ذكر القرطبي رحمه الله في تفسيره: أن الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم وأرضاهم- تذاكروا القرآن، فقال الصديق رضي الله عنه وأرضاه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء:٨٤]
ثم قال الصديق: فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران، أي: أن الله جل وعلا حقيق به أن يغفر. وأن العبد عرضة لأن يعصي الله جل وعلا.
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قرأت القرآن من أوله إلى أخره فلم أرى فيه آيةً أرجى وأحسن من قوله تعالى: {حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر:١ - ٣] ثم قال: قدَّم غفران الذنوب على قبول التوبة، وفي هذا إشارة للمؤمنين.
قال عثمان رضي الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أرى فيه آيةً أرجى وأحسن من قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر:٤٩].
وقال علي رضي الله عنه وأرضاه: وقرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أرى فيه آيةً أرجى وأحسن من قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:٥٣].
قال القرطبي رحمه الله بعد أن حكى هذا الخبر والأقوال الأربعة قال: وأنا -أي القرطبي- أرجى آية في كتاب الله قول الله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:٨٢].
-كتاب الجامع لأحكام القرآن -تفسير سورة الإسراء: آية٨٤ / للقرطبي.
كان النبي ﷺ يكثر من الاستغفار، وهو سيد ولد آدم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ومع هذا يكثر من الاستغفار، ويقول: والله إني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة.
«استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه».
«ما أجمل أن يكون الاستغفار رفيق يومك؛ في البيت، وفي الطَّريق، وفي العمل، وبين النَّاس، فلعلَّ استغفارًا صادقًا يوافق ساعةَ مغفرة، فيغفر الله لك ذنبًا، ويكشف همًّا، ويفتح بابَ رزق، ويرفع درجة، فلا تُفوِّت هذه العِبادة العظيمة».
من أصول كتب الأدب العربي ومصادره الأولى:
لعل من المناسب في مستهل حديثي عن أصول الكتب الأدبية التراثية أن أستعرض لكم تاريخ كلمة "أدب" وكيف تطور هذا المفهوم عند العرب عبر تاريخهم الطويل، لنعرف مصادره الأولى والكتب التي أُلفت في معاني الأدب المختلفة؛ وقد مرت كلمة أدب بأطوار تاريخية متعددة ومعاني مختلفة. يقول شوقي ضيف: إن كلمة أدب من الكلمات التي تطور معناها بتطور حياة الأمة العربية، واختلف معناها حتى وصل إلى المعنى الذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم، وهو الكلام الإنشائي البليغ الذي يُقصد به التأثير في عواطف المتلقي من نثر وشعر(¹). بيدَ أنني لو استعرضت جُلَّ النصوص(²) التي ورد فيها معنى الأدب في العصور القديمة -وإن كان في صحة بعضها نظر- لطال الحديث، ولهذا سأوجزها لكم بالقول إن كلمة أدب وردت في نصوص جاهلية وإسلامية بمعنى مكارم الأخلاق والسيرة الحميدة، وتطورت في عصر بني أمية إلى جانب المعنى السابق وأصبحت بمعنى التعليم والتهذيب -أي بمعنى التعليم الذي نعرفه اليوم- ففي عصر بني أمية ظهرت جماعة تسمى بالمؤدبين فكان هؤلاء المؤدبون يعلمون أبناء الأمراء والخلفاء المعارف التي تكوّن الثقافة العربية، وليست كلمة أدب في العصر الأموي تقتصر على المعنى الخلقي، بل تطورت شيئاً فشيئاً ودلت على ما كان يلقيه المعلم إلى طلبته من الشعر والخطب والقصص وأخبار العرب.
وجاء عصر بني العباس، العصر المبكر، وكان المعنيان التعليمي والتهذيبي يتقابلان في كلمة أدب وأُلفت في الأدب بهذا المعنى كتب مشهورة وهي من أصول الأدب، فقد سمى ابن المقفع المتوفى سنة ١٤٢ هـ كتابين له باسم "الأدب الصغير" و "الأدب الكبير".
