من أشد ظواهر الخطاب السياسي والإعلامي تضليلاً إطلاق أحكام عامة بلا دليل، من قبيل القول إن هناك إجماعاً حول مسألة ما، أو إن أكثرية الناس تؤيد هذا الخيار أو ذاك.
في كثير من الأحيان تستخدم هذه الأحكام لصناعة واقع نفسي وسياسي من دون برهان أو قياس واضح، إذ توظف هذه الإطلاقات لمنح الآراء شرعية جاهزة باسم الناس، ولحسم أي نقاش قبل أن يبدأ.
ومن حقنا أن نسأل: من قال إن الأكثرية تؤيد أو ترفض أو تتبنى رأيا محدداً؟ أين الدليل؟ ما العينة؟ ما السؤال؟ ما السياق؟ وما الفرق بين رأي الناس فعلا، وبين ما تريد السلطة أو المنصة الإعلامية أن تقنعنا بأنه رأي الناس؟
برأيي، كل خطاب يدعي تمثيل الناس من دون دليل يجب أن يعامل كدعاية مضللة، فالرأي العام مجال معقد ومتحرك، ولا يجوز اختصاره في عبارة مدلسة اسمها الأكثرية.
هل تخلت واشنطن عن شرط نزع سلاح المقاومة في غزة؟
إذا صح ما نقله الصحفي الإسرائيلي المقرب من الدوائر السياسية والأمنية في إسرائيل، نحوم برنياع، عن استعداد الإدارة الأميركية لتجاوز شرط نزع سلاح المقاومة كمدخل سابق لإعادة إعمار غزة، وهو ما يتقاطع مع معلومات من مصادر فلسطينية حول تعليق بعض بنود الاتفاق، بما فيها البند الثامن الخاص بالسلاح، فإننا أمام بداية ظهور مسافة عملية بين ما تريده إسرائيل من الحرب، وما تستطيع واشنطن أن تتحمله من نتائجها في بيئة إقليمية تتسم بالسيولة والتوتر.
مطلب نزع سلاح المقاومة في غزة كان يهدف إلى منح إسرائيل قدرة على إبقاء القطاع في زمن مفتوح، بحيث يمنع الانتقال إلى المرحلة الثانية وتنفيذ التزاماتها وفي مقدمتها الانسحاب والإعمار، بينما يشير التحول الأميركي المحتمل، الى إدراك واشنطن أن المسار الإسرائيلي وصل إلى مأزق، فالقوة الإسرائيلية ألحقت دمارا هائلا بغزة ولبنان وإيران، لكنها عجزت عن تحويل ذلك كله إلى نهاية سياسية نظيفة.
وبصرف النظر عن هشاشة الاتفاق الأميركي-الإيراني، لكن مجرد المضي به، يؤشر إلى أن واشنطن اختارت احتواء النتائج بدل توسيع الحرب إلى نهايتها الإسرائيلية القصوى، على الأقل في هذه المرحلة. لذلك بدأت واشنطن تتعامل مع السقوف الإسرائيلية القصوى كمعرقل للمسار الإقليمي، ومصدر احراج للوسطاء يمكن ان يهدد الاتفاق.
طبعا، الثابت الذي لا يحتاج الى نقاش، ان هذا التحول لا يؤشر إلى تبدل في طبيعة التحالف العضوي مع إسرائيل، ولا إلى تراجع الالتزام الأميركي بأمنها، وإنما يتصل بتباين الأولويات بين ما تراه أميركا في صالح أمنها ومصالحها الإقليمية، وبين طموح الحكومة الإسرائيلية وتطلعها إلى نصر كامل. هذا الفصل يربك نتنياهو والتيار اليميني، الذي يتجهز لخوض الانتخابات المقبلة، لأن صورة النصر التي جرى تسويقها للجمهور الإسرائيلي قامت على وعد بالحسم، وهو ما لم يتحقق.
ولا يعني ذلك أن واشنطن ستكف عن محاولة نزع سلاح المقاومة في غزة، او ان تفاصيل أي اتفاق محتمل لن تكون مفخخة بمحاولة لنزع وظيفته السياسية. فالسلاح قد يبقى موجودا في جزء من غزة، لكن ستحاول الإدارة الامريكية وإسرائيل عزل بيئة المقاومة عن الإدارة والمعابر والمال والشرطة والإعمار، أو ستسعى الى تقسيم غزة إلى مناطق قابلة للتمويل وأخرى مؤجلة، على امل ان يفضي ذلك الى تقسيم غزة الى جزر سكانية مفصولة عن بعضها جغرافيا واجتماعياً وادارياً. هذا المسار أكثر تعقيدا من الصدام المباشر، وقد يكون أكثر خطورة على المدى البعيد، لكنه قد يكون مناسبا لواشنطن لتقطيع المرحلة الحرجة.
إذا تم تمرير هذا الترتيب، قد تستمر إسرائيل في القصف والاغتيال والحصار، وقد توسع معركتها إلى مساحة جديدة مثل خرائط الإعمار ونوعية المواد المسموح إدخالها وأسماء الموظفين وصلاحيات اللجنة الإدارية وطريقة إدارة المعابر.. بحيث تستخدم هذه الإجراءات لإعادة إنتاج الشرط الأمني نفسه، فإسرائيل قد تقبل الحديث عن مرحلة ثانية ثم تترك المرحلة معلقة على تفسير أمني جديد، او تنقل الصراع من العنوان الكبير إلى التفاصيل التي تسكنها الشياطين.
