ثم نام ظنًّا منه أنه سيهرب من الواقع، فإذا به في كابوسٍ بلا قاع، وحلمٍ لا نهاية له..حتى استيقظ حائرًا، لا يدري أيّهما كان الكابوس: حياته، أم حلمه.
|سند
قيادة القوات المشتركة للتحالف تطلب من المدنيين إخلاء موقع شركة النفط اليمنية / محطة الصباحة المركزية بصنعاء بحسب الخارطة التوضيحية للموقع، وذلك لسلامتهم.
إلى أولئك التائهين…
"حين تصبح المحطات مقراً، والانتظار عمراً، والظلام رفيقاً"
أعرف أنكم لا تبحثون عن الطريق بقدر ما تبحثون عن شيءٍ يستحق الوصول إليه.
وأنكم، رغم كل هذه الأضواء، تشعرون أحيانًا بأن العالم مكانٌ معتم، وأن الوجوه تمرّ بكم دون أن يلتفت أحد، وأنكم قد تجلسون طويلًا في مكانٍ مزدحم، ولا تجدون من يشارككم وحدتكم.
لا بأس إن لم تعرفوا إلى أين تمضون، ولا بأس إن تأخرتم عن الوصول.
فقط، لا تظنّوا أن ضياعكم يعني أنكم بلا وجهة، أو أن وحدتكم تعني أنكم غير جديرين بالرفقة.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى من يدلّنا على الطريق، ربما نحتاج فقط إلى شخصٍ يجلس إلى جوارنا، حتى نتذكّر أننا لسنا وحدنا في التيه.
إلى أن تجدوا ما تبحثون عنه، رفقًا بأنفسكم.
عندما تخلصت منها لم أجد حلاً إلا "التشليح".. فشلحتها! المحرك (المكينة) في جهة، وناقل الحركة (القير) في جهة أخرى، والأبواب كلٌّ ذهب في ناحية. تناثرت كل قطعة في مكان بعيد عن الآخر؛ فبدلاً من أن تكون ذكرى واحدة، أصبحت ذكريات! كل قطعة لها ذكرى خاصة.. وبدلاً من أن أكون حزيناً على التسعاوي وذكرياته، أصبحتُ حزيناً على كل قطعة وذكرياتها... ولا زلتُ حزيناً على جميع تلك القطع التي كان يتكون منها التسعاوي!
قبل قرابة شهرين، كان لدينا تعديلات في المكتب، ولدينا غرفة أشبه بأرشيف أو مستودع -سمها ما تريد- وأشرف زميلي "أبو القعقاع" على فرزها، وتبين أن 90% من الأغراض تخصني! وجميعها لا فائدة منها، أو بالاصح معظمها إن لم يكن كلها. عانى قرابة شهر: "هل تريد هذا؟ ولماذا تحتفظ بهذا؟ وهذا خربان، وهذا مكسور!". وحتى يستطيع تفريغ تلك المقتنيات في الحاوية، أخذتُ إجازة مؤقتة حتى لا أراها تُقذف كنفايات!
لكنني لم أهرب؛ فأصبح يرسل لي صورها: "هل تريد هذا؟ هذا لا فائدة منه سأتخلص منه.. وهذا خربان لا يُرجى منه!". مع كل صورة تُرسل لي، كان سهماً يُطلق على قلبي.. إنني مهووسٌ حقاً! فماذا أريد بتلفون قديم؟ ولا حاسبة "كاسيو" أرقامها معطلة؟ ولا طابعة تئنّ لا فائدة ترجى منها؟ حتى الكاسات والأكواب كان لها نصيب! إنني حقاً مهووس.
وصادف قبل أيام أن وجدتُ أحدهم كاتباً: "بديت أنسى صوت أمي"، فردّ عليه آخر: "وأنا نسيت صوت أمي وأبوي 💔"..
فتبين أن لدي حتى اكتنازاً للأصوات والصور بشكل جنوني! لدي فقرة شهرية، أرسل فيها صوراً قديمة لأصدقاء قرابة 30 شخصاً في مجموعة، ونضحك سوياً.. بعضهم ليس معنا فقد رحلوا بعيداً، والآخرون متواجدون لكننا نستمتع بتلك الذكريات.
عند أول صورة أرسلها، يقولون بيأس: "لقد بدأت فقرة فلان!"، والكل في ترقب: "رحماك رحماك يارب اجعله لا يرسل صوري، اجعله يتخطاني!". وقتها يكون الضرب عشوائياً، حتى أنني أرسل صوري أنا أيضاً، فلا مانع لدي أن يضحك أحدهم عليّ.. لا مشكلة لدي أبداً!
فالاكتناز ربما يسعدك وربما يجعلك تعيساً، فالخيار لك وحدك كيف تعيش تلك اللحظة؛ فأنت من تجعل منه صديقاً أو عدواً. فمن لديه أحباب وأصدقاء: احفظوا تلك اللحظات، سجلوها وصوروها واكتنزوها، ثم فيما بعد -أو حينها- اختاروا كيف تجعلكم.. سعداء أم تعساء.
