نحمد الله سبحانه وتعالى أن أكرمنا بإتمام صيام شهر رمضان المبارك وقيامه، ونسأل الله أن يديم علينا أمننا واستقرارنا، وأن يحفظ أبطالنا البواسل على الثغور والحدود في مختلف القطاعات العسكرية والمدنية.
وكل عام وأنتم بخير، وبلادنا في عز ورفعة.
نستذكر في هذا اليوم المجيد تأسيس دولتنا المباركة، التي أقامها الأجداد على كلمة التوحيد، وتحقيق العدل، وجمع الشتات تحت راية واحدة؛ بما حقق بفضل الله تعالى الأمن والازدهار.
نهنئكم بشهر رمضان المبارك، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا ولكم وللمسلمين في هذا الشهر الفضيل، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يديم على بلادنا الأمن والرخاء.
رجلٌ من أهل الخير
في الأبواء رجالٌ عُرفوا بالخير، واشتهروا بالمروءة، وبقي ذكرهم متداولًا لما عُرف عنهم من صدق السيرة وحسن الأثر، وإذا غابوا حضرت آثارهم صفاءً وطمأنينة. وكان الشيخ عوض الله بن سعد بن شريقي المحمدي رحمه الله من أولئك الذين اجتمعت فيهم خصال الكرم، وحسن العبادة، وسلامة القصد، فكان معروفًا بين أهله وجيرانه بما جُبل عليه من الإحسان وبذل المعروف.
كان رحمه الله كريمَ السجية، سخيَّ السريرة، واسعَ العطاء، قد سخّر الله له من الرزق ما جعله سببًا للخير، ومجالًا للإحسان. وكانت له مزرعةٌ عامرة، ينتفع الناس بثمارها وخيراتها، وقطيع من البقر، فانتفع الناس بثمرها، وشربوا من ألبانها، وأكلوا من لحومها، وكان قِرى الضيف عنده حاضرًا غير متكلّف، والسمن واللبن لا ينقطعان عن بيته.
وكان رزقه واسعَ الأفق، فيّاضَ البركة، لا يُحبَس عنده، ولا يُكدَّس في خزائنه، بل يجري إلى الناس جريان الغيث، كلما أُخذ منه زاد، وكلما أُعطي بورك فيه، حتى صار ما في يده معروفًا، وما يخرج منها مألوفًا، لا يُستغرب ولا يُستثقل.
وكان رحمه الله مضيافًا بطبعه، يرى في إكرام الضيف حقًا لازمًا، وفي القيام به شرفًا لا يُفرّط فيه. فبيته مقصد، ومائدته مأوى، لا يُردّ فيه قاصد، ولا يُخيّب فيه آمل، وكان يُكرم ضيفه بطيب النفس قبل طيب الطعام، وبحسن اللقاء قبل كثرة الزاد.
وأما عبادته، فكانت معروفة بالمواظبة والصدق. كان حريصًا على الصلاة في المسجد، ملازمًا للجماعة ما استطاع، شديد العناية بصلاة الفجر خاصة، لا يمنعه مرض، ولا يثنيه مطر، ولا يرده برد. وكان إذا خرج إلى المسجد رفع صوته بالتهليل والتكبير، فيوقظ الجيران، ويبعث الهمة في النفوس، ويذكّر الغافلين بفضل الوقت، لا رياءً ولا تصنّعًا، وإنما محبةً للخير، وحرصًا على الجماعة.
وقد جمع رحمه الله بين حسن العبادة وصدق المعاملة، وبين كرم اليد وسلامة الصدر، فكان موضع احترام من عرفه، ومحل تقدير من خالطه، لما اتصف به من لين الجانب، وحسن الخلق، والبعد عن التكلف.
رحمه الله رحمةً واسعة، وغفر له، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وجزاه عن إحسانه خير الجزاء.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
سيرةٌ يصوغها العطاء
في حياة الأمم رجالٌ لا يشبهون الفصولَ التي تأتي وتمضي؛ بل يشبهون الجبال التي تُرى حيثما التفتّ، ويُستدلّ بها على الطريق وإن غابت الشواهد. هؤلاء لا يطلبون الذكر، لأن الذكر يأتيهم، ولا يسألون المجد، لأن المجد يعرف عنوانهم. يولد أحدهم كغيره من الناس، ثم تمضي الأيام، فإذا به ميزانٌ للمعاني، يعلّم الناس ما هو العطاء، وما هو الوفاء، وما معنى أن يعيش الإنسان للإنسان.
