للحصول على كتابي "منطق القرآن" من عدة منصّات يرجى الدخول إلى الرابط التالي، ستجدون فيه طرقا مختلفة: واتساب، أبجد، جوجل بوك، إي رف.. ويمكن الحصول عليه بنسخة ورقية أو إلكترونية.
https://t.co/HsFVfUIOme
هل بيان القرآن على الله عزّ وجلّ أم على الرسول صلى الله عليه وسلّم؟
ستجدون الإجابة في هذه الحلقة الثانية من سلسلة "حديث الآيات".
أرجو لكم مشاهدة نافعة، رابط الحلقة:
https://t.co/UB8vnOWzyT
النقش المتداول حديثًا وفيه ذكر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرب المدينة ليس اكتشافًا حديثًا، بل هو موثّق منذ سنوات، ويبدو أنّ هيئة التراث السعودية قد وثّقتْه حديثًا.
لكن لفت نظري في هذا النقش مركزية مفهوم "الولاء" في حسّ أهل ذلك الجيل:
الله وليّ عمر بن الخطاب
في الدنيا والآخرة
لا إله إلا الله
قال تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}، وقال عزّ وجلّ: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}.
والوليّ: هو الناصر والمعين والحافظ. والمسلم يتّخذ الله وحده سبحانه وليّا فهو من أركان التوحيد: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
والمؤمن يوالي المؤمنين: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
وهو لا يتّخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}. فتلك من صفات المنافقين: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إنّا كنّا أذلَّ قوم فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزّة بغير ما أعزّنا الله به أذلّنا الله".
رحم الله عمر بن الخطاب.
هذا رابط صفحة توثّق النقش، وتستطلع نقوشًا أخرى في نجران فيها ذكر عمر بن الخطاب، وبرديةً فيه اسمه، ونقوشًا أخرى لبعض أحفاده: https://t.co/EpHbeAwTPa
ليس سرّا ما يحدث في الأوساط الدعوية من تضخيم التهم التبديعية و"تبهيرها" وانتشار الشائعات: فلان شيعي، لم يكن يصلي في المسجد، كان مؤيدا لكذا، درس في كذا، أنا بنفسي كان لي معه موقف كذا.. وغيرها من القصص التي يكون لبعضها أصول ويكون بعضها قد تضخّم بالتناقل ومع وجود بيئة نفسية قابلة للتضخيم!
وهذه آفة عامة في تاريخنا الإسلامي مع الأسف: ضُرب الإمام النَّسائي وأوذي في الشام لاتهامهم بالتشيّع وموقفه من فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه!
وحذّروا من البخاري وأخرجوه من عدة بلدان ومات منفيّا لأنّه اتُّهم بالقول ببدعة اللفظية.
واتُّهم الطبري من طرف حنابلة بغداد أنّه رافضي ومنعوا الناس من الدخول عليه واشتدّ الأذى عليه.
وغير هؤلاء كثير من العلماء الفضلاء ممن اتهموا تهمًا إما أن تكون باطلة، أو يكون لها طرف لا يمتّ للتهمة بصورتها المضخّمة بصلة. كالحكيم الترمذي مثلا، الذي كان يقول بوجود ختم للأولياء، فاتُّهم بتقديم الأولياء على الأنبياء وهو كفر (برّأه من هذه التهمة ابن تيمية والذهبي). ومن الطريف أنّ أحد المحقّقين الكبار حين قرأ عبارة واضحة للحكيم الترمذي في أحد كتبه ينفي فيها هذا المعتقد الفاسد، ذهب إلى أنّ هذه العبارة ربّما تكون قد أُدخلتْ لاحقًا!
وهذا مع الأسف لم يتغيّر في عصرنا، وتحديدًا في الأوساط الدعوية. ومن الطرائف التي حدثت معي شخصيا (وأنا "لاش اللاش" كما يقول الصوفية) أنني كنت في مطلع الشباب أعقد بعض الدروس في مساجد بلدي في التوحيد ومقتضياته، فأثار ذلك حفيظة بعض المجموعات الدعوية الناشطة في البلد، ومن بينها المداخلة. فناظرني أحدهم في السوق، وحين رفضت أن أردّد عبارة عقائدية مبتدعةً يريد إلزامي بها، لأني لم أجدها وردت عن القرون المفضّلة الأولى من الصحابة وأُسقط في يده؛ روّج أنّني "معتزلي" ووزّع الكتب في التحذير من المعتزلة! :)
وفي هذا الصدد لدي نصيحتان:
- لا تعرف اعتقاد الرجل ممّا يقوله عنه خصومه، بل اقرأ مقولاته أو مقولات تلاميذه وأنصاره واحكم عليها بنفسك.
- اعترض على الجَور حتى لو حلّ على خصمك، بل تحديدًا إذا حلّ على خصمك، فإنْ لم تفعل بحجّة أنّه "مبتدع" فقد يأتي اليوم الذي يحلّ الجَور عليك ولا تجد لك ناصرًا أو معينًا.
عجيب ما يحدث في سورية لرجل في هذه السنّ!
رجل مسنّ مغيّب في الحبس منذ أربعة أشهر دون أن يعرف أهله شيئا عنه
لو سمعت هذا الخبر في العهد البائد كنت سأفهمه
هذا أمر يستحق الانتباه ولعله يقرع ناقوس الخطر لدى العقلاء!
كتب محمد أمير ناشر النعم في فيس بوك:
منذ أربعة أشهر تقريباً، وتحديدًا في 5 آذار الماضي اعتُقل الدكتور الشيخ حسن محمد علي عبارة من حي الشماس في حمص. فسألت عائلته عنه في دائرة العلاقات العامة التابعة لوزارة الداخلية بحمص فأجابوهم هو عندنا للتحقيق.
