكّر زيادة"
بوجود الشاهي.. يتوافد الأحبة وتنساب العواطف وتهب أعاصير الهاجس وتُستنبط التشبيهات..
هو حضور يثير التجارب الإنسانية خصوصا أنه مشروب يسكب في إناء الروح ووعاء الفكر حتى تصبح في سخونته معاني محتدمة؛ ليؤثر على أمزجة الشعر ويحفز الشعراء.
وفي حين أن الشاهي يحظى بمعجبين كثر ومتذوقين أوفياء، كذلك له شعراء يسعون إلى توظيفه في أوصاف تناسب شأنه الرفيع.
خمر اليتامى والفقارى والمساكين
وأحيان خمر اللي يخافون ربي
وعندما انتشر الشاهي في الحواضر واستطاب السكان مذاقه وصار علامة على التمدن؛ طلبت شاعرة من أحداهن الانخراط في المدنية من خلال "الشاهي".
يا بنت حطّي فوق شاهيك نعناع
وخلّي البداوة والبلش والجهامِ
فيما وقف الشاعر نمر بن صنت في موقع معارض لمن نصحت نظيرتها باللحاق بركب المدنية، وشرع يتفاخر بمحبوبته التي تكتفي بحليب الإبل لتثبت بدويتها النائفة عن بواعث التحضر.
ليا أصبحت عقب الحويّر خذت كاس
ما تشرب الشاهي على فكة الريق
ومن المرجح أن الطقوس المحيطة بهذا المشروب قد تأتلف مع طعمه الشهي، لأجل ذلك كتب الشاعر بندر بن سرور مشهداً استثنائياً رسا في وجدانه:
يا عبيد يا وجدي على شاي قبل أمس
شاي مزج يا عبيد بالزعفرانِ
مْصلّحه مركوز الأنهاد بالخمس
راعي ثمانٍ كنّها القحويانِ
كما أن رمزية البساطة تتجلى به.. منبلجة منه روح عفوية تغشى الحضور واللحظة ثم ها هو يصنع مناخ مرهف، وهذا ما رمى إليه بيت الشاعر سعدي الفقار:
ردني لأيام عهد التسلطن والهيام
لو على براد شاهي ولعبة باصرة
وأيضاً اقترن بالعوز مثل ما صوّره الشاعر علي الحارثي، وهو بيت شعري يخبر عن براعة الشاهي في اشباع ملذات الثري والبسيط، هازماً نظام الطبقات الاجتماعية بعد أن نثر سحره وشارك كطرف فعال أين ما أُستحضر.
الشاهي البارد مع الفول أبو ريال
يلعن بوك يا الفقر ما فيك حيلة