كتب رفيقه في درب الحديد
في رثاء أبي عبيدة اللداوي
لا ينالُ العُلا مَن طبْعُهُ الغضبُ ولا يحمل الحقدَ مَن تعلُو بهِ الرُّتَبُ
أن تخوض الجهاد المرير بقلب عصفور...
وتحفظ سلامة صدرك، وصفاء قلبك، وأنت تتنقّل بين المواقع والثغور...
هكذا عرفنا القائد القسامي الشهيد: عبد الله اللدَّاوي "أبو عبيدة"، قائد كتيبة عماد عقل.
التحق بالمجمو��ة القسّامية الأولى في غرب مخيم جباليا سنة 2001، بدايات انتفاضة الأقصى. فكانت النواة الأولى، التي نمت وصارت بعد سنواتٍ كتيبة كاملة. شارك في كل معاركها، من التصدّي للاجتياحات الصهيونية الأولى للمخيم، وصولًا إلى دورها المميز في الطوفان العظيم.
تدرّج في القيادة العسكرية مبكّرًا، فقاد سريّة مجاهدة منذ 2003، ونائبًا لقائد الكتيبة في 2016، ثم قائدًا للكتيبة في 2018.
كان لأبي عبيدة بصمته الإدارية المميزة، فاختاره إخوانه ليقود دائرة "المعاهد التخصصية والكلّيات العسكريّة" فترةً من الزمن، وساهم بفعالية في تأسيس دائرة "الإدارة والتنظيم" في كتائب القسام، وهيئة الرقابةالعسكرية، وخلالهما توثّقت علاقته بالقائد الكبير محمد السنوار، الذي أعجب بأدبه الرفيع وفكره المتقدّم.
وقبيل الطوفان، كُلِّف أمين سر للجنة التخطيط للعبور الكبير، على مستوى لواء الشمال، يدوّن المحاضر، ويخرج الخطط العسكرية بشكلها الاخير، بصحبة القادة الكبار: أبو أنس الغندور (قائد اللواء)، ووائل رجب (قائد دائرة العمليات)، وعز الدين البيك (قائد دائرة الاستخبارات – وقتها)، ورأفت سلمان (قائد كتيبة أسلحة الدعم القتالي).
وليلة العبور المجيد، حشد أبو عبيدة كتيبته، وأطلق سريّتي النخبة لتقتحما قاعدة زكيم العسكرية، لتسيطرا على القاعدة بنجاح، وتعودان محمّلتان بأسلحةٍ وغنائم، وبعض الشهداء... ثم أطلق سريّة أخرى لتطوير الهجوم عبر معبر إيرز... ظلّ خلف الشاشات في غرفة العم��يات، يتابع المعركة، إلى أن بدأ الاجتياح البرّي، الذي استهدف كتيبته، كأوّل الكتائب.
أخذ ينظّم القتال بصحبة نائبه، رفيق الدرب والشهادة: تاج الدين الوحيدي. إلى أن ��ستهدفهما القصف بحزام ناري عنيف، نهايات أكتوبر 2023، فحيّدته إصابته لبعض الوقت، وتركت ندوبها على وجهه... لم يغادر الشمال طوال المعارك، وتنقّل تحت القصف من بيت إلى آخر، وقُصف بيتُتواجده مرتين، ونجا.
وفي المعركة الأشرس، الاجتياح الثالث، الذي سمّوه بـ "خطة الجنرالات"، حوصر مع إخوانه، وانهار النفق تحت القصف، وشحّ الماء حتى أوشك الهلاك، إلى أن جاءت هدنة يناير 2025 لينجو مرة أخرى، ويخرجه رفاقه إلى المشفى... وخلال هذه الجولة تحديدًا، بدأ يؤلّف كتابه الأخير "أصحاب النفق"، الذي سيُنشر قريبًا.
كانت الكتابة مَلَكةً لدى القائد المثقّف. وكانت كتاباته الدعوية مصبوغةً أحيانًا بمصطلحات الميدان، ككتابه الدعويّ "رماية غريزي"، المنشور سنة 2023... وكانت حصيلة سنواتٍ طويلة من قراءة ومطالعة، وتربية روحانيةبمسحة صوفية... وخُلاصة داعية أفنى شبابه بين المكتبة، والثغور، ومحراب مسجد الحق.
بدأ الكثير من مشاريع الكتب... وحين بدأت الحرب، شعر بدنوّ الأجل، فسارع لإنجاز تعديلاته الأخيرة ونشر ما استطاع، منها:
- غراس حماس (نُشر في تركيا 2025).
- أصحاب النفق (جاري مراجعته للنشر).
- استعلاءٌ ثمنه التعب. (جاهز للنشر)
- وكتبًا أخرى كـ: "فلسطين التي أحلم بها. والمئذنة الخضراء: مذكراتي بين المسجد والكتيبة. والمسجد المُنتج: كيف تكتب خطة لمسجدك؟ " ولعلّأحدهم يجهّزها، وترى النور لاحقا.