طلبوا زيارته فلم يحصلوا عليها حتى الآن، وتواصلوا مع المسؤولين في حمص ودمشق حتى يعرفوا كنه هذا الاعتقال وسببه فلم يُعطوا جواباً.
شارف الدكتور الشيخ حسن على الثمانين، ولكن ذلك لم يحمه من الاعتقال المتعسف أو بالأحرى من التغييب القسري، ولم يحمه تاريخه المشرّف من هذه القسوة في التعامل معه حيث لا يعرف أهله عنه أية معلومة من لحظة اعتقاله حتى الآن.
كان السيد حسن ضابطاً في الجيش السوري، وسُرّح سنة 1975 بسبب التزامه الديني، فتفرغ لطلب العلم وتخرّج من كلية الإمام الأوزاعي، ثم حصل على الدكتوراة في الدراسات الإسلامية، ولوحق أمنياً مرات عديدة، واعتقل في الأفرع الأمنية عدة مرات.
كان من دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وبعد اغتيال الحريري عام 2005 اتخذ موقفًا علنيًا ضد حزب الله وضد السلطة الأسدية نفسها، واعتُقل سنة 2010 وسُجن في صيدنايا، ثم أُفرج عنه سنة 2012، واعتُقل مرة أخرى سنة 2015 لمدة عام في فرع فلسطين، ثم اعتُقل سنة 2018 بعد كلمة ألقاها في جامع خالد بن الوليد دعا فيها لخروج الاحتلال الإيراني ومليشياته من سوريا، واستمر اعتقاله حتى عام سنة 2022، واعتقلت السلطة الأسدية أحد أبنائه قرابة الثلاثة سنوات، واستُشهد أولاد أخيه عمر وعلي في سجن صيدنايا، ودُمّر منزله ومنازل إخوته جميعاً في الحولة بالقصف الأسدي المجرم.
والشيخ اليوم يقبع في مكان مجهول بدلاً من تكريمه والإشادة به.
إن كان هذا الرجل مذنبًا فأعلموا أهله وأخبروهم بذنبه، واسمحوا لهم بزيارته وتوكيل محام له، وإن لم يكن كذلك فأطلقوا سراحه فوراً.
لا يوجد اتهام واضح. بل لا يوجد معلومة واحدة حول اعتقاله.
هل نحن في دولة قانون؟ إذن فهذا المنشور يكفي للتذكير به، وتصحيح هذا التجاوز القانوني الذي لا يبشر بخير! أم نحن في دولة بوليسية ويجب أن نرفع أمرنا إلى المنظمات الحقوقية والدولية لإنصاف رجل طاعن في السن من جور هذه الإجراءات الظالمة؟
تحديث: أضاف في التعليقات ابن مدينته الحولة الأستاذ الصحفي مصطفى السيد أنّه اعتُقل أول مرة للتظاهر في حمص عند استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970.
نعود إلى المقاطع المرئية
هذه المرة مع سلسلة جديدة بعنوان "حديث الآيات"، توضّح معاني الكثير من الآيات، وتتضمّن تصحيح بعض المفاهيم وهدم بعض الشبهات حول القرآن وآياته.
وفي هذه الحلقة الأولى نتحدث عن قوله تعالى في سورة النحل {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. ونكشف خطأ من زعم أنّ البيان هو مجرد التلاوة أو القراءة أو إظهار القرآن.
أرجو لكم مشاهدة نافعة
رغم كل ردودي على الشحارير محرّفي القرآن ومنكري السنن، لكن لي وجهة نظر يراها بعض الناس "تعاطفًا" معهم.
ذلك أنّي رغم إساءتي الظنّ في رؤوسهم، أحسب أنّ آفة الكثير من أتباعهم أو المتأثّرين بهم "الغباء" فضلا عن الجهل والهوى. نعم كما سمعتم، الشحارير إن لم يكونوا مرتبطين بمؤسسات معادية لدين الله عزّ وجلّ فهُم أهل غباوة وحُمق!
فلا يوجد توصيف آخر أدق لحالهم إذا استبعدنا تعمُّد المغالطة والتغافل عن الآيات وعن الحقائق العلمية الواضحة لأغراض خبيثة.
خذ مثلًا مقولة "القرآن ليس في حاجة إلى أي مصدر خارجي في فهمه، فهو مبين ومفصّل". مع أنّه من البديهيّات أنّك لن تستطيع فهم كتاب الله عزّ وجلّ إلا بمعرفة متوارثة من خارج القرآن حول معاني العربية ونحوها وصرفها ونظامها، كما قال تعالى واصفًا كتابه: {بلسانٍ عربيٍّ مبين}، مع أخبار حول سياق الآيات ونزولها، فضلا عن وجود أحكام مركزية مجملة في القرآن كالأمر بإقامة الصلاة لا يمكن معرفتها سوى بالاطلاع على تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلّم كما قال تعالى واصفًا إحدى المهامّ المركزية للرسول: {ويُعلّمكم الكتاب والحكمة}.
فالقرآن ينطق بوجود مصادر خارجية متوارثة (معرفة العربية + معرفة تعاليم الرسول)، فضلًا عما تستلزمه بعض الآيات من معرفة السياق والحدث لفهمها واستخلاص الدروس منها، ومع ذلك يصرّ هؤلاء على تكرار هذه المغالطة التي تمثّل مقولة مركزية في منهجهم الفاسد، وهي أنّ القرآن لا يتطلّب أي مصدر خارجي لفهمه! ويتّهمون العقلاء الذين يقرّون بهذه الحقائق - التي لا تتعارض مع بيان القرآن وتفصيله بل تندرج فيه - بأنّهم يعارضون كتاب الله تعالى! مع أنّ الشحارير في ذلك مناقضون لكتاب الله، معطّلون لكثير من أحكامه، ناكصون عن إعمال قواعد العربية وعن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلّم كما أمرهم الله في آيات كثيرة!
