تجربتي في التعليم الجامعي
درّست في جامعة @KFUPM اكثر من ٣٠ عاما، ومن الجميل والمرهق أن تدرّس خيرة ونخبة طلاب المملكة، وبما أن مادتي هي من المواد العامة (حقوق الإنسان) وليست مادة تخصصية، وتدرّس بالعربية، زاد من صعوبة جذب الطالب لها، وهنا سأحكي بعض التجارب لعل فيها نفع لزملائي في الجامعات:
١- المواد الإنسانية لا تحتاج إلى مزيد شرح؛ بل لمزيد وعي بموضوعاتها، لذلك كنت أوزع بعض الموضوعات ليشرحها الطالب في ١٠ دقائق وأمنحه المزيد لو رغب، وجدت من منافعها: إكساب الطالب ثقة بذاته، وقدرة على تبني موضوع حقوقي حياتي قد قرأه وكتبه ثم شرحه فيبقى راسخا في وعيه، والأهم عندي بعد الشرح أن يجيبني على سؤال متكرر: ما رأيك في هذا الموضوع حسب ما جاء في الكتاب وما توصلت إليه من قراءة وفهم؟ وذلك لتنمية مهارة التفكير النقدي لديه.
٢- الطالب اليوم يعتمد على برامج الذكاء الاصطناعي بشكل كبير جدا، لذلك لا اطلب منهم عملًا منزليًا كبحث أو واجب، بل أطلب منهم برامج علمية حوارية؛ ككتابة تقرير حول بحث علمي محكم منشور في مجلة علمية له علاقة بتخصص الطالب الهندسي، وله أيضا علاقة بأحد موضوعات حقوق الإنسان، ولأن غالب طلابي من الهندسة، فكنت ألزمهم بمعرفة المجلات العلمية لأنها أوثق مصدر معرفي للتخصص، وأجعله يبني جسرا بين تخصصه وما ندرسه في مقرر حقوق الإنسان، ولأني أجزم أنهم سيسألون AI ألزمت كل طالب بأن يعرض تقريره على كل الطلاب للمناقشة بعد قراءة البحث كاملا، وهذا منحنا أن نطّلع على ٢٠-٣٠ (عدد طلاب الفصل)بحثا محكما له علاقة بالمقرر الإنساني.
٣- أهم ثمرة للتعليم أن يحاول الطالب أن يعمل ويطبق ما تعلمه، لذلك كنت اطلب من كل ٣ طلاب القيام باختيار ١٠ برامج عملية يطبقونها في الواقع ثم يخبروننا بالفصل ما تم عمله مع إثبات ذلك بتقرير وصور، وكان هذا البرنامج في آخر أسبوعين من الفصل، وكثيرا ما كنت أُسأل من الطلاب: ماذا نعمل؟ وكيف؟ وجوابي لهم: فكروا أنتم.
وهذه المهارة مهمة ليتعلم الطالب كيف يعمل ضمن فريق، ثم يطبق ما تعلمه في واقعه، وهذه المهارة من أهم صفات القادة في المجتمع، لذلك كنت أقول لهم فكروا كيف تطبقون ذلك في الواقع، حتى تصبحون من ضمن ٢٪ من الشخصيات القيادية الذين يحولون الأفكار إلى مشاريع، وكان من أمتع البرامج في المقرر.
٤- هناك اختبارات مشتركة للمقرر تعتمد على حفظ الطالب، ولكن الاختبارات القصيرة التي يجريها الاستاذ مع طلابه، كنت أجعلها قياسًا لفهمه وليس لحفظه، مثل أن أسرد عليه قصة يستنبط الطالب منها الانتهاكات الحقوقية حسب ما درس في الكتاب، وهذه مهارة مهمة للطالب.
٥- أختم بأهمّ ما يجب على الاستاذ عمله في الفصل، وهو إثارة الطالب للسؤال والنقاش، فقد وجدت أن تلك النقاشات العلمية هي ما يرسخ في ذهن الطالب وليس المقرر، وكم قابلت عددًا من الطلاب المتخرجين يذكّرونني بمناقشات مهمة كانت بالفصل ألهمتهم وعيًا في حياتهم العملية والأسرية.
يبدو أني أطلت عليكم، ولكن حسبي أن طلاب جامعة الملك فهد يستحقون الجهد التعليمي لتميزهم، ولأننا في الجامعة نتطلع أن يصبح كل طلابنا وطالباتنا قيادات وطنية تحقق مستهدفات رؤيتنا الواعدة ٢٠٣٠.