كان طموحه الدعويّ لا يعرف الحدود، فأدار مبكّرًا ملتقيات دعوية على الانترنت، وأسس مؤسسة للتربية الدعوية. وكان يطمح إلى تأسيس أكاديمي�� عالميّة للتربية الدعوية عبر الانترنت، ومنتدى رجال الأعمال الدعويين، ومدرسة الياسين للتربية الإسلامية لأبناء الشهداء... ووضع لكل منها خططهاوبرامجها، لكنّ الأجل لم يُمهله، وظلّت ح��يسةً على حاسوبه، ولعلّ إخوانه يطلقونها من بعده.
في 19/10/2025 استهدف الطيران الصهيوني أبا عبيدة، فأصيب، وبعد تسعة أيام لبّت روحه نداء السماء، وتحرّرت أخيرًا من طين الأرض...وآن للجسد المُتعب بعد 44 عامًا، أن يستريح من عناء السهر، والدعوة، والجهاد... راحةً أبديّة، لا شقاء بعدها.
ثائر الشاكر
جميعهم مجرمون قتلة، ولن يكون آيزنكوت ولا غيره أقل إجراماً من نتنياهو، لكنه قطعاً سيكون أضعف منه، سيكون قائداً ضعيفاً حوله شركاء متشاكسون، ولن يملك قوة نتنياهو السياسية، ولا هيمنته على ال��لاقة مع الولايات المتحدة، ولا حضوره الملكي في الداخل الإسرائيلي.
خسارة نتنياهو تعني محاكمة انتخابية لفشله في الحرب على غزة ولبنان وإيران واليمن.
أحمق من يظن أن ملك إسرائيل سيستسلم بسهولة، ويذهب لمكتبه يجمع أغراضه ويعود لبيته.
خسارة نتنياهو قد تعني حرباً إنتقامية ضد عرب الداخل كونها الكتلة التصويتية التي تسببت بخسارته عبر مشاركة سياسية انتقامية، وقد تعني كذلك حرباً على إيران بعد الانتخابات الأمريكية مباشرة، بغية خلط الأوراق، ومحاولة خلق مساحة مناورة سياسية تعيده للمشهد.
أيام ساخنة تنتظرنا ..
هل ستحدث حرب أهلية اسرائيلية إذا خسر نتنياهو ؟
تراجع قوة مؤسسات دولة الكيان وتحولها التدريجي من نظام مؤسسي إلى بنية شبيهة بالمليشيات لا يعني بالضرورة وقوع حرب أهلية دموية واسعة النطاق ليلة سقوط نتنياهو، بل يشير إلى ملامح ما يمكن اصطلاحه بـ "الحرب الأهلية الباردة".
تجلى هذا التحول بوضوح في محطات فارقة، أبرزها اقتحام أنصار التيار المتطرف بقيادة بن غفير وسموتريش لمقر المحكمة العسكرية في "سديه تيمان" لمنع محاكمة جنود متهمين بالاعتداء الجنسى على أسرى فلسطينيين، وهو ما يعكس تحولاً بنيوياً في طبيعة النظام السياسي. وإذا ما سقط نتنياهو مستقبلاً، فإنه من الممكن وقوع اشتباكات ومواجهات محدودة وليست حرباً أهلية بالمعنى المشهور، غير أن هذه التطورات تظل بمثابة مقدمات تراجع حقيقي للنظام السياسي في حال استمرت المؤشرات الراهنة.
في ظل هذه المعطيات، يرى طيف واسع من الباحثين السياسين أن المخرج الوحيد لإنقاذ مؤسسات الدولة يكمن في ظهور شخصية قيادية قوية (زعيم)، قادرة على الهيمنة على النظام السياسي على غرار ديفيد بن غوريون.
وتكتسب هذه الظاهرة أهميتها الاستثنائية من حقيقة أنه كيان تميز تاريخياً بالاستقرار الديمقراطي والرفاه الأمني، وامتلاك جيش قوي ودعم خارجي غير محدود، فضلاً عن كونه مركزاً اقتصادياً إقليمياً، ليفقده طوفان الأقصى خلال الأعوام الأخيرة جانباً أساسياً من هذه المقومات، ويضعه على حافة التهديد الوجودي.
ليلة سقوط الملك
ستشهد هذه الليلة على الارجح سقوط ملك إسرائيل الذي حكمها 19 عاماً، كأطول فترة حكم لرئيس وزراء في تاريخ الكيان، وستكون شكل خسارته واحدة من هذين السيناريوهين:
1. نجاح المعارضة في تشكيل حكومة سواء بالأغلبية أو الأقلية.
2. حكومة تسيير أعمال لا ينجح فيها أي من المعسكرين في تشكيل حكومة.
سقوط نتنياهو لا يعني تغيير حكومي في الكيان، وإنما تغيير جوهري في شكل التعاطي مع القضايا الداخلية والإقليمية للمستعمرة التي ترى في هذه الحرب قيامة جديدة لها، أو نهايتها.
م�� هي خطة نتنياهو ؟
هدف نتنياهو هو النجاة، لا الفوز، النجاة عبر خسارة خصومه، عبر منعهم من تشكيل حكومة، تمنحه فرصة قيادة حكومة تسيير أعمال لعدة أشهر، على أمل تحسين وضعيته الانتخابية عند الإعادة