فالذي يُصرّ على تكرار هذه المغالطة: إما صاحب هوى يعرف الحقّ ويعاند كِبرًا، أو صاحب هوًى أحمق، أو عدوّ للإسلام مجنَّد، أو ذباب إلكتروني، أو مزيج من ذلك كله من حيث يدري أو لا يدري! مهما نخر وزعم أنّه "يتدبّر" و"يتفكّر"، فإنما هو يعلن عن مخالفته لمنطق القرآن وللتفكير العقلي السليم، ويدلّ بذلك على جهله وغباوته!
@M_GabALLAH75 ربما، لكن قوله ذلك (وأعرف أن الكلام ليس جديدا) في قناة كهذه مع ذكره السعودية وبعض الآراء الأخرى يجعله في موضع أبعد من مجرد رأي ظاهري. بل إن التركيز على جمل الشريعة أمر محمود ولا ينحصر في الظاهرية
لماذا لا نجمع الأحاديث النبوية الصحيحة الموثوقة ونتخلّص من كل ما عداها؟
الدعوة إلى جمع الأحاديث الصحيحة كلها في كتاب واحد بهدف تحديد السنّة وحصرها وحتى "نخلص" - كما قال مرّة الدكتور بشّار عوّاد معروف - هي دعوة متكررة من عدة أشخاص، ورغم وجود أكثر من كتاب بذل هذا الجهد ككتاب "معالم السنّة النبوية" للشيخ صالح الشامي حفظه الله، وكتاب "جامع السنّة" لعبد العزيز المقحِم، (وهو جمع مبارك لتيسير الدراسة لا للاختزال)، فإنّ الهدف الذي يسعى من أجله من يريدون "الحَصر" هدف وهميّ، والسنّة – أعني القطعي منها – محفوظة، وثمّة جوانب تتسع للأنظار المتباينة والاجتهادات المختلفة من السنن النبوية وهي كثيرة، وهذه ستظلّ في حالها من حيث تباين درجة القطع والظنّ ثبوتًا ودلالةً إلى يوم القيامة.
ينطلق أصحاب هذه الدعاوى من نزعة علموية كامنة أحيانًا وظاهرة في أحيان أخرى، غايتها "تحديد" الدين بحدود صارمة كما لو كان معادلة رياضية، مسايرةً لمزاج هذا العصر الذي يفكّر في الدين "رياضيّا" لا "إنسانيّا"، ويستشعر المسلمون في سياقه بالحرج، ففكرة وجود أحاديث كثيرة ضعيفة أو مختلف حولها هي فكرة غير مريحة لأصحاب هذا المزاج الرياضيّاتي، فهم يريدون الدين كمعادلة رياضية محسومة، غير مدركين زيف هذه الرؤية وطفوليّتها، وأنه ما دام الدين خطابًا للإنسان فستظلّ فيه تلك المساحة المرنة التي تتسع لمختلف الأفهام والأنظار، مع وجود مساحة قطعية يمكن حصرها بسهولة عبر استقراء القطعيات التي اتفق عليها أئمة العلم.
الأمر الآخر الذي لا ينتبه إليه هؤلاء أنّ "السنّة" النبوية، إذا فهمنا أنّها تتضمّن بيان القرآن وتفصيل كثير من الأحكام التي لم تُذكر فيه، لا تنحصر في "الأحاديث" حتى يكون جمع كتاب نقرر أن كلّ ما فيه "أحاديث صحيحة" حلًّا لأزمة ما، فهذه السنّة ممتدّة في نسيج متداخل ضمن مختلف العلوم الإسلامية المبكّرة، بدءًا بالفقه الذي حمل فيه الفقهاء الأوائل "المعروف" من السنن حتى لو لم يحفظوا فيه حديثًا محدّدًا بسند، وستجدهم يذكرون هذا النوع من السنّة باسم "السنّة" تارة وباسم "الإجماع" تارة أخرى، كما ستجد هذه السنّة في دواوين الحديث والآثار، وستجدها في كتب التفسير المبكّرة التي جمعت آثار الصحابة وما اتفقوا عليه من معاني القرآن نظرًا لصحبتهم النبيَّ صلى الله عليه وسلّم وحفظهم ما علّمهم من الكتاب والحكمة.
فمن أراد معرفة قطعيّات السنّة – وهو أمر أساسي - فليعمد إلى ما اتفق عليه أهل الفقه والتفسير والحديث في القرون الأولى من حقائق الدين وشرائعه، ولينظر ما ليس من كتاب الله من ذلك أو كان تفصيلا له، فهذه هي السنن النبوية القطعية؛ لأنّ الصورة لا تكتمل بالأحاديث المسندة الصحيحة وحدها رغم مركزيّتها وكونها من أجلى الأوعية الحافظة لسنّة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولكنّها تحمل أيضًا أحداثًا ومواقف مختلفة، وإنْ كان الغالب عليها توثيق ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلّم وما فعله وما أقرّه تبليغًا لحقائق الدين وشرائعه.
وما يغفله هؤلاء الذين يريدون مصنّفًا جامعًا للسنّة الصحيحة كي "نخلص" من باقي الدواوين التي حملت السنن والآثار أنّ قيمة هذه المصنّفات المتعدّدة الكثيرة هي في تنوّعها وتعدُّد مصادرها ومشاربها وأساليبها ومذاهب أصحابها وآفاقهم واختلاف بلدانهم وأعراقهم، فهذا الثراء يُفتّح العقول للفهم حين تلتقي الروايات المتعددة مختلفة الألفاظ على معنى واحد، أو حين يفسّر بعضها بعضًا، أو حين يحمل بعضها ما ليس في الآخر، فهذا الميراث كلّه ثراء لا يجدر بعاقل التفريط في أثارةٍ منه، حتى لو كان "ضعيفًا".