هذه تجربة بسيطة وأجزم أن لدى زملائي الأساتذة تجارب أعمق وأفضل مما ذكرت، والله الموفق والمعين.
أعظم حكم قضائي مرّ عليّ هذه الأيام ..
- المحكمة الإدارية العليا (أعلى جهة قضائية في السعودية) تقرر أن سنوات خدمة (المعيد) تُحتسب ضمن مكافأة نهاية الخدمة بعد تحقق شرط الاستحقاق النظامي والذي هو عشرين سنة خدمة في وظيفة محاضر وما فوقها (أستاذ مساعد، أستاذ مشارك، أستاذ).
- عدم ذكر وظيفة (معيد) في التنظيم لا يعني استبعاد سنواتها من الاحتساب
- المحكمة نقضت أحكام الابتدائية والاستئناف بسبب الخطأ في تفسير النظام
- الحكم يرسخ مبدأ قضائي مهم جداً في الحقوق الوظيفية لأعضاء هيئة التدريس والمحاضرين والمعيدين.
- هذا الحكم لا يحفظ حق شخص واحد فقط، بل يصحح فهماً نظامياً كاملاً داخل الجامعات.
لمنسوبي التعليم الجامعي وأعضاء هيئة التدريس..
تعرّفوا على أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعلّم والتعليم، واستكشفوا فرص توظيفه في تطوير الممارسات التعليمية، ودعم الابتكار الأكاديمي، والاستفادة من الحلول المتقدمة في البيئة الجامعية.
سجّلوا الآن في ورشة العمل المقدمة من @HUMAIN و @OpenAI
https://t.co/ajZCv7lPvb
@saad_alkhathlan شيخنا الكريم
عظم الله أجركم في وفاة والدتكم..
أسأل الله الكريم الرحمن أن يتغدمها بواسع رحمته وأن يسكنها الفردوس الأعلى من جنته.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثمة أوقات يكون على جدول مهامك كتابة مقالة أو رسالة علمية .. وتتوفر لك الموارد والمادة العلمية ولكن يبقى المزاج والمناخ عائقا!
يقول القصيبي:
تبغي الكتابة في ميعادها عجلا
إن الكتابة أنثى ذات تبريح
لها مزاج غريب في تقلبها
فهل رأيت مزاج النار والريح
يسرني الإعلان عن إطلاق سجل الذكاء الاصطناعي (تجريبي):
https://t.co/uCjLKRAx33
بدأت الفكرة بنقاش مع @nahedh وتحورت عدة مرات إلى أن نفذناها بشكلها الحالي. وأساسها الحاجة إلى موقع عربي يجمع ويصنف أدوات الذكاء الاصطناعي لمعرفة المتاح ويسهل الوصول إليها.
الأفكار كثيرة، ولكن لتسريع الإطلاق ومعرفة مدى الفائدة فضلنا إطلاقه بالمزايا الحالية، وسيتم إضافة المزيد من الأدوات والمزايا إلى الموقع مع الوقت إن شاء الله.
أتمنى أن يكون السجل مفيداً، وآمل مشاركة تجربتكم والمقترحات للتحسين هنا أو عبر البريد:
[email protected]
إذا أعجبك السجل آمل نشره لتعم الفائدة.
أعزاءنا الطلبة المتوقع تخرجهم:
بمشاركتكم في اختبارات #برنامج_جاهزية ، تسهمون في قياس وتحسين جودة مخرجات التعليم الجامعي، ورفع الجاهزية لسوق العمل، وتعزيز فرص التوظيف، وسيمنح المتميزون منكم في أداء هذه الاختبارات "وسام جاهزية للتميز" من الهيئة، بالإضافة لمزايا تدريبية تقدمها عدة جهات حكومية ذات صلة بالتخصصات الأكاديمية المستهدفة لهذا العام.
يسُر #جامعة_الملك_عبدالعزيز ممثلةً بعمادة شؤون الطلاب أن تعلن عن استمرار قبول المشاركات في #الملتقى_العلمي_السادس_عشر لطلاب وطالبات الجامعة.
🗓️ إغلاق استقبال المشاركات
الأحد 1446/08/17هـ الموافق 2025/02/16م
🔗 بادر بالتسجيل:
https://t.co/IEMjkYwZym
تقنيات متطورة تواكب التطلعات الطموحة..
