وخلاصة الأمر أن وصفة السعادة تقوم على ثلاث معانٍ:
ـ ترك الماضي حيث انتهى دون اجترار آلامه.
ـ عدم إثقال القلب بظنون المستقبل قبل أوانها.
ـ إقبال العاقل على ساعته الحاضرة إقبال من يعرف أنها رأس ماله.
وقد صدق الشاعر إذ قال:
ما مضى فاتَ، والمؤمَّلُ غيبٌ
ولكَ الساعةُ التي أنتَ فيها
وصفة السعادة وسرّ السعداء ✨
من أسرار السعادة التي تخفى على كثيرٍ من الناس أن القلب إنما يُسقى بما يُستحضَر فيه؛ فإن استدعى مرارة الماضي عكَّر صفوه، وإن انشغل بظنون المستقبل أثقل نفسَه وأحاط به القلق بما لا يعلم وقوعه.
وهكذا يتبيّن أن السعادة ليست خلوَّ الحياة من الهم، وإنما هي في حسن التعامل معه: أن يترك الإنسان الماضي حيث وضعه الله، ويُسلّم المستقبل لمن بيده تدبيره، ويعيش حاضرَه بوعيٍ ورضا وعمل نافع.
بقدر خشية الله في السِّر والعلن واتقاء غضبه؛ تحلّ البصيرة، وتحلّ هبات العلم، فالتقوى زادُ القلب، وهذا الزاد الذي ذكره سبحانه؛ (وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التّقوى)، وهو أنفع علاج ذكره لمن أراد تحقيق البَصيرة، تلك البصيرة التي إن رُزق بها؛ لا يضلّ بعدها ولا يشقى!
بصيرة العبد تزداد وتقلّ؛ بحسب ما يتلقّاه القلب من واردات السّمع والبصر، بقدر كفّ الجوارح عن المحرمات؛ تحلّ الهبات.. ثمّة عبودية ذكرها القرآن، هي أساس النّور والبصيرة، عبودية التقوى، يقول سبحانه: ﴿إن تتّقوا الله يجعل لّكم فُرقانا﴾..