ويبدو هذا الكلام حول الآثار الضعيفة غريبا مستهجنًا لدى أمّة معاصرة تربّى كثير من أبنائها على التحسس من الضعيف، غير أنّه يحمل للعقلاء ثراءً وإفادةً على مستوى المتن والسند خصوصا لدى قراءته مع غيره مما يشبهه، وهو ما لا يعرف قيمته من لم يعالج هذا العلم الشريف.
وانطلاقًا من هذه النزعة "الخلاصية" أيضًا نجد دعوات أخرى لإلغاء القراءات القرآنية المتواترة واعتماد قراءة واحدة، بل بالغ بعضهم وزعموا أنّ القرآن كان مجموعًا في مصحف واحد منذ عهد النبيّ صلى الله عليه وسلّم (وقد فنّدنا هذا الزعم في المنشور السابق)، فهم يشعرون أنّهم في حاجة إلى إثبات ذلك هروبًا من الشبهات. وجميع هؤلاء يريدون نصًّا دينيًّا صارمًا منغلقًا بصيغة واحدة، فهم ضعفاء أمام التعددية الفطرية، فما إنْ يُرفع سيف الاختلاف حتى نجد هؤلاء يهرعون إلى معالجته عبر استراتيجية إلغاء تعدُّد القراءات والروايات والمدارك والمشارب!
والحديث في هذا الباب يطول، ولكنا في حاجة إلى "أخذ نفَس" وإلى أن نهدأ قليلا عن "هلعنا" المحموم هذا تجاه الدين وحفظه، فمع علمي بحسن نوايا كثيرين ممّن يقدّمون هذا الطرح فإنّي أظنّهم أخطأوا الطريق، وهم أسرى ردّ فعل نفسي على التهم والشبهات الموجّهة إلى ميراث الإسلام والسنّة، ولهذا لجأوا إلى سياسة "إلقاء الأحمال" ظنّا بذلك أنّهم يُنقذون السفينة، ولكنّهم في الواقع يُلقون أثمن ما فيها، ويتركونها فارغة هشّة تطير بها الريح حين تخلو من ثقلها الذي يُثبّت سيرها في عباب البحر اللجيّ!
@Ahmed_ELAzziry لا دليل ولا شيء، تكلف وتخرص بلا دليل
لو صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب بيده الشريفة شيئا من كتاب الله لما خفي هذا الخبر المهم، بل الثابت عكسه بنص القرآن ولم يذكر أنه صار يخط بيمينه. ولا أدري عن أي إعجاز تتحدث في الرسم
هل جُمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم في مصحف واحد؟
من الأقوال الحداثية الفاسدة الزعم بأنّ جمعَ القرآن في مصحف واحد قد تمّ في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلّم، والاستنكار الشديد لجمعه في عهد أبي بكر.
وهؤلاء يظنّون أنّهم ينزّهون بذلك القرآن عن شبهة الاعتماد على القدرات البشرية الناقصة، علمًا أنّنا لو تبنّينا مقالتهم لَما خلا حفظ كتاب الله من صورة الجهد البشري، فقد شاء الله تعالى أن يجري كثير من قدره وفعله سبحانه بجهود عباده المتّقين، قال سبحانه: {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}. ونحن لا نملك اليوم ذلك المصحف الواحد الذي جُمع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم، بل لا نملك خبرًا واحدًا عنه! ولو حدث هذا فكيف أغفلت الأمة الإخبار به؟! وكيف لم يعترض أحد على الروايات التي تحكي جمع أبي بكر الأول لِما بين اللوحين؟! هذا مصحف لا يمكن أن يخفى خبره!
الشاهد أننا حتى لو سايرنا هؤلاء في هذيانهم، لَما تحقق لهم ما أرادوا، فإنّ ما تلاه وما نجده اليوم من مصاحف هي جهود بشرية، قدّر الله أن يحفظ بها كلامه بالطريقة التي أراد سبحانه.
ولو أراد الله أن يكون حفظ كتابه خاليًا من الجهد البشري لأنزل كتابًا ملموسًا من السماء وما أعجزه ذلك، ولكنّه قال سبحانه: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ}، ولم يُنبئنا أنّه أعطاهم سؤلهم، بل وجّه إليه الذمّ وقَرَنه بالظلم! وقال لنا سبحانه عن المشركين: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلّا سِحْرٌ مُبِينٌ}.
وقد سمع النبيّ صلى الله عليه وسلّم القرآن وَحيًا وقُرئ عليه، وكفل الله له حفظه في صدره، وتولّى عليه الصلاة والسلام نقله إلى أصحابه بعد أن يُقضى إليه وحيُه وتعليمهم إيّاه وبيانه، فتلوه وحفظوه في صدورهم وكتبوه في صحفهم ووعوه وعملوا به. فكان القرآن مؤلَّفًا كاملًا بلا ريب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لكنّ هذا لا يستلزم أنّه كان مجموعًا كلّه في مصحف واحد بين دفّتين، وعدم وجود ذلك المصحف الواحد في العهد النبوي لا يعني أنّه لم يكن محفوظًا كلّه كاملًا بحفظ الله في صدور الجيل الأول وصحفهم في ذلك العهد.
وأما الذي جرى في عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه فهو جمع مصحفٍ واحدٍ يحوي بين دفّتيه جميع ما نزل من القرآن، فكان هذا ممّا قدّره الله لحفظ كتابه إلى يوم الدين، بعد أن استحرّ القتل في الحفّاظ يوم اليمامة، فصار التفكير في جمع المكتوب وتنظيمه في مصحف واحدٍ ناتجًا عن ذلك الواقع، ثم ازداد هذا الحرص البشري التقيّ في عهد عثمان رضي الله عنه، وهي سيرورة طبيعية وصلنا من خلالها الدين كله، ولا طريق لنا إلى الدين من غير أوساط هؤلاء البشر الكرام!