نُعلن عن نتائج المنح البحثية في أولوية اقتصاديات المستقبل بهدف تمكين الباحثين والمبتكرين من تسخير إمكانات التقنية الحديثة لإنتاج حلول مبتكرة تتخطى التحديات المتعددة وتحقق النمو الاقتصادي المستدام..
للاستعلام على النتائج:
https://t.co/nEFouvvIhY
@RDIA حبذا لو أعطيتم ملاحظات على الأبحاث التي رفضت.. وأسباب الرفض.. ومعايير التقييم.
وحبذا لو نشرتم إحصائيات عن عدد الأبحاث المقدمة ونسبة المقبولة منها..
جون جمبر تخرج من الدكتوراة سنة ٢٠١٧. السنة اللي راحت نشر ٧ ابحاث وهذي السنة ٦ ابحاث مع اتش اندكس ٢٧. بالامس حصل ع جائزة نوبل!عندنا يكون البحث العلمي له قيمة واضافة علمية!
من أراد المساعدة من الطلاب في اختيار الجامعات أو المشاريع البحثية، ممكن يتواصل معي على الخاص وأدله على بعض المشرفين الأكاديمين المتميزين الذين أعرفهم هناك.
فرصة ممتازة لطلبة البكالوريوس المتميزين الذين هم على وشك التخرج:
تم إتاحة هذه السنة للطلبة بالجامعات السعودية بالتقديم على برنامج MITCAS .
https://t.co/2XJYjd7ZTT
* البرنامج يوفر منحة بحثية مدفوعة وتدريب صيفي لمدة ١٢ أسبوع بأحد الجامعات الكندية تحت إشراف أحد الباحثين.
في عام 1413هـ 1993م عُيِّنْتُ مُعلِّمًا للغة العربية في إحدى المدارس المتوسطة بمدينة الرياض، وكنتُ حينها في 22 مِن عُمري..
كنتُ مُتَحمِّسًا شغوفًا بالمهنة الجديدة، وأجتهد كثيرًا في تحضير الدروس وإعداد المادة العلمية، كما كنتُ مُستجيبًا ومُطيعًا لإدارة المدرسة إلى حَدٍّ كبير.. وغالبًا ما تفرح إدارات المدارس بالمعلمين الجُدُد، فهم كما يُقال بالعامّية:(على وجوههم)، فلا يَعصون أمْرًا ولا يَتَلَكّؤون، ولا يعرفون من الكلمات إلا:(أبشر.. سَمّ)..
كُلِّفتُ بالإشرافِ على الإذاعة المدرسية دون استشارتي، فجاءني توجيهٌ مِن المدير بذلك، وهي مُهِمّة مُتعِبة ومسؤولية كبيرة؛ لأنّها واجهة المدرسةِ صباحَ كلّ يوم، وهي مَحلُّ سؤال المشرفين التربويين الذين يزورون المدرسة ويُفتِّشون عن مواطن خللها وضعفها.. كما أنّي مسؤول عن كُلّ ما يُلْقَى في هذه الإذاعة، مما يتطلّبُ مني استعراض كلمات الطلاب وفَقَرَاتهم كلّ يوم قبل أنْ يُلْقُوها أمام الإدارة والمعلمين والطلاب.. وزّعْتُ جدولًا بأدوار الفصول، وكنتُ أراجع مع الطلاب تلاواتهم وكلماتِهم في اليوم السابق، وأصحّح أخطاءهم، حتى يكونوا جاهزين صباح الغد..
كنتُ أضطرّ أنْ آتي مُبَكِّرًا للمدرسة، لمتابعة الطلاب الذين سيُلْقون الكلمات ومدى جاهزيّتهم، وكنتُ أقف بجوارهم عند إلقائهم أمام الجميع تشجيعًا لهم .. فبعضهم قد ينتابه الخوف والرعشة والارتباك عندما يصعد على منصة الإلقاء.. وبعضهم قد يخطئ فأساعده..
رغم صعوبة المهمة إلا أني كنتُ مُستمتِعًا بما أقوم به بصحبة أبنائي الطلاب..
لا ريب أنّ هناك صعوبات ومفاجآت مُربِكة أحيانًا، ومن ذلك غياب الطالب الذي سيُلْقِي الكلمة أو غياب المُقدِّم، وكنتُ أحتاط بالبديل لمثل هذه المواقف الطارئة ..
