طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
كان ابن العميد يكثر في مجلسه من عيب المتنبي وتهوين شأنه، وبيان أغلاطه في الشعر، فماتت أخته وجاءته الرسائل بالعزاء، فإذا ستون رسالة منها قد افتتحت بهذه الأبيات، فعلم أن انتقاصه منه وعيبه فيه لن يزيد المتنبي إلا شهرة ومجداً.
هذه الحكاية قصها علينا ونحن طلاب في مادة البلاغة الشيخ عبد العزيز الشعلان، وقد كان يسرد المرويات القديمة وكأنه يتحدث عن أشخاص قد سامرهم ليلة البارح قبل أن يحضر إلى القاعة. فما كان يميز شيخنا أبا خالد عشقه الكبير للبلاغة القديمة واندماجه فيها حتى ليشعر المتلقي أنه يغني أو ينشد الشعر وهو يحدثنا عن قضاياها أو يسرد التطور الذي أصاب مباحثها عبر العصور، ويقف عند كل فكرة أو مبحث يعيده ويرجع إليه ويكرره غير قادر على أن يبلغ ما فيه نفسه من شعور بأهميته هذه الإضافة أو تلك ومقدار العبقرية بهذه اللفتة أو تلك.
رحمه الله رحمة واسعة فقد كان جاداً في درسه، أديباً في تعامله، خفيفاً في روحه، قد تلبسته السكينه في قوله وفعله.
وفجأة تكتشف أن الرجل الذي كان يغادر المنزل صباحًا ويعود مساءً لم يعد والدك، بل أصبحت أنت..
تحمل نفس التعب، ونفس الصمت الذي لم تفهمه يومًا..
تدرك متأخرًا أن الغياب لم يكن قسوة، بل مسؤولية.. وأن ذلك الرجل كان يكبر بصمت ليبقيك صغيرًا بأمان، وحين احتجت أن تخبره أنه كان على حق لم تجده.
أرفع أسمى التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عيد العزيز وإلى ولي عهده الأمين محمد بن سلمان حفظهم الله بحلول شهر رمضان المبارك، سائلاً الله أن يبارك له في أعمالهم وأعمارهم إنه سميع مجيب.