✍🏻 سند
الاكتناز القهري.... تسعاوي للجرح يداوي
أصارحكم.. لدي اكتناز قهري!
أنا رجل لا يترك مقتنياته ولا أملاكه أبداً، فلدي كم هائل من تلك المقتنيات الغريبة. العجيب والغريب أنني عند فرزها وجدت حتى أن لدي حجارة! ماذا أريد بها ولماذا جمعتها؟
تذكرت أنني عندما كنت طفلاً، ربما بعمر عشرة أعوام تزيد أو تنقص، رأيتها بجانب حجارة لا تشبهها أبداً؛ حجران أبيضان اللون، وبيضاويان الشكل، بجانب حجارة سوداء حادة.. كيف أتت وكيف خرجت هنا؟ شدني أمرها فأخذتها!
ولدي كم هائل من الهواتف النقالة، أقدمها هاتف "موتورولا" أسود، لديه مقوي إشارة ترفعه عند الاتصال. لم أشترِه، بل كسبته في سوق حجاب!
نعم نعم، سوق حجاب أقام سحوبات من زمن بعيد، وصادف أن قريباً لنا لديه محل هناك في ذلك الوقت، فأخبر والدي -رحمه الله- آنذاك: "تعال يا رجل خلنا نشوفك من زمان عنك، وسجل أسماء الأولاد لعلك تربح، مانت بخسران شيء!".
أخذ الوالد بنصيحته وذهبنا إلى سوق حجاب كنزهة، وسجل الرجل أسماءنا في كوبونات، ثم قذفناها في أسطوانة حلزونية للقرعة يُدار بها باليد، ثم يدخل أحدهم يده ويسحب الأسماء. والرهيب في الأمر أنه أقيم السحب في نفس اليوم، ولم نحتج أن نضرب مشواراً بعيداً للمرة الثانية، وقتها كان يبعد سوق حجاب عن منزلنا نصف ساعة.. وكان زَمَناً طويلاً في ذلك الوقت!
عموماً، تم سحب رقمي كأول فائز بالهاتف، أما الجائزة الكبرى فكانت سيارة لينكولن موديل 2002 ربما. عندما كان ينطق الرجل الرقم (7659)، كان رقمي الأخير هو (3).. ستة أرقام كانت تفصل بيني وبين اللينكولن!
لعلي تعيسٌ منذ ولادتي.. البعض يرى التعاسة تُكتسب، لكنني أظنها تولد عند خروجك من بطن والدتك، فترى النور سعيداً أم تعيساً!
بالمختصر، لدي هذا الهاتف، ولدي ريشة حمامة.. نعم ريشة حمامة! ولدي كيس.. صحيح، كيس بلاستيك صغير، وريال الملك فهد مكتوب عليه ذكريات! وإن ذكرت كل ما لدي من الغرائب، فلن تكفي هذه الصفحة للاسف.
الاكتناز لم يقتصر على أشياء صغيرة؛ فقد كانت لدي سيارتي الأولى "كابريس موديل 1990" (تسعاوي وللجرح يداوي)! احتفظتُ بها زَمَناً ليس بقصير، حتى بلغ الأمر المرور واتصلوا بي بضع مرات.
لماذا اتصلوا؟ كنت أريد تجاوز هذه التفصيلة لكنني لم أستطع لسبب في نفسي! "التسعاوي" أصابه المرض، ومن ورشة إلى ورشة حتى استسلمتُ وجعلته زحليقة للأطفال في الحارة. لكن مؤذن جامعنا كان له رأي آخر -رحمه الله-؛ كان لديه فنّ في إيذاء جميع من في الحارة حتى عائلته لم تسلم منه!
في البداية كان التسعاوي يقف في مواقف الجامع، فكلم المرور أن سيارتي "مؤذية"! كيف مؤذية والمواقف تتسع لشاحنات ولا تمتلىء إلا الجمعة؟! عموماً غيرت مكانها إلى جوار المنزل، لكن منزلنا كان يفصله عن الجامع شارع ضيق للغاية -زنقة زنقة كما قال القذافي- لا يتسع إلا لسيارة واحدة، وتجاور الجدران السيارات المتوقفة. أوقفتها أمام المنزل، فاتصل بي المرور: "يوجد باسمك سيارة مشبوهة!". قلت: "سيارتي واقفة عند بيتي!". المرور ببساطة يرى أن المؤذن يقول "مشبوهة"، فالمؤذن صادق بالنسبة لهم! غيرت مكانها، فاتصلوا مرة أخرى، ثم غيرت حتى أصرّ والدي -رحمه الله- أن أتخلص منها لأن المؤذن كلمه.. كان المؤذن أشبه بناموسة تئز عند أذنك أزيزاً لا ينتهي!
عندما تخلصتُ منها لم أجد..... يتبع