وأما استدلالهم بآية سورة القيامة: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} فهو استدلال أعجميّ مبتور من سياقه، كعادة من يريد فرض رأيه على كتاب الله عزّ وجلّ، فالسياق كاملا: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 16-19).
والآية الأولى من السياق تؤكّد أنّه عليه الصلاة والسلام كان يُحرّك لسانه مع الوحي أو بعد نزوله حرصًا على حفظه واستعجالا بذلك مخافة أن يفوته شيء منه، فكان الجواب الواضح: نهيُه عن ذلك: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}، ثم طمأنتُه بأنّه سبحانه تكفّل بجمع القرآن له وتثبيته في صدره وقراءته على الوجه الصحيح: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}، فلا داعيَ للعجلة في التلاوة خشيةَ النسيان، فإنّ الله عزّ وجلّ قدّر أن تحفظه وتُحسن قراءته، بل وزيادة على ذلك سيعلّمك بيانه: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.
فالسياق واضح أنّه في مواجهة التعجّل في التلاوة مع الوحي أو بعد نزوله خشية نسيانه، ولا يُعقل أن يكون الجواب الناهي المطمئِن: لا تقلق سنجمعه في مصحف مكتوب لاحقًا! فهذا ليس تطمينًا لمثل هذه الحالة العاجلة، وهو غير معقول؛ لأنّ ذلك الجمع الكامل في مصحف واحدٍ يكون بعد نزول القرآن كاملًا لا في بدايات الوحي، وقد قال سبحانه: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، وحرف "ثمّ" يقتضي الترتيب والمهلة الزمنية بين ما سبقها وما لحقها، واللائق أن يكون بيان القرآن بعد حفظه وإحسان قراءته، لأنّه يحتاج أن يبلّغه للناس، أما أن يكون البيانُ بعد جمع القرآن كله في مصحف واحد فهذا لا يتطرّق إليه عاقل!
وهؤلاء يستغلّون جهل الناس بالعربية، ويحسبون أنّ كلمة {جَمْعَه} المذكورة في الآية تعني ما نعرفه اليوم من الجمع المادي لمادة مكتوبة في كتاب واحد، غير أنّ المقصود بالجمع هنا هو الحفظ والاستظهار كما يدل السياق، وهو مستعمل في العربية كثيرا، كقول عبد الله بن عمرو: "جمعتُ القرآنَ فقرأتُه في ليلة" (مسند أحمد)، وكقول أبي موسى الأشعري: "لا يَدخلنّ عليكم إلّا من جَمَعَ القرآن" (مصنّف ابن أبي شيبة).
ومن هنا يسقط الاستدلال بهذه الآية للتدليل على أنّ القرآن قد جُمع كاملًا في مصحف واحد بين دفّتين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم، فليس فيها ما يدلّ على ذلك، وسياق الآيات يخبر بمعنى آخر، وفيها لسانيّا ما ينفي هذا الفهم الأعوج!
فلا يغرّنّكم ما يُهوّل به هؤلاء الأعاجم وإن كانوا عربًا، فقد غزت القيم العلموية قلوبهم وأحبّوا أن يقدّموا الدين في صيغ "رياضية" تدفع عنه ما يظنّونه "شبهات"، فإذا بهم يقعون في نثر الشبهات حول المتفق عليه مما نقله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فزرعوا الشكّ بمن لو شكّكنا بهم لَما وثقنا بشيء نُقل لنا من هذا الدين وفهمه!
وللحديث بقيّة أعالج فيها مقالة هؤلاء في إنكار الروايات القرآنية المتواترة، وفي الدعوة إلى جمع السنّة الصحيحة في كتاب واحد وترك ما دونه.
عن "آلية اللسان العربي المبين" الزائفة التي تروّج لها منصة "مجتمع"
هناك فكرة سخيفة اجتمع عليها الشحارير الجدد تقول إنّ "اللسان العربي" في كتاب الله ليس هو "لسان العرب"، بل يعني لسانًا فطريا هو أوضح طريق بين الدال والمدلول أو ما شابه من عبارات، وهذه هي الفكرة الأولى التي يروّج لها الشحارير الجدد الآن بمختلف أصنافهم، تحت اسم "آلية اللسان العربي المبين" برعاية منصّة مجتمع.
ويستخدمون من أجل ذلك دعوى مفادها أنّ العربية ليست لسانًا قوميّا وأن القرآن ليس مخصوصًا بقوم بعينهم، وذلك بهدف استمالة القلوب النافرة من العنصرية. وهي مغالطة مفضوحة؛ ذلك أنّ كون العربية لسان العرب لا يجعلها شأنًا قوميًّا لا يمكن أن يتعلّمه غير العرب عرقًا، وقد برع في العربية وعلومها علماء من العَجَم، فكان بعضهم عربيّ اللسان أكثر من بعض العرب عرقًا، ولكنه لم يصبح كذلك إلا بمعرفة لسان العرب وأصوله في كلامهم وأشعارهم وخطبهم. بل هؤلاء العجم من علماء العربية هم أكبر ردّ على شبهة "العنصرية القومية" المزعومة، فهم أنفسهم كتبوا من منطلق أن العربية هي لسان العرب، واستشهدوا بكلام العرب وشعرهم لمعرفة معاني القرآن، وهم في الوقت نفسه عجم من جهة العِرق.
ولعل سائلًا يسأل: ما الهدف من الزعم بأنّ "اللسان العربي" ليس "لسان العرب" في عصر الرسول صلى الله عليه وسلّم؟
الهدف واضح جدا: للتمكّن من تحريف مفاهيم القرآن وإعادة فهمه مع التحرّر من إلزامات كلام العرب التي تقف جدارًا منيعًا أمام هذه التحريفات. حتى يتمكّن أحدهم مثلا من القول بأنّ "النساء" ليس ما نعرف، بل من "النسيء" أي "الموضة"! وحتى يقول الآخر إنّ لحم الخنزير المحرّم ليس لحم الحيوان المعروف، بل هو كل لحم "تخنزَرَ" وفسَد، وبأنّ الإيمان لا يتضمّن التصديق والاطمئنان والانقياد للشريعة، بل هو مجرد منح الأمن للناس حتى لو خلا من التصديق والانقياد للشريعة.. وهكذا.
