شاعر تهامة
لاحق بن قفران بن محمد آل جبر
يُعدّ الشاعر لاحق بن قفران بن محمد آل جبر أحد الأصوات الشعرية المميزة في الشعر النبطي بجنوب المملكة، وشاعراً فحلاً جمع بين جزالة اللفظ، وقوة المعنى، وعمق التجربة، حتى غدا شعره مرآةً صادقةً لحياة البادية وأخلاق الرجال وحكمة الأيام.
نشأ في ربوع تهامة جنب بن سعد، وعاش بين أوديتها وشعابها وجبالها وسهولها، فخالطت نفسه طبيعة المكان، واستمد من خشونة الحياة وقسوة الظروف صلابة العبارة وقوة الكلمة. ولم يكن شعره وليد التكلّف أو الصنعة، بل ثمرة تجربة طويلة ومعايشة مباشرة للناس والأحداث، لذلك جاء صادقاً مؤثراً، يحمل روح الأرض التي نشأ عليها.
تلقى تعليمه حتى المرحلة المتوسطة، غير أن ثقافته الحقيقية تشكلت في مدرسة الحياة الواسعة؛ حيث المجالس، ومجالسة الرجال، وتأمل أحوال الناس، واستقراء تقلبات الزمن. فكوّن لنفسه شخصية شعرية مستقلة، تقوم على الحكمة والتأمل والنظر العميق في طبائع البشر.
غلبت الحكمة على شعره، فكان ينثرها في أبياته بأسلوب بعيد عن الوعظ المباشر، قريب من الفطرة والواقع، ومن أجمل ما يُروى عنه قوله:
الله ياكثر الكلام اللي يمر الأذان
ثلثٍ مناسب وثلثين اطحنه واعجنه
ما فيه سجنٍ مناسب مثل سجن اللسان
اللي قدر في لسانه يسجنه يسجنه
فهذه الأبيات تكشف جانباً من فلسفته في الحياة؛ إذ يرى أن أكثر الكلام لا يستحق أن يُتداول، وأن ضبط اللسان وحسن التعامل مع الناس من أعظم مكارم الأخلاق وأقوى أسباب السلامة.
ويتميّز شعر لاحق آل جبر بخصائص فنية واضحة، من أبرزها:
جزالة الألفاظ وقوة السبك.
سلامة البناء الشعري ومتانة التراكيب.
كثافة المعاني والحكم المستنبطة من التجربة.
الابتكار في الصورة الشعرية.
القدرة على توظيف البيئة التهامية في التعبير الشعري.
البعد عن التقليد واستحضار رؤى جديدة وغير مألوفة.
فهو شاعر لا يكتفي بترديد المعاني المستهلكة، بل يسعى إلى بناء صور شعرية مبتكرة وأفكار متجددة تعكس رؤية خاصة للحياة والإنسان، ولذلك ظل شعره محتفظاً بطزاجته وقوته وتأثيره.
ولم تغادر تهامة وجدانه كما ذكر لي رغم امتلاكه منازل في سراة عبيدة وأحد رفيدة، فقد ظل شديد التعلق بموطن نشأته ومرابع صباه في الثافرة التهامية الواقعة على وادي بيشة التهامي، أحد الروافد المهمة لوادي بيش الكبير. وكان كثيراً ما يؤثر العزلة هناك، مستعيداً ذكريات البدايات، ومستمداً من المكان صفاء الرؤية وقوة الإلهام.
وقد تركت تلك البيئة أثرها الواضح في شخصيته وشعره؛ فكما جاءت أودية تهامة واسعة الامتداد، جاءت معانيه رحبةً عميقة، وكما اتسمت جبالها بالشموخ والقوة، اتسم شعره بالمتانة والجزالة، حتى أصبح من الشعراء الذين يُعرفون بخصوصية الأسلوب وقوة الحضور.
إن لاحق بن قفران آل جبر شاعر من أولئك الشعراء الذين لا يُعرفون بكثرة القول، بل بقيمة ما يقولون؛ شاعر صاغته الأرض، وهذبته التجربة، وصقلته الأيام، فخرج شعره نابعاً من قلب الحياة، حاملاً الحكمة في ثوبٍ شعريٍّ جزل، يجمع بين الأصالة والإبداع، ويستحق أن يُذكر في طليعة شعراء تهامة المعاصرين الذين حفظوا للشعر النبطي هيبته وجزالته وعمق رسالته.
كتبه
عبدالله بن علي آل موسى
من رق طبعه، وزان لسانه كثر أحبابه…
الأن عمري تجاوز الخمسين عاماً، ولم أنسى من جاملني او لاطفني بكلمة، منذ طفولتي وحتى الأن…
قد أكون نسيت ملامح الشخص، ولكني لم أنسى تعامله، وكلامه… حتى وأن كان الشخص قد أنتقل إلى رحمة الله منذ سنوات وراح في طي النسيان…
ولكن عندما يأتي طاريه، مباشرة تستعيد الذاكره فعله، وكلماته، دون ملامحه، وكأنه حدث للتو…!!
فـ الناس قد تنسى الوجيه، ولكنها لا تنسى المواقف، ولا وقع الكلمات…
فـ البعض يملك القلوب في لين طبعه، والبعض يملك الارواح بحسن منطقه… ومن يملك هذه الصفات، يرزقه الله محبة الناس دون جهد…