هذا الزمان لنا*
كتبها: عبدالله العيسري
دخلت معه صلاة الظهر مستدركا، فسمعت تكبيراته - من بعيد - وله نفس النغمة الفطرية لأئمة مساجدنا القديمة .. كل شيء في هذا المسجد يشدك إلى عمان .. تكبيرات الإمام.. ونغمة صوته، وطريقة جلوسه. الفرشة والنقوش اليسيرة .. السقف وأخشاب الكندل التي أزيحت، ولكنها بقيت فوق السطح لتقول: أنا هنا.. النمط المعماري بدءا من الباب بخشبه وحلقته ومزلاجه ومفتاحه الكبير، مرورا بالدرج وأسلوب استدارتها، وانتهاء بالسطح.
بعد الفريضة هرعت لأسلم على الرجل الأشيب، فظننت أنه قد وصل للتوة من عمان .. ونظرت إلى تجاعيد السنين في جبينه البهي .. أحرجته بأسئلتي عن الانقلاب، وعن السلاطين الذين عايشهم .. السلطان خليفة وولده عبدالله وحفيده جمشيد .. وعن هذا المسجد الذي نحن فيه؛ مسجد السيد حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي، وعن المدينة الحجرية، وعن الريف والشوانب.
أحرجته .. نعم .. أعترف بأنني أحرجته، ونكأت جراحه .. كان يجيبني بنظرة يمدها للأفق البعيد .. وارتفاع المسجد يساعفه في مد نظرته .. يتلفت فينظر إلى اليمين، فتخترق نظرته النافذة المفتوحة باتجاه ( فرضاني ) .. فتلوح في مخيلته السفن الجارية والراسية. يحاول طرد سيل الذكريات السابحة في عرض البحر فيشيح ببصره إلى جهة أخرى، ولكن الذكريات هناك ملتهبة أكثر؛ فهناك الشوانب والريف الذي قضى فيه طفولته وشبابه وشطرا من كهولته.
سنه الآن ثمانية وثمانون عاما، وقد جاء إلى مسجد السيد حمود بن أحمد عام ١٩٧٣م .. وقد كان المسجد يغص بالمصلين، أما عندما صليت معه الظهر فقد صلى خلفه خمسة من المارة، ثم التحقت بهم مع أخي عبدالله بن حميد البحري، الشاب الوحيد الذي رضي أن يستأمنه على المسجد.
وعند خروجه استأذناه في المكث قليلا في المسجد، فخرج وئيد الخطى.. وكان يتكئ على الجدار الذي اختلط فيه البناء القديم بالصبغ الحديث، وكأن التاريخ يصارع ليبقى؛ فحتى مفاتيح الكهرباء التي طالتها يد التغيير، بقي واحد منها لم يتغير، وهو آخر مفتاح يمر عليه الوالد سليمان بن خلف بن سنان الجابري عند خروجه من المسجد.
انتظرنا ريثما يغيب شخصه عنا، ثم صعدنا إلى السطح .. كان الغراب ينعق .. والقصور القديمة تحيط بالمسجد إحاطة السوار بالمعصم .. كان الغراب ينعق ويحلق فوق رؤوسنا.. وكلما أدرنا أبصارنا بتلك القصور العتيقة نعق الغراب ورقص مرة أخرى.
آها .. لقد فهمت الآن .. إنه يدعوني لأسمع منه حكاية ابني آدم .. هلموا معي؛ فالسطح فيه متسع، هلموا لتسمعوا الحكاية؛ ومدوا بصركم إلى كل حصاة هنا لتسمعوا حكاية صراع ابني آدم حولها.
نعق الغراب مرة ثالثة ورابعة وخامسة .. آها .. إنها حكاية صراع يعمل في صمت، صراع له صوت يصك أسماع العقلاء، ولكن أكثر الناس لا يعقلون؛ إنه صراع الثقافات والحضارات، هنا الإنجليزية لغة ووجوها، وكتبا وثقافة، وهنا الهنود البهرة، وهنا عمانيون تعرفهم وتنكرهم؛ فالسحنة واللباس عمانيان، أما اللغة والثقافة فقد ذابتا كما تذوب القطرة في شاطئ فرضاني.