والواقع أن هذه الفكرة سخيفة وهدمها في ثلاث نقاط مبنية على القرآن والعقل والواقع:
- أولا: قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: 4)، وهي وحدها كافية. ومعظمهم يهرب من هذه الآية، وبعضهم يؤوّلها، وأسخف تأويل لها وجدته هو تأويل يوسف أبو عواد، فقد عارضها بعالمية الدعوة في مثل قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)، فزعم أنّ الجمع بين الآيتين يقتضي أنّ العالم كلّه هو قوم الرسول صلى الله عليه وسلّم! وهذا مما يُكتفى بحكايته لبيان فحشه، ولكنه نسي أنّه يبطل معنى "قوم" في القرآن إذ غدتْ كلمةً بلا معنى وإضافة بلا قيمة! ونسي أنّ العالم لا يوجد له "لسان" واحد كما يعلم الأطفال! كما أنّه لا تعارض بين أن يكون لسان القرآن هو أحد الألسنة الموجودة في العالم (لسان العرب) وأن يكون موجّهًا لجميع العالم، فالعالم وقتذاك واليوم لم يكن على لسان واحد، ولا يوجد لسان واحد يمكن مخاطبة الناس جميعا به بمختلف لغاتهم فيفهمونه، فاقتضت حكمة الله اختيار لسان العرب، أي باللسان الذي يفهمه قوم الرسول صلى الله عليه وسلّم ابتداءً، فلم يوصف غيره بالعربي، ثم تبلّغه الأمة للعالمين بكل الوسائل. فالعالمية تتعلق بجهة الخطاب والرسالة، لا بكون اللسان منزوعًا من تاريخه وأهله. والقرآن عالمي الرسالة عربي اللسان، ولا تناقض بين الأمرين.
- ثانيًا: لو جئنا بثلاثة أشخاص: أحدهم إنجليزي لا يعرف شيئا من لسان العرب، والثاني يتحدث عامّية من بلد عربي لكنه لم يدخل المدرسة ولا يعرف القراءة والكتابة ولا يستمع إلى العربية الفصيحة، والثالث تعلّم لسان العرب منذ الطفولة في المدرسة وبرع فيه وأحبه وشُغف بقراءة الشعر العربي وكُتب العربية الفصيحة، هل يشكّ عاقل أن الثالث أقدرهم على فهم كتاب الله تعالى حين يطالعه بشكل ذاتي؟ (وإنْ لم يكن هذا كافيًا فتلك نقطة أخرى لوجود السياق وأسباب النزول وبسط الأحكام كالصلاة وغيرها). هل يشكّ عاقل أنّ المرء كلما كان أعلم بلسان العرب كان أعلم بكتاب الله؟ وكلما كان أجهل بلسان العرب كان أجهل بكتاب الله؟ حتى إذا جهل لسان العرب تمامًا (كالإنجليزي) انغلق عليه كتاب الله إلّا بترجمة.. هل يشكّك بهذا الواقع المجرّب عاقل يحمل دماغًا سليمًا في جمجمته؟!
- ثالثًا: هؤلاء أنفسهم عاجزون عن فهم كلمة واحدة في كتاب الله تعالى دون الرجوع إلى لسان العرب، إمّا من خلال المعاجم العربية القديمة المبنية على لسان العرب كمعجم "مقاييس اللغة" لابن فارس أو "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب أو "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده أو "لسان العرب" لابن منظور وغيرها أو من شواهد كلام العرب المنقولة عبر علماء الأمة جيلا بعد جيل. وإنْ كنتَ تريد تجربة ذلك فاطلب من أحدهم أن يشرح {الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين} دون الرجوع إلى أي مصدر، فإن ضحك واستسهل فاطلب منه المرجع في شرحه لكل مفردة ولعمل المفردات معًا، فلا يمكن للعامية المعاصرة المدخولة أن تكون مرجعًا، ثم قدِّم شرحًا آخر وقل له: لمَ لا يكون هذا؟ ثم ثالثًا وقل له: ولمَ لا يكون هذا؟ فلا فكاك له إلا بالعودة إلى المراجع التراثية المستندة إلى "لسان العرب" لا شيء غيره، والتي تخبره بمعاني هذه المفردات وبقواعد النحو والصرف المبنية على كلام العرب ولسانهم، ولا طريقة أخرى غير هذه سوى العبث وأن يكون هناك مليون قول.
فهذه ثلاثة احفظوها كلما وجدتم شحروريًّا أعجميًّا يتحدث عن "آلية اللسان العربي المبين" ثم يعزلها عن لسان العرب معاندةً للقرآن والعقل والواقع!
صدقت، لم أذكر كل شيء، لكني ذكرت الحدادية باعتبارها وريثا يجذب بعض الشباب أكثر من المدخلية اليوم. لأنها تستعمل (كما ذكرت في مقدمة كتابي "العقائدية القاصرة") أساليب أكثر حذرا فيما يتعلق بالحكام وإن كانت النتيجة واحدة تقريبا، وهي صرف الأمة عن العمل النافع وإشغالها بتجريح الدعاة، وتحويل التوحيد إلى قضية ذهنية جدلية. ولي ردود قديمة على بعض أطروحات المدخلية.
كم يؤلم القلب أن أجد بعض شباب المسلمين الباحثين عن الخلاص والدين الصافي يلجؤون إلى توجّهات فاسدة ما هي إلا ردود فعل نفسية على الواقع المزري الذي تعيشه الأمة، كالحدادية والناصبية والداعشية بل والشحرورية.
