السفاح بن الرقراق الجني المسلم..!
أخبر المفضّل، عن أبيه، عن جدّه قال: أخبرني العلاء بن ميمون الآمدي، عن أبيه قال:
ركبتُ بحر الخزر قاصدًا مدينة ناجورا، فلما صرنا قريبين منها اضطرب بنا البحر اضطرابًا شديدًا، ولجّ مركبنا في اللُّجّة، واستاقته ريح الشمال شهرًا كاملًا في عرض البحر، لا نملك لأنفسنا حيلة، حتى انكسر بنا المركب.
فوقعتُ أنا ورجلٌ من قريش في البحر، ثم ألقتنا الأمواج إلى جزيرةٍ مقفرة، ليس بها إنسٌ ولا أثر عمران.
فنزلنا نطوف في الجزيرة، نتلمّس أسباب النجاة، ونرجو الخلاص، حتى أشرفنا على هوّةٍ عظيمة.
فإذا بشيخٍ جليل الهيئة، مستندٍ إلى شجرةٍ عظيمةٍ ضخمة.
فلما رآنا تحشحش، أي تحرّك حركةً خفيفة، وأناف إلينا، أي أقبل ناحيتنا. فداخلنا منه فزع شديد، ثم تماسكنا ودنونا منه، وقلنا:
السلام عليك أيها الشيخ.
فقال:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فأنسنا بكلامه، وسكن روعنا، فقال لنا:
ما خطبكما؟
فأخبرناه بخبرنا، وما أصابنا من ركوب البحر، وانكسار السفينة، ووصولنا إلى هذه الجزيرة. فضحك، ثم قال:
ما وطئ هذا الموضع أحدٌ من ولد آدم قط، فمن أنتما؟
قلنا:
نحن من العرب.
فقال متعجبًا مسرورًا:
بأبي وأمي العرب! فمن أيّها أنتما؟
فقلت:
أما أنا فرجلٌ من خزاعة، وأما صاحبي فمن قريش.
فقال:
بأبي قريش وأحمدها!
ثم التفت إليّ وقال:
يا أخا خزاعة، هل تدري من القائل:
من بحر الطويل
> كأنْ لم يَكُنْ بينَ الحَجُون إلى الصَّفَا
أَنِيْسٌ، وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامرُ
بلى! نَحْنُ كنَّا أَهلَها، فأبادَنا
صُرُوفُ اللّيالي والجُدُودُ العَواثِرُ
قلت:
نعم، ذلك الحرث بن مضاض الجرهمي.
فقال:
ذلك مؤدّيها، وأنا قائلها، قلتها في الحرب التي كانت بينكم ـ معشر خزاعة ـ وبين جرهم.
ثم التفت إلى صاحبي القرشي وقال:
يا أخا قريش، أَوُلِد عبد المطلب بن هاشم؟
قلت له متعجبًا:
أين يذهب بك، رحمك الله؟
فربا في جلسته، وعظم شأنه، وقال:
أرى زمانًا قد تقارب إبانُه، أفَوُلِد ابنه عبد الله؟
قلنا:
وأين يذهب بك؟ إنك لتسألنا مسألة من كان في الموتى.
فازداد اضطرابه، ثم قال:
فابنه محمد الهادي؟
قلت:
هيهات! مات رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أربعين سنة.
فلما سمع ذلك شهق شهقةً عظيمة، حتى ظننا أن نفسه قد خرجت، ثم انخفض جسمه حتى صار كالفرخ الصغير، وأنشأ يقول من بحر الكامل:
> ولَرُبَّ راجٍ حِيْلَ دونَ رَجائهِ
وَمُؤمِّلٍ ذَهَبَتْ بِهِ الآمالُ
ثم جعل ينوح ويبكي بكاءً شديدًا، حتى ابتلّت لحيته بدموعه، فبكينا لبكائه ورقّتنا حاله. ثم قال:
ويحكما! فمن ولي الأمر بعده؟
قلنا:
أبو بكر الصديق، وهو رجل من خير أصحابه، ومن قريش.
قال:
ثم من؟
قلنا:
عمر بن الخطاب.
قال:
أفمن قومه؟
قلنا:
نعم.
فقال:
أما إن العرب لا تزال بخير ما فعلت ذلك.
فقلنا له:
أيها الشيخ، قد سألتنا فأخبرناك، فأخبرنا من أنت، وما شأنك؟
فقال:
أنا السفّاح بن الرقراق الجني. لم أزل مؤمنًا بالله وبرسله، مصدّقًا بهم.
وكنت أعرف التوراة والإنجيل، وكنت أرجو أن أرى محمدًا صلى الله عليه وسلم.
فلما تفرّقت الجن، وأُطلقت الطوالق المقيّدة من وقت سليمان عليه السلام، اختبأت بنفسي في هذه الجزيرة لعبادة الله تعالى، وتوحيده، وانتظار نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.
وآليت على نفسي ألا أبرح هذا الموضع حتى أسمع بخروجه.
ولقد تقاصرت أعمار الآدميين، وإنما أنا في هذه الجزيرة منذ أربعمائة سنة.
وكان عبد مناف يومئذ غلامًا يافعًا، وما ظننت أن يولد له ولد.
وذلك أني أعرف علم الأحداث، ولا أعلم الآجال، فإن علمها عند الله تعالى وحده، والخير بيده.
ثم قال:
وأما أنتما أيها الرجلان، فبينكما وبين الآدميين من هذا الغامر مسيرة أكثر من سنة.
ولكن خذا هذا العود، فاكتفلا به كالدابة إذا نام الناس، فإنه يؤديكما إلى بلدكما.
واقرئا محمدًا مني السلام، فإني أطمع بجوار قبره.
قال:
ففعلنا ما أمرنا به، وأخذنا العود، فاكتفلنا به كما قال. فما أصبحنا إلا ونحن في مُصلّى آمد، سالمين، شاكرين، متعجبين مما رأينا وسمعنا.
المصدر: 📚
كتاب جمهرة أشعار العرب
[أبو زيد القرشي] من صفحة رقم 55 الى 57.📖
أحمد صبحى جلال.