فلسطينياً، أي فصل بين حق الناس في وقف الإبادة وإعادة شروط الحياة المسروقة منهم، والبدء في إعادة الإعمار، وبين شرط نزع السلاح، يعني تجاوزا لمنطق الابتزاز الجماعي الذي يخير الناس بين العيش بين الركام والقبول بتسوية مذلة.
يبقى التحدي الحقيقي في إعادة الإعمار وشروطه، وهي معركة لا تقل خطورة عن معارك الميدان.
هل سيرافق ذلك وقف القصف والاغتيالات والانسحاب من غزة؟ ام ان إسرائيل ستحاول توظيفه لإعادة تشكيل غزة سياسيا من دون أفق وطني او سياسي واضح، وبما يخدم أمن إسرائيل واستقرار الخطة الأميركية؟!
السلطة وشروط الغالب
الكلام الذي أثير عن طلب السلطة الفلسطينية من جنوب أفريقيا وقف الدعوى التي رفعتها ضد إسرائيل بشأن الإبادة في غزة، والجدل القائم حول موافقة الدولة اللبنانية على البند 13 من اتفاق الإطار الذي يقيد حركة لبنان السياسية والقانونية ضد إسرائيل في المحافل الدولية، يضعاننا أمام سؤال مهم: إلى أي مدى يمكن لسلطة واقعة تحت الضغط أن تذهب بعيدا في إدارة السياسة من داخل حساب الخوف والتبعية العمياء لسلطة الغالب؟ وكيف يمكن لهذا النهج أن يحول السلطة تدريجيا إلى جزء من بنية الاستعمار بمفهومه الواسع؟
الأحكام السياسية نسبية بطبيعتها، غير أن الجامع بين الصورتين أن إسرائيل، وهي في ذروة الجريمة، تفكر بعقل واثق بأن من يدعي تمثيل الضحية لديه الاستعداد والقابلية للمساعدة على محو آثار الجريمة، أو التخفيف من كلفتها السياسية والرمزية على الأقل. هذا الأمر يتجاوز كلام التنازل والتفريط في الحقوق وتجريم المقاومة إلى مساحة أشد عرياً، اذ اننا امام ظاهرة فريدة، تطالب فيه الضحية اعانة القاتل على الإفلات من جريمته بأقل خسارة ممكنة.
تستحضرني في هذا السياق فكرة فرانتز فانون حول علاقة السلطة بالسيد المستعمر، والدور الذي تؤديه بعض النخب التي تحمل أسماء وطنية وتتكلم بلسان الشعب، بينما تتولى ترجمة حاجات المستعمر إلى لغة يفهمها الناس ويتقبلونها، فالضغط الخارجي لا يفسر كل شيء مهما عظم حجمه، نحن أمام قابلية داخلية تجعل بعض النخب قادرة على استقبال هذا الضغط وتدويره داخل خطاب وطني ظاهره التعقل وباطنه حماية بنية الظلم والعدوان.
إسرائيل تخوض معركة ما بعد الجريمة بالتوازي مع الجريمة نفسها، رغم علمها أن أدوات العدالة محدودة الأثر في ظل موازين القوة المختلة، لكنها تدرك، في الوقت ذاته، أن ملاحقة المجرم واتهامه قانونياً يراكمان أثراً سياسيا لا يمكن محوه بسهولة.
من هنا يصبح السؤال عن معنى التمثيل وممارسة السياسة باسم الناس ضرورياً: فأي قيمة تبقى لسلطة تتحدث باسم شعبها بينما تقدم ضمانات لمن يقصفه بأطنان المتفجرات بعدم ملاحقته أو الإضرار بصورته؟ هل يمكن تفسير هذا السلوك بمتلازمة ستوكهولم، وهل يكفي أن نقول إن المسألة علاقة نفسية مضطربة بين ضحية وجلاد؟ أم أننا أمام سلطة تشكلت داخل شروط الغالب، وترى في رضاه شرطاً لبقائها، حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الشعب ومصالحه الوطنية العليا؟
منطق الورقة اللبنانية الاسرائيلة، على الاقل الجزء المعلن منها، معروف لنا جيداً نحن الفلسطينيون، خبرناه في مدريد وأوسلو، ولبس أسماء كثيرة، خارطة طريق ومبادرة عربية ودولة مؤقتة، وحل الدولتين ومناطق مصنفة وتنسيق أمني وإصلاحات وتغيير مناهج...
في كل مرة كانوا يقولون لنا إن هذه مرحلة ستفتح الطريق امام قيام الدولة، وإن التنازل الصغير يفتح الباب لمكسب كبير، فإذا بنا نكتشف أن الدولة الموعودة كانت قبراً وسراباً نجري خلفه ولا ندركه.
