كالجبل كنت يا وائل! نحو عشرين يومًا وأنت واقف أمام الشاشة، في ظهرك غزة، وفي قلبك غصة، تنقل الخبر وتعكس الصورة كأنك خارجها في تماسكك، وكأنك داخلها في دقتك ومعلوماتك، وأنت تعرف أن الأسماء التي تقولها على الشاشة هم أش��اص حولك، تعرفهم، جيران وأحباب وأصحاب وأهل، ولم يرمش لك جفن!
..
كالجبل كنتَ يا وائل، وذلك ما كان يغيظهم، وذلك ما كان يثير حقدهم، أنظر إليك رجلًا يشبه ملامح أبي إلى حد كبير، وأقول بالتأكيد لك ابن يحبك، وزوجة تنتظر عودتك، وفؤاد يتحرق قلقًا بين هنا وهناك، على جميع من تحبهم، على أطفالك ورفيقة عمرك وحياتك.
..
كالجبل كنتَ يا وائل! تحرك بحنجرتك القلوب الرابضة في أماكنها، تستفز المشاعر بثباتك الاستثنائي، تلهب الأسماع بصوتك المخلوط بصخب القصف ورائحة البارود، وتأبى عينك أن تنهار من كل ما ترى، حتى جاءك خبر استشهاد كل ما تملك، وكانوا هم الخبر الوحيد الذي لم تنقله بنفسك م��ذ بداية القصف، كان الخبر زوجتك، ابنك محمود، وابنتك، وانفطر قلبك وأنت تقول "معلششش"، ومعه انهارت قلوبنا وعيوننا، كأنا نفقد أسرةً عزيزة علينا، نعرفها جيدا كما نعرف أهلنا، ونتخيلك يا وائل بينهم، قبل الشهادة وبعدها، فلا نملك إلا الصمت.. بينما يلخص صوتك كل شيء، في آذاننا وبين رئاتنا المختنقة: وائل الدحدوح - الجزيرة - قطاع غزة.