وإذا رجعنا إلى التاريخ الصادق — لا الذي يُكتب بالحبر، بل الذي يُكتب بالأثر — وجدنا أن الأمم لا تنهض بالمتكلمين، بل بالعاملين؛ ولا تعتزّ بمن يرفعون الشعارات، بل بمن يرفعون الحياة نفسها درجات. وهناك يبرزُ اسمٌ لم يطلب الصدارة، ولكن أفعاله دفعت به إليها، حتى صار ذكره جزءًا من ذاكرة المكان.
وهنا تقف الأبواء — في هذا اليوم المبارك — لتقرأ من صفحات وفائها، لقد مرّ بها رجلٌ، فلم يترك خلفه كلامًا يُحفظ، بل ترك واقعًا يُرى؛ ذلك هو السيد عوض بن أحمد النهاري — رحمه الله — الذي علّم الناس أن الخير إذا اقترن بالعقل صار عمرانًا، وأن الرحمة إذا سكنت قلب التاجر صارت عدلًا، وأن الصمت حين يصحب العمل يتحوّل إلى لغة يفهمها الجميع.
كان من أوائل من فتحوا باب العمران الحديث في الأبواء؛ لا كمن يضع حجرًا فوق حجر، بل كمن يقيم مع الحجر عقلًا، ومع السقف طمأنينة. يقرأ الحاجة قبل أن تُقال، ويُدرك الخلل قبل أن يقع، ويقدّم مصلحة الناس واجبًا ينهض به دون منّة.
ورجلُ الأعمال هذا — وإن اتسع رزقه — لم يجعل بينه وبين الناس حجابًا؛ يُنظر المعسر، ويُمهل المحتاج، ويجعل من الإمهال مروءةً قبل أن يكون معاملة. كم من أسرةٍ ثبتت حين أوشكت أن تتداعى، وكم من شابٍّ نهض حين كادت الأعذار تُسقطه، وكان خلف ذلك قلبٌ عرف أن المال خادمُ الإنسان لا سيّدُه.
ثم تجاوز عطاؤه باب الرزق إلى بناء الإنسان نفسه؛ وظّف، وعلّم، وصقل، وغرس فيمن حوله أن القوة لا تُفصل عن الأمانة، وأن الحزم لا يُناقض الرحمة، وأن الهيبة تُكتسب بالفعل لا بالصوت. وهكذا خرج من تحت يده رجالٌ يعرفون أن الجدّ ليس خشونة، وأن المسؤولية ليست قسوة.
أحبّ الأبواء، فأحبّته الأبواء. لم تُغره الفرص البعيدة، لأن البقاء عنده كان قربًا من الواجب، لا قصورًا في الحظ. وكان الناس يشهدون بذكائه وتجربته، دون أن يُطفئ ذلك إنسانيته أو يقطع خيط الخير من يده.
وقبل أن تُنشأ المؤسسات الخيرية، كان اسمه — وحده — مؤسسةً تمتد إلى القلوب؛ يسدّ حاجة المحتاج، ويرمّم الطريق, ويبني المسجد، ويكتب في صمتٍ صفحةً جديدة من صفحات البر. فالخير عنده لم يكن موسمًا، بل طريقَ عمرٍ كامل.
أما مجلسه فكان بابًا مفتوحًا على الدوام؛ من دخله وجد بشاشةَ الوجه، وسخاءَ اليد، وسكينةَ الجلسة، يجلس الضيف وصاحب الدين وصاحب الحاجة، فيخرج كلٌّ منهم وفي قلبه نصيب من الطمأنينة.
ختم عمره عملًا للناس؛ هيّأ تسوير المقبرة التي كانت مثواه، وأشرف على المسجد الذي خرج منه إلى ربّه. ثم طُويت صحيفته في آخر ساعةٍ من يوم الجمعة؛ فبقي الأثر شاهدًا، وبقي الدعاء ممتدًّا بعد الرحيل.
اللهم اغفر له، وارحمه، واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسِّع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجمع له بين رحمتك ومغفرتك ورضوانك.
اللهم اجعل ما قدّم من خيرٍ في موازين حسناته، وارفع درجته في عليّين، واجعل أثره صدقةً جاريةً لا تنقطع.
اللهم اجعل لنا وله نصيبًا من عفوك، ولا تحرمنا أجر الدعاء، ولا تفتنّا بعده، واغفر لنا وله ولسائر المسلمين.
إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
يدٌ تجبر الكسر، وقلبٌ يجبر الخاطر
في الأبواء، حيث للأماكن ذاكرة، وللرجال أثر، وحيث تُوزن القيم لا بما يُقال عنها بل بما يُعاش منها، ينهض اسم العم مرزوق بن عبداللطيف اليوبي بوصفه حكاية خيرٍ مكتملة الأركان. رجلٌ عرفه الناس باسم "المجبر"، وسمّاه بعضهم "الطبيب"، لا لأن بين يديه وصفاتٍ وأختامًا، بل لأن بين يديه شفاءً، وفي قلبه رحمةً، وفي حضوره طمأنينة.
لم يكن، رحمه الله، صاحب شهادةٍ تُعلَّق، بل صاحب يدٍ إذا لامست العظم أعادته إلى موضعه، وإذا لامست القلب هدّأته. كان يستقبل المصاب قبل أن يستقبل كسره؛ يطمئنه بنظرة، ويخفف عنه بكلمة، ثم يباشر عمله بثباتٍ يشبه يقين العارفين، وبرفقٍ لا يزيد الألم إلا خجلًا وانسحابًا.
وكان علاجه يتجاوز حدود الجسد.
فكم من مريضٍ خرج من عنده وقد خفّ وجعه قبل أن يلتئم عظمه، لأن أبا حمّاد كان يعرف أن بعض الكسور تُجبر باليد، وبعضها لا يجبره إلا اللطف. يطيّب الخاطر، ويهوّن المصاب، ويجعل الألم أمرًا عابرًا لا مقامًا دائمًا.
ومن أنقى ما يُروى عنه، وأصدق ما يشهد لمعدنه، أنه لم يكن يقبل مالًا. لم يرَ في إحسانه سلعة، ولا في حاجة الناس فرصة. كان يردّ الأجر بابتسامة، ويكتفي بدعاءٍ صادق، وكأنما كان يؤمن أن ما يُعطى لله… لا يُقاس بغير الله.
ولم يكن فعله وقفًا على الأبواء، بل تجاوزها إلى كل من طرقه الألم؛ فقد كانوا يأتونه من أماكن بعيدة، يحملهم إليه الألم قبل الطريق، ويقودهم إليه الصيت الحسن قبل السؤال. وإذا اشتدّ الحال، وتعذّر على المصاب الحركة، لم ينتظر أن يُنادى؛ بل كان هو الذي يمشي إلى الوجع. يطرق باب البيت في الأبواء، يدخل متفقدًا، مطمئنًا، معالجًا، ثم يغادر وقد ترك خلفه سكينةً تسكن الجدران قبل القلوب. كانت خطواته شهادةً على أن الرحمة لا تعرف الكسل، وأنّ الخير إذا صدق، لم تحجبه مسافة، ولم يرده باب.
عرفته الأبواء رجلًا بسيطًا في هيئته، عظيمًا في أثره؛ يدخل البيوت بلا تكلّف، ويخرج منها وقد خلّف دعاءً لا يُنسى. لم يسعَ إلى ذكر، لكن الذكر سعى إليه، ولم يطلب ثناءً، لكن القلوب سبقته إليه.
ورحل أبو حمّاد مرزوق بن عبداللطيف اليوبي، رحمه الله، وبقيت سيرته حيّةً في ذاكرة الأبواء؛ سيرةُ رجلٍ سمّاه الناس "المجبر"، وسمّاه بعضهم "الطبيب"، لأنه لم يعالج الكسر وحده، بل عالج الإنسان كلَّه، وجعل من مهنته رحمةً تمشي على قدمين.