وما يسمى بالمناطق التجريبية في جنوب لبنان، قريب مما طبق في الضفة الغربية، حيث تم تقسيمها إلى مناطق أ و ب و ج، وقيل لنا إنها مؤقتة، ثم تحولت المؤقتات إلى نظام دائم، لان إسرائيل تحب هذا النوع من الخرائط، وتحب تقسيم المناطق وتصنيفها بالأحرف والألوان، وتوزيعها على المراحل واللجان والترتيبات والتجارب… لأنها تعرف أن الحق عندما يتم تسييله وتجزئته يصبح قابلاً للتأجيل والمساومة، بل يصبح ملكاً لإسرائيل.
اليوم يقولون مناطق تجريبية، وغداً يقولون قرى تشكل خطراً وأخرى أقل خطراً، وثالثة العودة إليها مشروطة، ورابعة مراقبة، وهكذا...
وبعد سنوات سيخرج من يقول للبنانيين إن هذا هو الممكن، والواقعية تقتضي القبول بما تحقق.
هكذا بدأت مآسينا، خطوة صغيرة باسم الواقعية، ثم سلسلة طويلة من التنازلات على أمل أن نمنع الأسوأ، لكن الأسوأ سيتحول إلى وضع دائم لا فكاك منه.
فلماذا يريد لبنان أن يجرب المجرب؟ ولماذا يريد الجنوب أن يدخل إلى لغة جربها الفلسطيني لعقود، وهو يعرف حتماً نهايتها قبل أن تبدأ؟
لبنان اختار أن يذهب منفرداً إلى طاولة أخرى باسم السيادة. قيل إن أحداً لا يفاوض عن الدولة، وإن السلاح لا يجوز أن يبقى خارجها. هذا كلام يمكن أن يفتح نقاشاً لبنانياً جدياً لو صدر في سياق وطني جامع، ولو جاء بعد تثبيت حق لبنان في الانسحاب ووقف العدوان وعودة الناس. لكن ما جرى أن هذه اللغة استخدمت لتجريد لبنان من أوراق قوته قبل الجلوس إلى الطاولة. وجرى تصوير المقاومة كأنها سبب الاحتلال والعدوان، والدولة ضحية سلاح خارج سلطتها لا ضحية إسرائيل، حتى وصل لبنان إلى واشنطن وهو يكاد يعتذر عن الورقة الوحيدة التي جعلت العدو يحسب حساباً للبنان.
ابن صفورية يقرأ اتفاق واشنطن https://t.co/345GX5bL1Oابن-صفورية-يقرأ-اتفاق-واشنطن
أنا فلسطيني لاجئ في لبنان. جدي لم يغادر إلى لبنان في نزهة عائلية ثم ضل طريق العودة. جدي طردته العصابات الصهيونية من قرية صفورية الفلسطينية عام 1948، وطردت معه مئات الآلاف من أبناء شعبي الذين أصبحوا لاجئين في لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة ومخيمات ومنافي الأرض. أقول ذلك لأن البعض قد يكون نسي أن هناك بلداً اسمه فلسطين، اقتلع شعبه من أرضه بالقوة، ومسحت قراه ومدنه وسرقت بيوته، ولم يتبقَّ منها سوى مفاتيح في أيدي أصحابها، تتوارثها الأجيال شاهدة على الجريمة.
من هذه النقطة أقرأ ما يسمى اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل. أقرأه من زاوية الفلسطيني الذي ولد في لبنان وهو يعرف أن له بيتاً في صفورية لا يستطيع الوصول إليه لأن العالم قرر أن اللص أصبح «دولة محترمة»، لها حدود وسفارات وحق في الأمن. لذلك لا أستطيع أن أمر على عبارة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والسلام مروراً عابراً، لأن هذه العبارة، قبل أن تمر فوق جنوب لبنان المحتل وفوق الدماء الطرية التي لم تجفّ بعد، تمر قبل ذلك فوق رقبة اللاجئ الفلسطيني، وفوق صفورية وحيفا ويافا واللد والرملة وعكا والقدس، وفوق أسماء القرى والمدن الأخرى التي حاولوا شطبها من الخريطة وبقيت محفورة في صدور الفلسطينيين.
الذاهبون إلى واشنطن يقولون إنهم يبحثون عن وقف العدوان، وعن عودة أهل الجنوب إلى بيوتهم، وعن الإعمار والسيادة واستعادة قرار الدولة. من يعترض على ذلك؟ ومن هو الذي يريد لأهل الجنوب أن يبقوا تحت النار؟ ومن هو المجنون الذي يستخف بقلق الناس على أولادهم وبيوتهم وحقولهم وأرزاقهم؟ لكن المسألة ليست هنا. لبنان، وهو يبحث عن النجاة من العدوان، لا يملك أن يمنح إسرائيل شهادة براءة من أصل الجريمة، ولا أن يقول لها إن لك حقاً في الوجود فوق أرض فلسطين، كما لا يملك أي عربي ولا أي سلطة ولا أي مؤتمر ولا أي مبادرة، أن يسقط حق شعب اقتلع من وطنه.
هذه الورقة، في منطقها الداخلي ومنطق الجهة التي تريد أخذ لبنان إليها، معروفة لنا جيداً نحن الفلسطينيون. منطق بدأ من مدريد، وتكرس في أوسلو، ثم لبس أسماء كثيرة، خارطة طريق ومبادرة عربية ودولة مؤقتة، وحل الدولتين ومناطق مصنفة وتنسيق أمني وإصلاحات وتغيير مناهج... في كل مرة كانوا يقولون لنا إن هذه مرحلة على طريق الدولة، وإن التنازل الصغير يفتح الباب للحل، فإذا بنا نكتشف أن الدولة الموعودة كانت قبراً وسراباً نجري خلفه ولا ندركه.