فهذه الفرق والتوجّهات المعاصرة في واقعنا إجابات "نفسية" – لا عقلية ولا شرعية – عن الواقع وتقلّباته.
- الشحرورية وإنكار حجّية السنّة: وهي زندقة محضة، جاءت كإجابة نفسية مريحة عن أزمة التفوّق الغربي وانحطاط الأمة في هذا العصر، فقد رمت التهمة على التراث والسنّة وأعادت تأويل القرآن ليوافق القيم العلمانية الغربية، عوضًا عن تغيير الواقع العلماني بقيم القرآن! فحقّقت غرض التخلّص من إرث الإسلام المخالف للواقع العلماني دون التخلّص من "اسم" الإسلام. والشحرورية الآن ملاذ أعداء الإسلام، تُضخّ في نشرها الأموال وتُسخّر المنصّات الإعلامية المتعددة والذباب الإلكتروني لتحويلها إلى "تيار" مؤثّر، والدعاة إلّا من رحم ربي في غفلة عنها. وقد كتبتُ فيها مقالات ومنشورات كثيرة وبعض المرئيات وما زلت، كما كتبت في الردّ على منكري حجّية السنّة كتابي "مفاتيح لفهم السنّة" فليُنظر.
- الحدادية: هروب إلى التاريخ بعد فشل ثورات الربيع العربي وتلبُّس بمقولات طائفة من أهل الحديث نشأت في القرن الثالث الهجري في ظروف عصيبة إبّان محنة الجهمية واستمرّت بعد ذلك، وأسمّيها "هروبًا" لأنّها تفرّ من قضايا الواقع المعاصر وتحدّياته إلى تلبيس الخصوم المذهبيين المعاصرين أزياء الجهمية والانشغال بتبديعهم وحمل رسالة وهمية مُرضية تتمحور حول "تصحيح العقيدة"، والمقصود بها بطبيعة الحال "التصوّرات" و"المقولات" لا حقيقة الإيمان والعبادة وما يبنى عليها من شرائع وقيم وأخلاق. وقد كتبت في هذا التوجه وما يدور في فلكه كتابي "العقائدية القاصرة" فليُنظر.
- الداعشية: رغم خفوت غلوائها لكنها ما تزال كامنة في ذهنية كثير من الشباب وفي جيوب صغيرة هنا وهناك، وقد نشأت كردّ فعل على الغلوّ الرافضي المتحالف مع الغزاة الأمريكان في العراق من جهة وعلى انحطاط بعض الحركات الإسلامية التي انخرطت في السياسة وقدّمت أداء مترهّلا مع ضياع المفاهيم وتمييع قضية الشريعة والولاء، مما جعل الداعشية مع شعار "الخلافة" الذي يداعب الأشواق ملاذ كثير من الشباب الباحث عن العزّة والتصدّي للضعف والتبعية. وقد كتبت في هذه الفرقة وأشباهها كتابي "الخطاب المريض" فليُنظر.
- الناصبية: هي ردّ فعل على الغلوّ الرافضي والمذابح التي أقامتها بعض الأنظمة والتنظيمات الرافضية كإيران والحكومة العراقية والفصائل الشيعية وحزب اللات والنظام النصيري البائد والحوثيين، ولهذا فإنّك تجدها أشدّ ما تكون في العراق والشام، واليمن إلى حدّ ما، فهي البلدان التي تعرّضت لهذا الإجرام من جهة الروافض. ولهذا تبنّت مقولات معاكسة وصلت إلى الطعن في علي بن أبي طالب والحسين بن علي رضي الله عنهما، وتمجيد الاستبداد وتفضيل معاوية على عليّ وما شابه من مقولات فاسدة. ولم أكتب في الردّ عليها سوى منشورات قليلة.
ونصيحتي لمن يقرأ هذا المنشور من الشباب تحديدًا، قبل أن تندفع إلى الانحياز إلى توجّه من هذه التوجهات أو غيرها اتّزن وأعد حسابات نفسك، وكن مع الله ترَ الله معك، فإنّ أكثر ما يحرف الإنسان عن جادة الصواب الغفلة عن طلب الهداية من خالقه سبحانه، فإنّك تدعوه في فاتحة الكتاب كل يوم مرّات كثيرة بأن يهديك الصراط المستقيم، فافهم أنّ أمر الهداية إلى الطريق الصواب والمنهج القويم من أولى مهمات الدين وأنّه لا يستقيم باستقلالك بنفسك، فاحرص على الاستعانة به تعالى واستخارته، وعلى تنخيل عقلك من شوائب الهوى والدوافع النفسية قدر استطاعتك، وعليك بمطالعة الكتاب والسنّة الصحيحة كل يوم تجد فيها ما يدلّ على الحقّ في أحلك الظروف، مع استشارة أهل العلم والأخلاق الحسنة والمواقف النبيلة، فالمرء لا يصل إلى الحقّ وحده في مثل هذه المدلهمّات.
كيف يحرّف الشحارير مفهوم "الصلاة" في القرآن؟
في الدين الشحروري الجديد يلعب جميع الأعضاء اللعبة ذاتها، وبالطريقة التحريفية ذاتها، فمشكلتنا معهم هي معاداة معاني القرآن الواضحة، وفرض أيديولوجيّتهم العلمانية عليها!
الكثير من "اللف والدوران" من أجل تحريف فريضة الصلاة المعروفة، لتصبح "على" في {إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا} مثل "على" في {وصلِّ عليهم} وفي {يصلّون على النبيّ}، أي بكلمات أخرى: لتصبح فريضة {الصلاة} شيئًا يمارسه الإنسان تجاه "المؤمنين"، لا فريضة يؤدّيها تجاه ربّه!