في هذه السنة كُلِّفْتُ عضوًا في لجنة اختبارات المدرسة، وهو ما يُسمّى عادة بـ(الكنترول)، وهي لجنة مُهِمّة ومسؤولية كبيرة، فهي المَعْنية بأسئلة الاختبارات وتوزيعها على اللجان، واستلام إجابات الطلاب، ورَصْد الدرجات، وتسليمها للمُصحّحين إلخ .. فتخيّل أنّ هذه اللجنة تستلم يوميًا ما لا يقل عن 1000 ورقة إجابة، وربما تزيد أو تنقص حسب أعداد الطلاب في كلّ مدرسة..
اجتهدتُ كثيرًا في هذه اللجنة، وكنتُ مع الزملاء نأخذ الأسئلة مُظَرّفَةً يوميًّا مِن صندوق حِفظ الأمانات (التّجُوري)، ونوزّعها على كلّ لجنة حسب أعداد طلابها، وغالبًا ما تكون هذه اللجان مُقَسّمَةً بين الأعضاء، فكلُّ زميل له لجان محدّدة وهو مسؤولٌ عنها، ويَتحمّل أيّ نقص في الأسئلة أو أوراق إجابات الطلاب .. والويل لكَ لو نقصَت ورقة!!
مضتْ الأيام الأولى مِن الاختبارات على ما يرام، ولم يواجهني ما يعكّر صفو سلاسة الاستلام والتسليم .. وفي أحد الأيام أخذتُ ظَرْفَ الأسئلة بانتظار ضَرْبِ الجَرَسِ كي أُوزّع الأسئلة على اللجان المناطة بي.. كانت لجاني في الدور الثاني.. وما إنْ دَقّ الجرسُ حتى هَرعتُ للدّرَج وسِرْتُ سيرًا حثيثًا..
بدأتُ باللجنة الأولى إلى الرابعة فيما أذكُر، وعندما وصلتُ للخامسة ودخلْتُ الفصل لم أجد المعلم المراقب، وسألتُ الطلاب أين الأستاذ فلان.. فقالوا: لمْ يأتِ بعد!
انتظرتُ قليلًا ثم انتابني الارتباك! فقد بَقِي لجنتان لأُسلِّمهما الأسئلة، ومعلم هذه اللجنة لم يظهر بعد.. والوقتُ محسوبٌ على الطلاب .. وخشيةً مِن التأخّر على اللجنتيْن الأخرييْن، قلتُ للطلاب: سأذهبُ لهما لتسليم الأسئلة وأعود..
ذهبتُ وعدتُ مرّةً أخرى والمُعلّم لم يأتِ، فوقفْتُ عند الباب خارج الفصل.. وما هي إلا لحظات حتى أطلَّ المعلّمُ مِن الدّرَج المقابل وأخذ يبحث عن مقرّ لجنته، فناديتُه: أستاذ فلان! هذه لجنتُك.. فلما أقبل عليّ - وآثارُ النوم بادِيةٌ عليه، والحنَقُ منّي قد بلَغَ مَبْلَغَه - سَلّمْتُه الظّرْف وقلتُ له:"الله يهديك بَكِّرْ شوي، راح وقتُ الطلاب!!" فانْفَجَر في وجهي بصوتٍ عالٍ يُهَاجِمُنِي .... !! فصُدِمْتُ وارتبكَتُ، فما كان منّي إلا أنِ انْسَحَبْتُ وتركْتُه، وهو يصيحُ ويرفع صوتَه حتى تقاذَفَتْ أصْداؤه بَهْوَ المدرسة..
ذهبْتُ مُسْرعًا إلى مقر اللجنة، فقابلني رئيسُها وسألني: ما الذي حدث؟! فقلتُ له الأمر.. فذهبَ عَجِلًا إليه.. وهدّأه وامْتصَّ غضبه، فدخل الفصل، ومضى ذلك اليوم على خير..
انتابني شُعورٌ مؤلمٌ حزينٌ بسبب هذا الموقف، فالمعلم يَكْبُرنِي بثلاثين سنة، وخدمتُه في التعليم وهذه المدرسة تحديدًا سنوات طويلة؛ لذا لمْ أرغب أنْ أدخلَ في جدالٍ معه احترامًا له ولِسِنّه، وحرصًا أنْ نُرْبَكَ طلاب فَصْلِه أكثر مما هم فيه ..