أوسلو كانت انتقالاً في مركز السؤال الفلسطيني من منطق التحرير إلى منطق الاعتراف، وتحولاً في جوهر القضية التاريخية، من قضية شعب اقتلع من وطنه إلى برنامج سلطة محاصرة في كانتونات تنتظر تصريحاً من الاحتلال لتمارس حقها في الحياة. منذ تلك اللحظة لم يعد الخلاف الفلسطيني خلافاً على البرامج والوسائل فقط، بل صار انقساماً حول معنى فلسطين نفسها.
هذا هو الدرس الذي لا يريدون للبنانيين أن يروه. إذا كان الشعب الفلسطيني المحتل والمنكوب قد دخل في هذا الانقسام العميق يوم ذهب جزء من قيادته إلى مسار يعاكس معنى المقاومة، فكيف سيكون الحال في لبنان، البلد المثقل أصلاً بالطوائف والمحاور وذاكرة الحرب والخوف من الآخر وتدخلات الخارج وتعريفات السيادة المتنازعة؟ كيف يمكن لعاقل أن يصدق أن ورقة أميركية تقر بأن المقاومة هي المشكلة، وتصور إسرائيل كضحية تحتاج إلى تطمين، سينتج عنها دولة لبنانية أكثر تماسكاً وسيادة؟ هذا كلام لا يصمد أمام تجربة فلسطين ولا أمام تجارب التاريخ.
المسار الذي كان يمكن أن يسلكه لبنان كان في متناول اليد.
لمتابعة القراءة:
إذا كان الشعب الفلسطيني المحتل والمنكوب قد دخل في نفق الانقسام الطويل يوم ذهب جزء من قيادته إلى مسار يعاكس معنى المقاومة، فكيف سيكون الحال في لبنان، البلد المثقل أصلاً بالطوائف والمحاور وذاكرة الحرب والخوف من الآخر وتدخلات الخارج وتعريفات السيادة المتنازعة؟ كيف يمكن لعاقل أن يصدق أن ورقة أميركية تقر بأن المقاومة هي المشكلة، وتصور إسرائيل كضحية تحتاج إلى تطمين، سينتج عنها دولة لبنانية أكثر تماسكاً وسيادة؟
كفلسطيني ولد في لبنان وهو يعرف أن له بيتاً في قرية صفورية لا يستطيع الوصول إليه لأن العالم قرر أن اللص أصبح «دولة محترمة»، لها حدود وسفارات وحق في الأمن، لا أستطيع أن أمر على عبارة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والسلام مروراً عابراً، لأن هذه العبارة، قبل أن تمر فوق جنوب لبنان المحتل وفوق الدماء الطرية التي لم تجفّ بعد، تمر قبل ذلك فوق رقبة اللاجئ الفلسطيني، وفوق صفورية وحيفا ويافا واللد والرملة وعكا والقدس، وفوق أسماء القرى والمدن الأخرى التي حاولوا شطبها من الخريطة وبقيت محفورة في صدور الفلسطينيين.
حالة الانتفاخ وتورم الذات لا تقتصر على الأفراد أو الجماعات، فقد تصيب الكيانات الدولتية كما في الحالة الإسرائيلية، وهذا مؤشر جيد وكاشف في الوقت نفسه. فهذا الزهو المفرط، وتوهم القدرة المستقلة، يكشفان توترا عميقا داخل العقل الإسرائيلي، يقترب من جنون العظمة الذي أصاب إسبارطة عندما عجزت عن إدراك حدود قوتها، وظنت أن هوس العسكرة والرعب الدائم من المحيط كافيان لضمان البقاء، قبل أن يبتلعها التاريخ.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى إسرائيل، فبعيدا عن تخرصات نتنياهو، من دون دعم عسكري ومادي مباشر، ومن دون إسناد فوري وغطاء سياسي كامل ومستمر من الولايات المتحدة، لا تستطيع أن تصمد في أي حرب. ولنتذكر ما كان عليه الأمر صبيحة السابع من أكتوبر.
أخطرُ ما يجري اليوم، وفي صمت وهدوء، هو الدرس الذي استوعبته إسرائيل من ارتباطها بالولايات المتحدة، وهذا الدرس هو بناء قوة ذاتية كاملة تستغني بها عن المظلة الأمريكية إذا استوجب الأمر.