رحمه الله رحمةً تليق بما قدّم، وجعل ما بذله من جبرٍ للألم، وتطييبٍ للخاطر، ومشيٍ إلى بيوت المصابين والمتألمين، في ميزان حسناته، وكتب له بكل يدٍ شفت، وكل قلبٍ هدأ، وكل وجعٍ خفّف، أجرًا موصولًا لا ينقطع،
فبعض الرجال لا يرحلون تمامًا،
يبقون في دعاءٍ صادق،
وفي حكايةٍ تُروى،
وفي قلبٍ ما زال يتذكّر كيف كان الألم… ثم كيف هدأ.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
إخواني ملاّك الإبل المشاركين في #مهرجان_الملك_عبدالعزيز_للإبل10
نُعلن لكم رئيس لجان التحكيم في النسخة العاشرة وفريقه من رؤساء اللجان المتخصصة، الذين يمثّلون ركناً أساسياً في نجاح المهرجان، وبما يحقق العدالة ورفع روح المنافسة في جميع الفئات والألوان 🐪✨
راجين من الله لهم ولجميع المشاركين التوفيق والإعانة🇸🇦
༼࿄ཽ༽༼ الشيخ المربي ༽༼࿄ཽ༽
الأبواء… درة الوادي وسيدة القرى، الوادعة في حضن الجبال، الموشّاة بأطواق النخيل، المضمّخة بعبير الكرم، تشرق كل صباحٍ كابتسامةٍ على وجه الزمن، وتغفو كل مساءٍ على أناشيد المودة والصفاء. بين جنباتها يمتد الوادي كقصيدة خضراء، تتناوب أبياتها بين غصنٍ مورقٍ، وجبلٍ شامخ، ونخلةٍ باسقةٍ كأنها منارةٌ في صحراء. هناك تتعانق السماء بالأرض، ويلتحف الغيمُ بالسفوح، ويترقرق النسيم في الأزقة والدروب، كأنه بشير حياةٍ لا يعرف الفناء.
وفي هذا الفردوس الوادع تجلّى رجلٌ غدا عنوانًا لوقارها، وصدى لكرمها، وصورةً حيّةً لحكمتها: الشيخ حامد بن محسن بن سلوم المحمدي – رحمه الله –.
لم يكن رجلًا يمرّ في الناس مرَّ السحاب، بل كان كالغيث، أينما حلّ أنبت، وحيثما مضى أزهَر.
حضر في الذاكرة، وعاش في القلوب، وإن غيّبته الأيام، لأن حياته كانت كتابًا مفتوحًا، وصفحاته مواقف ناطقة، وفصوله دروس صامتة تهتف بالحكمة بلا ضوضاء.
كان إمامًا وخطيبًا في جامع حيّ خويوينة، يخاطب الأرواح بصوتٍ هادئٍ عذب، لا يعرف الجلبة ولا يهوى المباهاة؛ ينساب كما ينساب النسيم في ليالي الصيف الوضيئة، يحمل الطمأنينة إلى النفوس، ويترك في الأرواح أثرًا أبقى من الحروف. لم يكن خطيبًا يتزيّن بزخرف القول، ولا واعظًا يتكئ على صخب العبارة، بل كان نَسيمًا يمرّ، فيُنعش، وكلمةً تسقط، فتُحيي، وقطرةً تهطل، فتُثمر. فإذا تكلم، كأنما تكلم القلب بلسان الصدق؛ وإذا سكت، تكلّم سلوكه أبلغ مما ينطق اللسان.
ما كان الشيخ يكتفي بالكلمة التي تُقال أو الموعظة التي تُسمع، بل جعل من سلوكه اليومي مدرسة قائمة؛ يربي فيها بالقدوة، ويعلّم بالصمت كما يعلّم بالكلام، ويغرس في الأرواح حبّ المعروف كما يغرس الفلّاح شتلات النخيل في بطون الوادي؛ فتنمو مستقيمة، وتثمر طيبة، وتظلّل بأفيائها من يستظل.
لقد غرس في أبنائه وأحفاده، وفي كل من عرفه، حبّ الوفاء، وصدق العهد، وإجلال الكلمة. وكان يرى أن التربية ليست بما يُقال فحسب، بل بما يُرى ويُعاش؛ فكان هو الشاهد الأكبر على ما يعتقد، والحجة الصامتة على ما يدعو إليه. رجلٌ لطيفٌ في تعامله، عظيمٌ في أثره، متواضعٌ في هيبته، مهيبٌ في حضوره؛ لا يُعرَف بصخبٍ ولا مظاهر، بل بسكونٍ ووقار، وآثارٍ راسخة في القلوب لا تمحوها الأيام.
ومن حوله نما جيلٌ يتفيّأ ظلاله، ويقتبس من نوره، ويستنشق من عبيره، جيلٌ يردّد أن من الرجال من تغيب أجسادهم كما يغيب الغروب في أفق البحر، لكن أرواحهم تظلّ نجومًا لا يخبو سناها، وأزهارًا لا ينقطع شذاها. يطويهم الثرى، لكن تبقى سيرتهم منقوشةً في الذاكرة، شاهدةً أن الخلود ليس بطول الأعمار، بل بما يخلّفه المرء من نورٍ في الدروب، وبما يغرسه من خيرٍ في القلوب.