مضَتْ أيام الاختبارات على خير، وانتهت مُهمّتي في اللجنة، لكنّ المعلمَ لا يزال يحملُ في نفسِه عليَّ شيئًا غيرَ ودود، فكان يَرْمُقنِي بعينيه المُغضَبتيْن..
بدأتْ إجازةُ الصيف، فتفرّق المعلمون والطلاب، وكان هذا الموقفُ ملازِمًا لي طوال أوقاتي حتى تصرّمت أيام الإجازة، وكنتُ حينها أُحَادِثُ نفسي وأُعاتِبُها.. كيف حصل هذا الموقف؟! وكنتُ أخاطِبُها قائلًا: لقد أخطأتَ يا عبد العزيز في حَقِّ ذلك المعُلّم الذي يُقَارِبُ سِنُّه سِنَّ أبيك، وعاهدْتُ نفسِي أنْ أعتذر إليه..
قبل عودة المعلمين بثلاثة أيام اتصلتُ بوكيل المدرسة وكان رجلًا فاضلًا وطلبْتُ منه وصْفَ منزلِ ذلك المعلّم، فقال: لماذا؟! فقلتُ: لأعتذرَ إليه مما حصَل.. فقال: خُذْ رقمَ الهاتف واتصل به، وهذا يَكْفي.. فقلتُ: لا، أريد أنْ أُقَابِلَه .. فقال: خيرًا، كما تريد، وأعطاني الوصف وشَكَرَني..
في عصر اليوم التالي ذهبْتُ إليه في بيته، وطرقْتُ البابَ، ففتح لي، وعندما رآني، بادَرْتُه وقبّلْتُ رأسَه واعتذرْتُ منه عن خَطَئي وزلّتي وطلبْتُ منه السماح.. حينها رأيتُ ابتسامَتَه.. ففرِحْتُ وسعدْتُ أيّما سعادة .. فجذَبَ يدي ليُدْخِلَني إلى المجلس، فاعتذرْتُ منه .. فألَحّ مرّةً أخرى، فاعتذرْتُ وقلتُ: ما أتيتُ إليك إلا لأعتذر منك، ولمْ أُرِدْ أنْ يَبدأ العام الدراسي الجديد وفي نفسِك شيء عليّ، ووالله إنّ ما حصَلَ فَلْتَةُ لسانٍ منّي بسبب ما رأيتُه مِن ذهابِ وقْتِ الطلاب، وكان مِن باب الحرص، لكنّي لمْ أُوفَّقْ في الأسلوب.. فقال: أبدًا، الأمر يسير، وجزاك الله خيرًا، ودَافِعُك مصلحة العمل، لكن هي لحظة غضب مني أيضًا..
انتهتِ القصة بسلام، ونجَحْتُ بحمد الله في نَزْعِ فتيل الشحناء والبغضاء، وصارَ هذا المعلّمُ أخًا يُبادِلُني مَحبّةً وأُلْفَة..
من هذه القصة فوائد:
1. على الموظّف الجديد أنْ يعرف حقوقه، وحدود صلاحياته ومسؤولياته، وما له وما عليه؛ ومِن ذلك ليس مِن حَقِّه أنْ يُخاطِبَ زميلَه ونظيرَه في العمل خطابَ المُعَاتِب والمُنبِّه عندما يُخطئ، وبخاصّة مع مَن هُم أَقْدَمُ مِنه في الخدمة، فهذا مِن صلاحيّة المسؤول فقط.
2. استفدتُ من هذه الحادثة كثيرًا في حياتي العملية بعد ذلك، وعرفْتُ جيّدًا كيف أتعامل مع الزميل والمسؤول فيما له علاقة بالعمل.
3. الموظف اللبيب هو الذي يستفيد مِن أخطائه ولا يُكابِر، بل يجب عليه الرجوع عن الخطأ، وهذا بحمد الله أثّر علي كثيرًا في عملي الإشرافي والإداري والقيادي فيما بعد.
