أنهكت الحروب والنزاعات أوروبا، فقرر قادتها الخروج من دوامة العنف المستمر، ووقّعوا معاهدة وستفاليا.
هذه المعاهدة أسست لما نعرفه بالدولة الأمة ، ورسّخت مبادئ أساسية تحكم العلاقات بين الدول: احترام السيادة والحدود وعدم الاعتداء.
بمعنى آخر، أنهت تدريجياً الأطماع التوسعية والأحلام الإمبراطورية.
ترسّخ هذا المفهوم مع الوقت، رغم تعرضه لانتهاكات حتى من بعض الدول الموقعة عليه، مثل الاستعمار والحروب النابليونية.
أثبت هذا النظام مع مرور الزمن نجاحه. تراجعت معدلات الحروب، وأصبحت الدول تتنافس اقتصادياً لتعزيز مكانتها وقوتها.
تعرض هذا المفهوم لاختبار عسير في الحرب العالمية الثانية. النزعة الألمانية النازية التوسعية أعادت شبح الحروب إلى أوروبا، لكن هتلر هُزم في النهاية، ومن بعدها استقرت أوروبا وأصبحت قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة.
اليابان العسكرية أدخلت آسيا في سلسلة لا تنتهي من الحروب، وأدخلتها في دوامة مرهقة من العنف. وبعد هزيمة اليابان، استقرت آسيا، واليابان نفسها أصبحت قوة اقتصادية كبرى وداعماً أساسياً للاستقرار الدولي.
الصين تخلّت عملياً عن الأيديولوجية الشيوعية، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي تراجعت روسيا لتصبح دولة قومية صمّمها الرئيس بوتين على أسس قومية واضحة.
العالم كله اتجه نحو مسار متشابه، مع قصص نجاح وتعثر: الدولة القومية، أولوية الاقتصاد، وبناء قدرات عسكرية لحماية الدولة نفسها، لا من أجل التوسع.
الاستثناء من ذلك كله هو منطقة الشرق الأوسط، والسبب هو النظام الإيراني الذي أدخل المنطقة في دوامة من النزاعات والفوضى والحروب لما يقارب خمسين عاماً.
كان بإمكان النظام الإيراني أن يريح المنطقة من كل هذه الفوضى لو قرر التخلي عن أطماع الهيمنة والتوسع، وأن يصبح دولة تؤمن بمفهوم الدولة القومية. وكان بإمكانه، بكل ما يملكه من ثروات وعقول، أن يتحول إلى يابان أو ألمانيا جديدة.
وبدلاً من ارسال الصواريخ والمسيّرات ضد دول الخليج، كان بإمكانه منافستها أو التكامل معها اقتصادياً في منطقة تُعد من الأكثر حيوية في العالم.
مشكلة النظام الإيراني هي الأيديولوجيا، وليست أي شيء آخر. ليست الحرب أو المؤامرة التي يدّعي أنصاره أن الغرب والعالم كله يشنّانها عليه، وليست القواعد العسكرية في الخليج أو قائمة طويلة من الادعاءات التي يروجها أنصاره.
النظام الأيراني بحاجة إلى قيادة عقلانية تقرأ نتائج الحرب و تذهب في المسار الدولي الذي ذهب العالم كله و تنهي عقودا من الفوضى و الصراعات و تصبح الدولة الأمة مثل بقية دول العالم.