وهكذا كان الشيخ حامد بن محسن بن سلوم المحمدي، إمامًا وخطيبًا ومربّيًا، علَّم بالقدوة، وأغنى بالبصيرة، وأفاض بسلوكه قبل قوله. عاش متواضعًا فصار عظيمًا، وبقي أثره أبقى من العمر، وسيرته أبهى من الذكر.
رحمه الله رحمةً واسعة، وألحقه بالصالحين، وجعل ما غرسه من خيرٍ في الناس شافعًا له يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
أبو مسلّم… ميزان الحق ولسان الحكمة
في سجلّ الرجال الذين يخلّدهم الوفاء، وتسطّرهم صفحات المروءة بحروف العز، يشرق اسم الشيخ عوض بن عائض بن عوض بن عنا الله بن دخيل الله المحمدي –رحمه الله- إشراق الصبح على قمم الجبال، ولمعان البرق في أفق المطر. رجلٌ كان في الأبواء رمزًا للعقل الراسخ، وميزانًا للحق الراجح، ومثالًا للسخاء الفيّاض، تتقاطر على بابه القلوب قبل الأقدام، وتلوذ به العزائم قبل الخصومات.
كان مهيب الطلعة، وقور الهيئة، يحظى بالإجلال عند الصغير والكبير، وتزداد له القلوب احترامًا كلما خبرت صواب رأيه ونفاذ بصيرته. لم يكن حكمه يرضي طرفًا دون آخر، بل كان يرضي الحق نفسه، حتى يقرّ الخصوم جميعًا بعدالته. وقد مُنح ذاكرة حديدية تحفظ الأقوال كما تحفظ الكتب سطورها، حتى غدت كأنها سجلّ أمين للمجالس والخصومات.
تولى مجالس العرف عقودًا طويلة لم يُنقض له فيها حكم، ولم تُخدش فيها هيبته. كان يصغي للجميع بصبر لا يعرف الضجر، مهما طال الجدل وارتفعت الأصوات، حتى إذا رأى أن الأقوال قد بلغت غايتها، ضرب عصاه بالأرض، فيسكن اللغط وتتهيأ النفوس لكلمته الفاصلة. يبدأ حينها بتقرير كل خصم على أقواله، فيعيدها عليه حرفًا حرفًا، ويسأله: “هل هذا صحيح؟” فإذا أقر سأله: “هل لك غيره؟” فإذا نفى، انتقل للآخر. فإذا استوثق من الأقوال، صاغ حكمه كمن يخيط ثوبًا، يجمع أطرافه ويرتب فصوله حتى يخرج محكم البنيان، واضح الدليل. فإذا قال: “هذي هاني” كان يردّ الخصوم إلى لبّ القضية، ويمنعهم من التشتت في الفروع. وإذا قال: “هذي نفذه” عدّد الأخطاء التي ارتكبها المحكوم عليه، واحدة تلو الأخرى، بوضوح لا يدع مجالًا للتأويل. وعندها يعلو صوت الحاضرين بالقول المألوف: “حكمت يا أبو مسلّم”.
ولأبي مسلّم أقوالٌ صارت حكمًا سائرة وأمثالًا دارجة، صاغتها التجارب وباركها صدق الموقف؛ من ذلك قوله: “امش مع التيار” في الرضا بما لا يُدفع من سنن الحياة، و”لا أحكم على غائب” في صيانة العدل عن الحكم بلا حضور، و”حزمة كرانيف” في وصف من لا يجتمعون على رأي، و”العدلة مايلة” في كشف اختلال ميزان الإنصاف، و”جايه هيال” اعتذارًا لمغلوب على أمره عن جهة يستحسن سترها، و”هذا عاطل” حكمًا على أهل الدعاوى الكيدية.
وفي بيته كان الكرم طبعًا، والضيافة عادةً، لا يُقصى فيه غريب ولا يُردّ فيه فقير، ولا يخرج منه ضيف إلا وقد حمل من كرمه ما يفيض على أيامه. ومن صفحات سخائه أنه كانت عنده ناقة “بَكْرة” نفيسة، يعتز بها كما يعتز الفارس بسيفه، وفي موسم حج همَّ أحد أبناء القرية باللحاق بركب الحجيج وقد سبقه بلا راحلة، فقيل له: “ما لك إلا أبو مسلّم”. فمضى إليه يطلبها، فما كان من الشيخ إلا أن ابتسم وقال: “ما تغلى عليك”. فأعطاه إياها طيبة بها نفسه، فبلغ بها مكة وأدّى المناسك وعاد شاكرًا، وبقي الأجر جاريًا، والذكر الطيب متردّدًا في المجالس كأنه نسيم الأبواء في صيفها.