4. أحزنني كثيرًا أنّ إدارة المدرسة لم تتحدّثْ معي في الموضوع حينها، ولم تُبيّنْ لي جوانبَ الخطأ، ولم تحاول معالجة المشكلة، وكأن شيئًا لم يكن.. بل أنا الذي اكتشفْتُ خطئي بنفسي واجتهدتُ في إصلاحه، وكانت معالجة الإدارة أنِ اتّخذَتْ قرارًا بعدم إشراكي في لجان الاختبارات مرّة أخرى.. وهذا يُظْهِر أنّ الموظّفَ قد لا يُوفَّقُ بإدارة حكيمة تُعالِجُ الأخطاء وتستغلّها للتصويب والتصحيح والتطوير.. وفي وجود مثل هذه الإدارة يجب على الموظف أنْ يجتهدَ في معرفةِ أخطائه وتَفَحُّصِها، والبحث عن أصحاب الخبرة في معالجتها..
5. هذه الحادثة جَعَلَتْني أنظرُ في المِرآة، وأراقِبُ نفسي وأبحث عن أخطائها وبخاصة في طريقة تدريسي وتعاملي مع الطلاب.. واجتهدتُ في ذلك رغم أنّ الكَمَالَ عزيز..
طرَأَتْ فِكْرةٌ في ذهني أنْ أُحْضِرَ "كاميرا" فيديو وأسجِّلُ شَرْحًا لي في الفصل.. لكن كيف أضعها في الفصل!! فأنا لا أريد أنْ يعلمَ الطلاب بها .. أريد أن تسير الحصة سيرًا طبيعيًّا.. جاءتني فكرة، وهي أنْ يكونَ الشرحُ في مختبر المدرسة والاستفادة مِن جهاز العرض الموجود فيه لشرح الموضوعات.. وبالفعل أخبرتُ مُحَضِّر المختبر بالأمر واتفقْتُ معه على تجهيز المقر، وكان أستاذًا مصريًّا فاضلًا آنذاك.. فرتّبْتُ الأمر معه وأصبح المكان جاهزًا .. أذكُرُ أنّه قال لي: يا أستاذ عبد العزيز .. أنا درّسْتُ في مصر والسعودية سنوات طويلة.. لأوّل مرّة أرى مُعلِّمًا يفعل ما تفعل ليكتشف أخطاءه ويُطوِّرَ من نفسه..
لا أنسى ابتسامة ذلك الأستاذ الفاضل ودعواته لي بالتوفيق.. شَكَرْتُه على طيب مشاعره وتشجيعه لي..
نجحت الفكرة ولله الحمد ويبدو لي أنّ الطلابَ لم يشعروا بـ(الكاميرا) لأني وضعْتُها في مكان خفيّ..
أصدقكم القول: إنّي استفدتُ من هذه التسجيلات المرئية كثيرًا، فاكتشفتُ أخطاء كثيرة: مكان الوقوف أمام الطلاب، نبرة الصوت، طريقة الشرح والعرض، الكتابة على السبورة،.... إلخ، وبالمناسبة لا تزال بعض هذه المقاطع عندي حتى الآن رغم مرور أكثر من 30 عامًا.
لم أكتفِ بذلك.. ففي تلك السنة وضعتُ عدّة أسئلة في ورقة، أطلُبُ فيها مِن الطلاب إبداء رأيهم في شَرْحي، وأُسلوبي، وطريقة تعاملي معهم، وهل هم راضون عنّي أم لا.. فوزّعْتُ الأسئلة على كلّ الفصول التي كنتُ أُدرِّسُها، وقلتُ لهم: لا أريد مَدْحًا ولا ثناء، وهذه الأسئلة ليس عليها درجات.. خُذُوا راحتكم.. اكتبوا ما تريدون.. وطلبتُ منهم ألّا يكتبوا أسماءَهم على الورقة حتى يكتبوا وهم مطمئنّون جدًا..
قرأتُ كلَّ ورقة، وأخذتُ كلّ ملحوظة مأخذَ الجِدّ وبذلْتُ جَهدي في معالجة ما ذكروه مِن أخطاء ..
لقد ألْفيتُ في هذه الأوراق حُروفًا صادقة، سطّرها الطلاب بأقلامهم ومشاعرهم رغم صغر سِنّهم، فهم متنوّعون بين الصف الأول المتوسط والثاني والثالث..
جزى الله طلابي عني خير الجزاء، وأسأل الله تعالى أنْ يتجاوز عن تقصيري وأخطائي بحَقِّهم ..
ختامًا أيّها الموظف الجديد!!
يقول العامّة:(ما حَكّ ظْهيرك مثل ظْفيرك)!!
استعن بالله وابحث، واجتهد، واكتشف أخطاءك، وطوّر نفسك، ولا تطلب ذلك من الآخرين ...
وعذرًا عن الإطالة ☺️☺️