ففي اجتماع مع ضباط الاحتياط في غوش عتصيون، صرّح مجرم الحرب بأن على إسرائيل أن تقلل من اعتمادها على الأسلحة الأمريكية وتطور قدرات تصنيعية مستقلة:
«أقدر حقاً الدعم الذي تلقيناه من أصدقائنا الأمريكيين، لكننا بحاجة إلى نظامنا الخاص»
وخلال المحادثة، أشار إلى التحديات الأمنية التي تواجهها إسرائيل، مشيراً إلى الصراع مع إيران والمنظمات الإرهابية التي تدعمها وفق تعبيره، فإن الحملة ضد طهران لم تنتهِ بعد، ومستقبل إسرائيل في السنوات المقبلة يعتمد على قدرتها على مواصلة وتعزيز قوتها العسكرية والتكنولوجية، قائلاً:
«نحن الآن في مواجهة إيران وتنانينها. لقد هزمناهم. الأمر لم ينتهِ بعد، لكنه يعتمد على قوتنا»
مضيفاً: «أينما كنا بعد ثلاثين عاماً، فإن ذلك يعتمد على قوتنا. ولذا فإن ما نقوم به في الوقت الحالي هو بناء قوة إضافية»
هذا درس للعرب لبناء المناعة العسكرية الذاتية
@al_faouzi68003 إسرائيل، من دون دعم عسكري ومادي مباشر، ومن دون إسناد فوري وغطاء سياسي كامل من الولايات المتحدة، لا تستطيع أن تصمد في أي حرب واسعة وطويلة. ولنتذكر ما كان عليه الأمر صبيحة السابع من أكتوبر..
محور سني ومحور شيعي أم أمة في مواجهة إسرائيل؟
الحديث عن ثنائية تحكم المنطقة بين "محور شيعي" و"محور سني" اختلاق جديد صار يتردد في الإعلام العربي كما لو أنه قدر سياسي.
من يريد أن يعرف خطورة هذا التصنيف فلينظر أولاً إلى الجهة التي أطلقته وروجت له. نتنياهو تحدث عن تفكيك محور شيعي قائم ومواجهة محور سني يتشكل، كأن الرجل الذي يمثل رأس المشروع الصهيوني في المنطقة صار هو المرجع الذي يحدد لنا أسماءنا وأعداءنا، ثم يأتي بعض أبناء هذه المنطقة، من أصحاب الشاشات والمقالات ومراكز الدراسات، فيرددون الكلام نفسه ويضيفون إليه شيئا من الزخرفة التحليلية.
هل أصبح نتنياهو فقيها ومتخصصا بمباحث العقيدة وتاريخ المذاهب؟ أم أن الأمر توظيف خبيث لتصنيفات تعزل إيران وحلفاءها في الوعي العربي والإسلامي، وتخلق منذ الآن لافتة جاهزة لأي محاولة عربية وتركية أو إسلامية لترتيب الإقليم بعيداً عن السقف الأمريكي والإسرائيلي؟
كل قوة ترفض أن تكون جزءا من الحديقة الأمنية الإسرائيلية ستجد لها اسما جاهزا ينتظرها، شيعية راديكالية أو سنية راديكالية أو إسلامية متشددة أو أي شيء آخر، المهم أن تبقى إسرائيل في موقع القاضي الذي يوزع شهادات الاعتدال والتطرف.
بعض النخب العربية لا تسأل لماذا يستعمل نتنياهو هذه التصنيفات الآن؟ ولماذا تأتي بعد حرب الإبادة على غزة، وبعد العدوان على لبنان وإيران وتهديد استقرار المنطقة كلها؟ وما علاقة كل ذلك بالمحاولات الإسرائيلية المعلنة لبناء محور سداسي يضم إسرائيل مع الهند واليونان وقبرص ودول عربية وأفريقية وآسيوية، في مواجهة ما سماه "المحور الشيعي الراديكالي" و"المحور السني الراديكالي الناشئ".
في هذه الثنائية شيء من رائحة الاستشراق والاستعمار القديم الجديد، الذي يرى المنطقة طوائف وقبائل وأقليات وهويات متشاكسة تخاف من بعضها بعضا. وهذا المنطق لا يزال يعمل وإن اختلفت المسميات، مرة باسم حماية الأقليات، وقبلها مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية، وأحيانا من خلال فرز المنطقة بين دول معتدلة وشريرة، واليوم يأتينا في صيغة "محور شيعي" و"محور سني".
كأن قرنين من الهجمة الغربية واستعمار منطقتنا وزرع إسرائيل فيها وتمزيق الدول العربية ونهب الثروات وبناء القواعد الأجنبية يمكن دفنها كلها تحت هذا الفرز المذهبي البارد.
هل إيران، بكل تاريخها وحسابات أمنها وصراعها مع أمريكا وإسرائيل مجرد عنوان شيعي؟ وهل تركيا بتاريخها ومصالحها في المتوسط والقوقاز وسوريا والعالم الإسلامي، مجرد عنوان سني؟ وهل السعودية ومصر وقطر والإمارات وعمان والأردن وباكستان وماليزيا وإندونيسيا كتلة سنية تتحرك بإرادة مذهبية واحدة؟ وأين نضع فلسطين وغزة التي قاتلت وحوصرت وجاعت وقصفت؟ وكيف يمكن التعامل مع المقاومة الفلسطينية وفق هذا التصنيف؟ وكيف يمكن لهذا التبسيط أن يتعامل مع سنة يتحالفون مع إيران، وسنة يطبعون مع إسرائيل؟ وهل كل الشيعة يتفقون مع إيران؟ أليست هناك دول سنية تتصارع فيما بينها؟ فكيف يستقيم هذا الفرز الأعمى؟
لا انكر أننا أمة لا يزال يسكنها التاريخ أكثر مما تسكن هي في الحاضر، وهو أمر محمود ومذموم بحسب زاوية النظر، ولا مجال للاستطراد في هذه المسألة هنا. لكن الواقع يقول إن التوظيف المذهبي موجود فعلاً، والجراح بين السنة والشيعة في أكثر من بلد حقيقية ومؤلمة، وهذا يجب أن يقال بوضوح، لأن الوعي التحرري الذي يخاف من النقد سيبقى وعياً أعرج. لكن تحويل هذا العنوان إلى أداة لتبرئة إسرائيل وتلميعها، فليس من الوعي في شيء.