لم يكمل الغراب حكايته، فابقوا معي في سطح مسجد السيد حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي - الذي بني عام ١٢٧٢ للهجرة - وليعد أحدكم إلى بيت جدته في عمان، وليدخل غرفتها، ولينظر إلى آنية الصين المصفوفة في الروازن، وليفتح سحارتها ومندوسها، وليشم بقايا ( الفكس ) الموجود فيها، ولينظر إلى خشب الكندل ، وليجلس على سرير ( الكاتلي ) ثم ليغلق الباب الخشب المصنوع من الساج، وليأخذ معه مفتاح القفل الكبير، ثم ليعد إلينا سريعا في سطح المسجد، ولننظر معه إلى السفن الراسيات في فرضاني؛ فلعل واحدة منها هي التي حملت متاع جدته كله من هنا إلى هناك.
لك حسن العزاء يا سيدي في ميراث جدتك؛ ففي سوق المدينة الحجرية في زنجبار ستجد عشرات المتاجر التي تبيع التحف الهندية والإفريقية، ولن تجد سوى ثلاثة متاجر مندسة هناك على استحياء لتقول للعالم: هذا ميراثنا.
إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على ذهاب تراثنا في زنجبار لمحزونون، ولن نفعل إلا ما يرضي ربنا.
ولتكف أيها الغراب عن النعاق بحكايتك القديمة، فنحن شمس قادمة من شرق إفريقية، ومن هذا السطح سنتلو حكاية القربان الذي تقبله الله، قادمون نحن لننفض غبار السنين، سنجعل الأحجار الصامتة تنطق، ولن نرضى بالدون ولا الهوان، وما هي إلا سنيات قليلة - إن شاء الله - حتى يرى المارة هنا ويسمعون ثقافتنا وحضارتنا كائنا حيا يسكن اللباس الذي يرتدونه، والتحفة التي يقتنونها، والطعام الذي يأكلونه، والكتاب الذي يقرؤونه، والفيلم الذي يشاهدونه، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء، ويومها سنقول بكل ثقة وفخر: #هذا_الزمان_لنا .
عبدالله بن عامر العيسري
ظهر السابع والعشرين من شوال ١٤٣٥
زنجبار - معهد الاستقامة
🎁هدية للمهتمين بمناسبة #مؤتمر_الاستقامة_الثاني
@Istiqamaoman
السهر لمتابعة مباريات آخر الليل أثبت حقيقة لا يمكن إنكارها: أن الإنسان بإمكانه أن يجاهد لما يحب، ويبذل من أجله الوقت والجهد دون تردد.
فمن تأمل حال الناس مع المباريات، أدرك أن العجز ليس في الأبدان، وإنما في الهمم والإرادات.
فكم من شخص قاوم النعاس والسهر لساعات طويلة من أجل متعة عابرة، بينما تثقل عليه دقائق معدودة يقف فيها بين يدي ربه.
لقد أسقطت مباريات آخر الليل في كأس العالم كثيرا من الأعذار التي نرددها: "أنا متعب" أو "عندي عمل باكرا". فالوقت موجود، والطاقة موجودة، لكن الفرق يكمن في مقدار ما يحمله القلب من اهتمام ومحبة.
نسأل الله أن يجعل محبتنا له أعظم من كل محبوب، وأن يعيننا على طاعته وحسن عبادته.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾؛ آيةٌ تسكب الطمأنينة في القلب، وتدفعك للصدق مع الذات. هي الميزان الحقيقي؛ فما دمتَ عند الله صالحاً، فلا يغرنك مديحُ البشر ولا يضرك ذمّهم.. فالله وحده هو المطّلع على خفايا النوايا، والعليم بما تكنّه الصدور.
#ذات
تحت رعاية سعادة الشيخ والي السويق أنطلق صباح اليوم الحدث الأبرز على مستوى رياضة المشي والمغامرات بشمال الباطنة للعام ٢٠٢٦م #مسار_أمجاد_السويق_الثالث2026 مشايق بني خروص ولاية_السويق تنظيم #فريق_امجاد_السويق_للمغامرات بمشاركة أكثر من ٣٥٠٠ مشار يمثلون ٩٤ فريق من للجنسين مسافة ١٢كم.
في ظهيرة يوم السبت ذهبنا لزيارة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام للسلطنة، برفقة أخي لاحق، والأخ الصديق يونس البوسعيدي، وقد تشرفنا بلقاء سماحته والجلوس بقربه والحديث بأنسه؛ فكان كل حرف من كلماته بلسمًا شافيًا، وقعُه على القلب.
كذلك تشرفنا بلقاء المشايخ الفضلاء أبناء سماحته وأحفاده، وجزاهم الله خيرًا على حسن الاستقبال والضيافة.
@AhmedHAlKhalili@HamedAlkhalili@aflah1397@haytham937