وهكذا يتخلّص الشحروري العلماني المتقوقع على الدنيا من عقدة توجّه المؤمن إلى الله بالشعائر كأحد أركان العبادة، فهو لا يفهم ذلك، ويحتجّ بقوله تعالى: {إنّ الله لَغنيّ عن العالمين} ليصرفك عن "الله" إلى "العالَم"، وليصبح الدين مجرّد أداة في تحسين الحياة الدنيا لا أكثر!
والواقع أن المسلمين يدركون أنّ الله غنّي عن العالمين كما دلّ كتاب الله، ويقرأون في الحديث القدسي: "لن تبلغوا ضُرّي فتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني". ولكنّهم يدركون أنّ هذا التوجه إلى الله بالصلاة ينفع الإنسان في الدنيا والآخرة، فيُجنّبه أن يتحوّل إلى "دودة دنيا" لا يرى سوى العالم المادي المحسوس، ويذكّره بالله، ويستمدّ منه سبحانه النور والهداية والقوة ليقيم الحقّ والعدل والصدق في الأرض، فهي عبادة مفروضة، وهي في الوقت نفسه تنهى المؤمن عن الفحشاء والمنكر، وتعينه على الإحسان إلى الخلق. فنحن لا نعقد ذلك التناقض الوهمي بين الأمرين كما يفعل الشحارير!
لكن المحرّفين يلوون أعناق النصوص، فهذه الآية التي يستشهد بها هذا المحرِّف: {إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا} (النساء: 103) جزء من سياق يبدأ بالآية 101 من سورة النساء وفيها: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ثم قال في الآية التي تليها: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}، ثم قال في الآية التي نحن بصددها: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}. فالسياق واضح في أنها الصلاة التي يسميها "شعائرية"، ففيها "قَصر" و"إقامة" و"سجود" و"حذر" وأخذ للأسلحة وطائفة تصلّي وأخرى تحرس، ثم يخبرهم سبحانه أنّ هذه "الصلاة" كتاب موقوت على المؤمنين، فلا تسقط في حالة الخوف والقتال بل تؤدّى بهيئة مناسبة! وصاحب هذا الكلام يصادم صريح القرآن!
ورغم هذه الفضيحة العلمية نجده يتساءل: "هذه الآية يفهمونها {إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} أي أن الصلاة المعروفة الشعائرية هي مفروضة على المؤمنين، طيب لماذا ليست مفروضة على المسلمين؟".
وهو يدلّ بذلك على جهله بكتاب الله تعالى، فقد قال سبحانه مبيّنا فرض الصلاة على المسلمين: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحجّ: 78).
أما تحريفه لمعنى حرف الجرّ "على" فالسياق يدلّ على أنّ المقصود فرضها على المؤمنين، وقوله "موقوتا" يؤكد أنها الشعيرة، فلو كان المقصود "التقرب من المؤمنين" كما يقول فهل التقرّب منهم "موقوت" كما هو حال الصلوات الخمس التي تُصلّى في أوقات معيّنة؟!
وحرف الجرّ "على" هنا كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، وقوله سبحانه: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.
فقوله تعالى {إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا} واضحٌ في سياق الآيات، وواضحٌ من جهة اللسان، ومعه عمل النبيّ صلى الله عليه وسلّم وإجماع الأمة على هذا الفهم الواضح اليسير، ولكنّ هؤلاء يريدون تحريف معاني كتاب الله الواضحة بكلامهم الركيك المفضوح!
وأهل الزيغ يستغلّون الأداء الشكلي لبعض العوام للصلاة، وجهلهم بما جاء في الكتاب والسنّة عن جوهر الصلاة وفي كلام الصحابة والتابعين والأئمة، وبما كتبه العلماء في بيان حقيقتها، فيُضلّون الجهلاء من هذا الباب ليردّدوا عبارتهم السطحية: "الصلاة ليست الصلاة الحركية"! فعوضًا عن جعلها صلاةً فعّالة محقّقة لما أراده الله بها من تزكيةٍ للنفس ونهيٍ عن الفحشاء والمنكر، يصرفونها إلى معنى آخر متوجّه إلى البشر، ويستشهدون بآيات أخرى في سياقات أخرى، {فيتّبعون ما تشابه منه} كما حكى الله عنهم، وهذا هو منهجهم في معظم ما يحرّفون.
ومن أراد معرفة قيمة الصلاة فليقرأ كتاب "تعظيم قدر الصلاة" للإمام محمد بن نصر المروزي، وكتاب "الصلاة ومقاصدها" للإمام محمد بن علي الترمذي، فهما نموذجان ممتازان لفهم حقيقة الصلاة وعمقها وأثرها في الإنسان، فتظل هي العبادة الشعائرية التي نعرفها، ويكون لها أثرها في الدنيا والآخرة، بعيدًا عن هذيان المحرّفين وجهلهم!
حين ترى مشهد الحجيج في عرفة من مختلف الأعراق بلباس واحد ومشاعر واحدة؛ تذكّر لماذا يريد الشحارير المحرفون لمعاني كتاب الله تمييع الحج وجعله في مواعيد مختلفة تفتت الوحدة الشعورية والشعائرية للأمة، فلا شيء يؤرق أعداء الأمة أكثر مما تبقى لها من مظاهر وحدتها.
وإذا رأيت الأوغاد يذمون الذين أنفقوا من أموالهم وجهدهم الكثير ليلبوا نداء الحج ويقيموا شعائر الله منقادين لله عز وجل وينعتونهم بالغثائية، فأزعجك ذلك وآلمك؛ فاحمد لله على سلامة قلبك تجاه المسلمين، وادع لنفسك ومن تحب بالحج إلى بيت الله، وعظم في قلبك شعائر الله فإنها من تقوى القلوب.
كتب الله لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أولياؤه ويذل فيه أعداؤه.
وكل عام وأنتم بخير، أعاده المولى علينا بالخير واليمن والبركة والتمكين لدينه.