الأخطر من ذلك أن هذه الثنائية تطرد فلسطين من مركز التفكير، وتغيّب حقيقة إسرائيل بوصفها مشروعا مزروعا في قلب المنطقة، والأداة الكبرى التي منعتها من الاستقرار والنهوض والاستقلال الحقيقي.
لا أقول إن كل خرابنا بسبب إسرائيل وحدها، فهذا تبسيط يريح العقول الكسولة ويعفينا من تحمل المسؤولية، لكنني أقول إن أي قراءة للمنطقة تجعل إسرائيل تفصيلا بين تفاصيل أخرى، أو تجعلها طرفا طبيعيا في نظام أمن إقليمي، هي قراءة فقدت بوصلتها، وتريد منا أن نبتلع ثنائية "المحور الشيعي" و"المحور السني" كما ابتلعنا من قبل أوهام السلام والتسوية والاتفاقات "الإبراهامية" والشرق الأوسط الجديد.
أخذتَ بأعضادهم إذ وَنُوا
وخَلَّفكَ الجُهدُ إذ أسرعوا
وأصبحتَ تَهدي ولا تَهتدي
وتُسمِعُ وعظاً ولا تَسمعُ
فيا حجرَ الشَّحذِ حتى متى
تَسُنُّ الحديدَ ولا تَقطعُ
أبو الفتوح، احمد الغزالي
للأسف قبل عقود اغرقت الساحة الإسلامية بخطاب تجديد الفكر الإسلامي، والنتيجة مناهج ونظريات كثيرة لم تنتقل الى حقل التطبيق، اما الان انتقلنا الى تطبيقات بدون مناهج، استلاب معرفي تزدحم به عشرات المنصات، لا هم لها سوى اقناعنا بان ما نعرفه عن ذواتنا وتاريخنا وديننا مجرد وهم وفهم مشوه.. ابوية مقيته برداء حداثي..
المخالفة تحدث جلبة، لكنها لا تصنع فكراً ولا تعيد كتابة التاريخ!
هذه الحلقة وشبيهاتها مثال على بعض النخب العربية التي تعتبر أن طريق الحداثة، على فرض أنها نتيجة محمودة، يمر بالضرورة عبر احتقار تاريخها وتراثها ومقدساتها، بل والاعتراف أمام الغرب بازدراء الذات.
المشكلة أن هذه النخب تحمل عقدة تجاه العامة، إذ لا تثق بقدرتهم على الوعي والفهم، وتخاطبهم باستعلاء، وتريد أن تؤدبهم وتحررهم من الخرافة، لكنها تعيد إنتاج بنية الوعظ التي تهاجمها، من خلال إنتاج مسلمات ونتائج نهائية جاهزة بلغة ساخرة ومتعالية ومتعالمة..
الثقة المفرطة عند هؤلاء تورطهم في وهم أن الصدمة قادرة وحدها على تحرير العقل، من دون أن ينتبهوا إلى أن التلاعب بالوعي الجمعي والتاريخي وخلخلة ثقة الجمهور به قد لا يقوده بالضرورة إلى معرفة أعمق، وقد يدفعه إلى عصبية دفاعية تحتمي بالموروث من دون مراجعة، أو إلى انبهار سهل يظن صاحبه ان هدمه فعل تنويري.
وحتى لا يفهم الأمر على أنه انتقاد للاتجاهات الفكرية التي تدعو إلى التجديد الفكري والديني، أو إعادة قراءة التاريخ ومراجعة الموروث وتنقيته، أقول إن ذلك أمر محمود ومطلوب، وقد يكون تأخر كثيرا إلا من بعض المحاولات التي لم تتجاوز عتبة التنظير، لكن ذلك يفترض ابتداء وجود فضاء علمي هادئ يحترم معنى المنهج والمصدر وطبيعة الرواية وكيفية تشكلها داخل الاجتماع الديني والسياسي. أما أن يخرج هذا العمل من شروطه المعرفية، ويدخل المجال الإعلامي محمولا على ثقة خطابية كبيرة وجمل صادمة وقاطعة يتم تسييلها كوجبات سريعة في المنصات، فيعني ذلك أن نحول قراءة التاريخ إلى مغامرة على يد من يقدم نفسه كأنه اكتشف التاريخ أخيرا دفعة واحدة، أو كأنه أحاط بما لم يحط به غيره، وجاء من سبأ بنبأ يقين.
ظاهرة يوسف زيدان مثال على هذا النهج الأعرج، لأن أصحابها يضعون أنفسهم دائما في منطقة ملتبسة بين المؤرخ أو الدارس الذي يفترض أن يصبر على البحث العلمي ويحترم أصوله، والممثل الذي يوظف الجمل الحادة والقاطعة لتصنع أثرا فوريا في الجمهور. وتزداد خطورة هذا النهج حين تنحصر المراجعة في عناوين محددة بذاتها، فتعمل كمفاتيح نفسية تضرب الخيط الذي يصل تاريخ الأمة وميراثها بتحديات راهنة لم تغادرها.