وكان – رحمه الله – يرى في الصبر زينة الأخلاق ومفتاح الظفر، لا يملّ من ترديد بيت من الشعر جعله دستورًا في أحكامه ومواقفه:
الصبر زين وفيه مقضاة ثنتين
تكسب جميل وتاخذ الحق وافي
أما عبادته، فكانت جذر حياته وسمو همته؛ جاوز المئة والعشرين عامًا ولم يُعرف عنه يوم تخلّف فيه عن صلاة الجماعة. حتى إذا أضعفته السنون، شدّ من بيته إلى المسجد حبلًا يتوكأ عليه، وكأنما يربط جسده ببيت الله رباطًا لا ينحل إلا بخروج الروح. وكان يقرأ في مصحفه حتى إذا غلبه ضعف البصر اكتفى بقراءة ما وعته ذاكرته، فإذا وهن الحفظ واعتراه النسيان، أبقى لسانه رطبًا بالتسبيح والاستغفار، كأنما عوّض نقص الحفظ بفيض الذكر، وملأ فراغ الذاكرة بنور الطاعة. وفي أواخر عمره كان يكثر السؤال: “هل حل وقت الصلاة؟” كأن قلبه أصبح ساعة لا تعرف غير مواقيت الطاعة ولا تنبض إلا بنداء الأذان.
لقد كان الشيخ أبو مسلّم عقل قاضٍ، وقلب عابد، ويد كريم، ولسان مصلح، وهيبة شيخ؛ جمع المجد من أطرافه، وظل في الأبواء تاريخًا حيًّا على قدميه. فإذا تكلم أضاف إلى العقول علمًا، وإذا فعل أضاف إلى القلوب يقينًا، وإذا غاب بقي صدى أثره يتردّد في الذاكرة ما دام في الأبواء قلب ينبض أو عين تبصر.
رحمه الله، فقد كان رجلًا إذا ذُكر أزهرت القلوب كما تزهر الروضة بمطرها، وأحسّ به الجميع كما يحسّ الجبل برسوخه؛ رجلًا عاش كبيرًا، وبقي كبيرًا، ومضى إلى ربه بوجه يضيئه الرضا وسيرة تتعطر بها المجالس.
#الأبواء
#صابر_المحمدي
أنشاء المدينة الذكية أحدث نقلة نوعية في بيئة الأعمال الصناعية
فهو مشروع تطويري متكامل يجمع بين البنية التحتية الذكية والخدمات الحديثة، بقيادة المطور العقاري عبدالله السهلي، لتكون وجهة مميزة للمستثمرين والمهنيين في قطاع الصيانة والصناعات الخفيفة.
@SmartTown_J#المدينة_الذكية
#صناعية_شمال_جدة
#بلدية_محافظة_رابغ بالتعاون مع إدارة مرور رابغ تنوه بأنه سيتم إغلاق طريق الملك عبد الله - المدخل الشرقي - أمام المركز الحضاري بشكل مؤقت، وذلك لعمل دوار لربط وتسهيل الحركة المرورية بين حي المرجانية وحي النزهة والإسكان الشرقي .
رحلة التوصيل تبدأ بتصريح التوصيل المنزلي للمنشآت التجارية الغذائية وغير الغذائية.
احصل عليه الآن عبر #منصة_بلدي خدمات بدون رسوم حتى تاريخ النفاذ 01 / 07 / 202رحلة التوصيل تبدأ بتصريح التوصيل المنزلي للمنشآت التجارية الغذائية وغير الغذائية.
احصل عليه الآن عبر #منصة_بلدي خدمات بدون رسوم حتى تاريخ النفاذ 01 / 07 / 202رحلة التوصيل تبدأ بتصريح التوصيل المنزلي للمنشآت التجارية الغذائية وغير الغذائية.
احصل عليه الآن عبر #منصة_بلدي خدمات بدون رسوم حتى تاريخ النفاذ 01 / 07 / 202رحلة التوصيل تبدأ بتصريح التوصيل المنزلي للمنشآت التجارية الغذائية وغير الغذائية.
احصل عليه الآن عبر #منصة_بلدي خدمات بدون رسوم حتى تاريخ النفاذ 01 / 07 / 2025