وإيران أثبتت عبر سنوات أنها تتعامل مع المفاوضات كلاعِبٍ محترف على طاولة طويلة النفس؛ لذلك فإن إعلان الربح لا يعني بالضرورة تحقيقه، فامتحان أي اتفاق يبدأ بعد التوقيع لا قبله.
أكرر ما أقول: يبدو أن ترامب يطلق تصريحات متناقضة ومبالغاً فيها بشأن إيران، لكن جوهر السياسة لا يُقاس بالكلمات بل بما يُكتب في البنود. ففي لعبة التفاوض، قد يعلن طرفٌ النصر أمام الإعلام، بينما تكشف التواقيع لاحقاً حجم التنازلات الحقيقية.
بعد الهجوم المتبادل بين إيران وإسRائيل سيخرج ترامب ويعلن انتهاء الرد المحدود، ويؤكد أن وقف إطلاق النار لم يُخرق. ففي السياسة تُؤجَّل الصراعات عندما تصبح كلفة التصعيد أعلى من مكاسبه، وقد يُفرض الإيقاف لأن استقرار المشهد العالمي بات ضرورة مع اقتراب كأس العالم.
بعد قصف الضاحية من الكيان الأزرق ورد إيراني مباشر ورد حوثي، أعتقد أن الهدف في الضاحية كان ثمينًا للأسف. ففي فلسفة السياسة، لا تُقاس قيمة الهدف بحجم الدمار، بل بحجم الارتدادات التي يتركها خلفه. وسرعة الردود المتزامنة تترك رؤوس خيوط توحي بأن ما استُهدف تجاوز البعد الميداني إلى وزنٍ
قراءتي للمشهد أن تقييد صلاحيات ترامب بشأن توجيه ضربات لإيران أضعف ورقة التهديد العسكري التي كان يلوّح بها خلال المفاوضات، لذلك انتقل الضغط إلى إسرائيل لتقوم بدور العصا العسكرية، بهدف تسريع المفاوضات ودفع إيران إلى تقديم تنازلات أكبر
ما يحدث اليوم يراه كثيرون نهاية فعلية للعملية السياسية بعد 2003، فالعراق لا ينهار بسبب قلة الثروات بل بسبب من حولوا الدولة الى مشروع مصالح، حتى بات المواطن يشعر ان القادم قد يكون اسوأ من كل ما مضى.
هذه ليست حكومة اصلاح بل حكومة محاصصة وتقاسم نفوذ، كابينة جاءت لتوزيع المناصب والمنافع لا لبناء دولة. حين تصبح الوزارات غنائم سياسية، يكون الفشل اول قراراتها.
حكومة الزيدي ستواجه ازمة ثقة كبيرة، لان الشارع لم يعد يرى سوى تكرار لنفس الوجوه ونفس النهج: استنزاف للمال العام، صراع على الحصص، ووعود تنتهي عند ابواب السلطة.
الاستشراف القادم يقول: اذا لم تحسم واشنطن موقفها بضربة سياسية او عسكرية خاطفة تعيد فرض الردع، فانها قد تخسر الخليج بالتدريج، لا بسبب قوة خصومها فقط بل بسبب تراجع ثقة حلفائها بها. وفي عالم المصالح، الحليف الذي يتردد كثيرا يبدأ الجميع بالبحث عن بديل له.
ترامب يواجه لحظة قد تعيد رسم شكل النظام العالمي، فواشنطن لم تعد تتحرك من موقع القوة المطلقة بل من هاجس فقدان النفوذ. زيارته الى بكين ليست بروتوكولا سياسيا، بل مفترق طرق بين التصعيد والتراجع. اما حرب اقتصادية وعسكرية اشد قسوة، او تنازلات متبادلة تحفظ توازن القوى مؤقتا.
ملف ايران وتايوان سيكونان عنوان المرحلة القادمة، لان الصين تدرك ان استنزاف امريكا يبدأ من تشتيت جبهاتها، وطهران فهمت اللعبة مبكرا حين عملت على تحييد النفوذ الامريكي تدريجيا في المنطقة دون مواجهة شاملة.
واشنطن الموقف وتعيد ترميم الثقة مع حلفائها، فقد تخسر تدريجياً قدرتها على الإمساك بالخليج كما كانت تفعل لعقود، لأن الدول لا تبقى ضمن أي محور بدافع العاطفة، بل وفق ميزان المصالح والاستقرار.
وأقسى، لأن الصراع اليوم لم يعد عسكرياً فقط بل اقتصادي وتجاري وتقني يمتد لسنوات.
الإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار الفوضى واستنزاف الحلفاء قد يدفع كثيراً من دول الخليج إلى إعادة حساباتها والبحث عن توازنات جديدة مع الشرق، خصوصاً مع صعود China وتوسع نفوذها الاقتصادي. وإذا لم تتدارك
أمريكا لم تعد تُرهب كما في السابق، بل انكشف أنها قوة تُجيد إدارة الخاضعين أكثر من مواجهة من يمتلك صبراً وعقيدة تفاوض طويلة. فكلما اصطدمت بدولة تعرف كيف تُناور وتستنزف الوقت، ظهر ارتباك حلفائها قبل خصومها، وكأن الهيبة التي بُنيت لعقود كانت تقوم على الطاعة لا على الحسم.