مثال على ذلك الغبار والجلبة اللذان يثاران حول القائد صلاح الدين، أو قداسة القدس والمسجد الأقصى، أو موقع معركة عين جالوت في الذاكرة الإسلامية، وغيرها، وفي هذا التوقيت بالذات. فهذه عناوين تمس بشكل مباشر علاقة الناس بذاتهم وبفلسطين وبفكرة القدرة على دفع الغزو ومقاومة العدوان. فحين تحشر هذه الرموز في زاوية الاشتباه، وتصور للناس كاختراعات متأخرة أو بقايا وعي أسطوري أو توظيفات سياسية محضة، تجردها عمليا من الطاقة التاريخية والتعبوية التي تمنح الجماعة معنى الاستمرار والصمود، وتفوت عليها ربط حاضرها بمخزون طويل من المقاومة والقداسة والتمسك بالحق.
فالصراع حول القدس والمسجد الأقصى أعمق من حجارة المكان ودلالاته الأثرية او العمرانية، فهو صراع على الرابطة التي تجعل فلسطين جزءا من وعي الأمة العربية والإسلامية بذاتها ومسؤوليتها وامتدادها الديني والثقافي والتاريخي وحتى الواقعي. لذلك فإن نزع القداسة عنه يخدم المشروع الصهيوني، عن وعي أو غير وعي، وهو المشروع الذي يعمل منذ عقود على عزل فلسطين عن الأمة، وعزل الأمة عن فلسطين.
أيضا، الوسيط الإعلامي ليس بريئا في هذه الظاهرة. الشاشة لا تصلح بطبيعتها لمراجعة التاريخ في نصف ساعة، خصوصا حين تكون الغاية صناعة اللقطة، هذا إن أحسنا الظن. فالبرنامج التلفزيوني يريد انتقالا سريعا من المقدس إلى السياسة، في تدفق يوحي بالإحاطة وبثقة حاسمة عن ملفات ضخمة، من دون مساحة للتوقف عند الدليل والحجة. والأخطر أن الخطاب ذاته يتكرر عبر شخوص مختلفة أو عبر منصات عديدة تتناول الشخص ذاته، كأن المطلوب هو تكرار الكذب حتى يبدأ الناس بالتطبيع معه، أو التسليم بأن الأمر مسألة خلافية لا يمكن القطع بها.
إخراج الناس من الأسطورة والخرافات الشعبية لا يتحقق بإدخالهم في احتقار الذات، ولا بتدريبهم على الشك في تاريخهم ومعتقداتهم ورموزهم من دون مسوغ منهجي. ما نحتاجه في هذا الوقت، الذي تمر فيه الأمة العربية والإسلامية بأقسى مراحل الاستضعاف والهوان، هو قراءة للتاريخ تعلمنا كيف تشكلت رموزنا، وكيف استعملت، وكيف ضخمت، وكيف صمدت..
ما نحتاجه قراءة جديدة لهذا التاريخ من دون أن نفقد علاقتنا بالحق الذي حمله، أو بالمعنى الذي احتفظ به الناس داخل وجدانهم وشكل دافعا لهم عبر العصور للبقاء والنهوض من جديد.
يوسف زيدان: المغول انتصروا في عين جالوت | #حديث_العرب https://t.co/k9pnbXwBan via @YouTube
خيانة أشباه المثقفين
المثقف الخائن مصطلح نحته المفكر والروائي الفرنسي جوليان بندا في سياق التجربة الأوروبية، ثم تطور هذا المفهوم على يد المفكر والطبيب النفسي المناهض للاستعمار فرانتز فانون، الذي عرف أيضا باسم إبراهيم عمر فانون أثناء التحاقه بالثورة الجزائرية، من خلال الإضاءة على علاقة الاستلاب التي تربط الخاضع للاستعمار بالقوة المستعمرة. ولاحقا أعاد المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد تفكيك هذه الظاهرة، وانتقل بها إلى مجال الصناعة الأكاديمية والإعلامية وعلاقتهما بالسلطة والاستبداد والاحتلال، ووضعها في إطار العبودية الفكرية والطاعة التي تعطل العقل النقدي.
ربما لو عاش هؤلاء المفكرون في هذا الزمن المضطرب لأعادوا النظر في حدود هذا المفهوم، لأن المسألة صارت أوسع من خيانة المثقفين بالمعنى القديم. في الماضي كان المثقف، كي يثبت جدارته، يمر عبر مسار طويل من الإنتاج المعرفي، وحضور الموقف، والتأثير في النقاش العام، ثم تأتي لاحقا لحظة محاكمته أخلاقيا ومعرفيا عندما يتحول عن وظيفته الأصلية أو يضع رأسماله المعرفي في خدمة القوة أو السلطة.
أما اليوم فقد ظهر فضاء كامل يصنع أشباه المثقفين، ويصدرهم إلى المجال العام ويمنحهم هيبة الخبرة، كي يمارسوا نوعا من الاستبداد المعرفي على المتابعين. وكثير من هؤلاء ينتحلون صفة خبير ومحلل وباحث وكاتب ومفكر، من دون أن يمروا باختبار المعرفة أو الجدارة، ورصيدهم الوحيد هو في براعتهم في إعادة تشكيل الغريزة الأخلاقية للمجتمع، وإقناع الناس بالخضوع عبر قراءة الاحداث بلغة باردة تبدو واقعية وعقلانية، وكأنهم يريدون إنقاذ الناس من أوهامهم، بينما هي في حقيقتها لغة لتدريب الوعي على تقبل الظلم والقهر وتبرير القوة الغالبة، واتهام كل مقاومة لها بأنها تهور غير محسوب النتائج.
المشكل أن كثير من هؤلاء غارقون، من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، في الاستلاب المعرفي والانبهار الساذج بالغرب. يستعيرون مناهجه ولغته الأكاديمية وخطابه السياسي، ثم يسقطونه على مجتمعاتنا كأنه منطق كوني أو أدوات محايدة. فكيف يمكن لهذه الأدوات، التي نشأت في سياق غربي مخصوص، أن توفر قيمة تفسيرية لواقعنا من غير مساءلة أو إدراك لطبيعة الاختلافات الجوهرية في تصوراتنا عن الإنسان، والدين، والمجتمع، والأرض، والمقاومة، والسلطة، والتقدم..؟ وكيف يمكن لها أن تقدم إجابات عن الأسئلة التي تواجهنا، وهي لم تختبر تحولاتنا الاجتماعية، ولم تتطور داخل تجربتنا التاريخية الطويلة؟
إذن، فالخيانة في أحد وجوهها تكمن في التغريب والاستلاب الثقافي، عندما يردد هؤلاء مقولات الغرب، ويستعيرون عدساته التي يطلون من خلالها على آلامنا وجراحنا وغضبنا، فيحولونها إلى انفعال عاطفي سلبي، أو عجز عن فهم موازين القوى. هؤلاء يتكلمون بلغتنا، لكنهم يفكرون من خارج جراحنا. يحملون أسماءنا وقضايانا في مقالاتهم ومحاضراتهم ومداخلاتهم التلفزيونية، غير أن الميزان الذي يحتكمون إليه ليس ميزاننا، بل ميزان العالم المختل الذي يطلب منا أن نتنازل كي يُعترف لنا بقدر محدود من الوجود.
المستعمر والقوة المهيمنة يحتاجان إلى هذه اللغة المخادعة. فإذا وجد من أبناء جلدتنا من يؤدي هذه الوظيفة بلغة الثقافة، فقد حقق شكلا من السيطرة أنعم من القهر المباشر وأبقى أثراً منه. هذه اللغة تلوث آذاننا بالتزييف وتحوير الحقائق؛ لغة باتت تسمي الاحتلال والعدوان نزاعا أو تصعيدا، وتزين التبعية ونهب الثروات بكلمات معسولة عن الشراكة والاستثمار، وتبرر المجزرة بحجة الضرورات الأمنية، بينما تصور مقاومة الظلم كأنها مشكلة أخلاقية تعطل السلام.
ليس مطلوبا من المثقف أن يغير العالم وحده. وكما أن المثقف يخون ذاته وناسه عندما يجهد لإرضاء السلطة أو تقليد المستعمر وتبني منطقه، فإن الناس لا يحتاجون إلى مثقف شعبوي يمدح آلامهم أو يزين أوهامهم.
المثقف الحر والملتزم يجب أن يسأل نفسه دائما: لمن تعمل هذه اللغة التي أكتب أو أتحدث بها؟ هل تمنح الناس قدرة أعمق على الفهم والفعل، أم تدربهم على قبول الظلم والقهر والهيمنة؟ هل تجعلهم يرون أنفسهم من داخل حقهم وتجربتهم، أم تعيد تشكيلهم وفق الصورة التي تريدها القوة الغالبة؟
ترامب يطلب من سوريا أن تؤدي وظيفة أمنية لمصلحة إسرائيل التي تحتل أرضها، ضد قوة مقاومة تواجه هي الأخرى عدواناً واحتلالاً إسرائيلياً..
هو لا يرى سوريا دولة ولا لبنان دولة، ويتعامل معهما كساحتين وظيفيتين، يراد لكل منهما أن يؤدي دوراً يخدم سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.
لذلك، بعد أن فشلت إسرائيل في القضاء على المقاومة اللبنانية، وبعد أن فشلت في استدراج اللبنانيين إلى القيام بهذا الدور نيابة عنها، يُطلب اليوم من سوريا أن تدخل في هذه الوظيفة. وهي دعوة جد خطيرة، يراد منها توريط المنطقة في حرب أهلية ومذهبية، تبقي إسرائيل خارج الصورة، وتعفيها من الأثمان السياسية والعسكرية والأخلاقية..
الرهان بطبيعة الحال على الوعي في سوريا وفي لبنان، فالبلدان العزيزان على قلوبنا لا يحتاجان إلى نكء الجراح ولا إلى الاستثمار في الخراب، ما يحتاجانه الآن هو تحرير أرضهما من المحتل نفسه، والحفاظ على وحدتهما، وإعمار مدنهما، وبناء دولتهما، ومنع تحويل مآسيهما إلى أدوات في يد إسرائيل والولايات المتحدة...