وسمى أبو تمام المتوفى سنة ٢٣٢هـ الباب الثالث من ديوان الحماسة باسم "باب الأدب". وينطبق هذا المعنى على كتاب "الأدب المفرد" الذي عقده الإمام البخاري المتوفى سنة ٢٥٦هـ في مؤلفه المشهور في الحديث المعروف باسم الجامع الصحيح، أو صحيح البخاري.
وفي هذين العصرين، أي العصر الأموي والعباسي، وما تلاهما من قرون كانت كلمة أدب بمعنى الثقافة العامة؛ فالأديب هو المثقف الذي اتسعت معرفته بأشعار العرب وأخبارهم وخطبهم ونوادرهم، وأُلفت كتب بهذا المعنى سميت كتب أدب منها: "البيان والتبيين" للجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥هـ ويتضمن الكتاب -مما يتضمن- النوادر والخطب والبلاغة والبيان والشعر والرسائل والوصايا والمحاورات. وكتاب "الكامل في اللغة والأدب" للمبرد المتوفى سنة ٢٨٥هـ وهو يضم ألواناً من الثقافة العربية الأدبية والأخبارية والتاريخية واللغوية والنحوية والقرآنية. والمبرد نفسه يلخص منهج كتابه وهدفه ومحتواه في هذه الكلمات المختصرة التي جاءت في مقدمة الكتاب: هذا كتاب ألّفناه يجمع ضروباً من الآداب، ما بين كلام منثور، وشعر مرصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة، ورسالة بليغة. وقد وجه اهتمامه إلى اللغة لا إلى البلاغة والنقد كما صنع الجاحظ. وكتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي المتوفى سنة ٣٥٦هـ وكتاب "زهر الآداب وثمر الألباب" للحصري المتوفى سنة ٤٥٣هـ .
ومن هنا يمكنني أن أقول إن للأدب معنيين مختلفين: الأدب بمعناه الخاص وهو الكلام البليغ الجميل في الشعر، وفنون النثر الأدبية مثل المقالة والخطابة والأمثال والقصص والمسرحيات والمقامات. والأدب بمعناه العام وهو ما يشمل الثقافة العامة، وما أنتجه عقل الإنسان.
———
(¹) شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي، ص٩.
(²) راجع: قصيدة كعب بن سعد التي فيها "شب وهو أديب" في كتاب المفضليات للمفضل الضبي، وتاج العروس للزبيدي، ط. الكويت ج١٢/٢ ، والأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع، والأدب الجاهلي لطه حسين، والحياة الأدبية في العصر الجاهلي لمحمد عبدالمنعم خفاجي، ومناهج التأليف عند العلماء العرب لمصطفى الشكعه، وفي النقد الأدبي لعبدالعزيز عتيق.
٥
فلما شاهدت ما كان من فورة الإحساس التي تجرف قلب أمها من أجل باريس، ذكرت لها أن هذا الشاب ما هو إلا أخوها الذي نبذوه بالعراء فوق الجبل لتأكله السباع، وآيتها على ذلك هذا التشابه الشديد بينه وبين أبيها الملك. وحاجّها قومها فأحضروا باريس ليطابقوا بينه وبين هكتور.. ولكن المطابقة ما كادت تتم حتى أخذته هكيوبا في حضنها الحنون المرتجف، صائحة معبدة:«ولدي باريس.. ابني باريس.. ولدي.. إلي إلي يا بُني.. !!». أما الملك فقد بكى هو الآخر، ونهض فعانق ابنه عناقاً طويلاً حاراً، غاسلاً جبينه المتلألئ المشرق بدموع الاعتذار عن الماضي البعيد المحزن.
ولمَّا أخبرهم باريس أن فينوس، رَبّة الحب والحسن، هي التي هدته إلى مولده ومنشئه وكريم أرومته، خرَّ الملك وأهله ساجدين..
إلا كاسندرا.
لقد عبست عبوسة قاتمة، وحدَجت أخاها الغريب بنظرةٍ كالحةِ!
ثم صاحت بالملك: «أبي! لتحذر هذا الأخ.. لتحذر باريس.. ولتذكر نبوءة الكاهنة في معبد أبوللو.. ابنك يجرُّ الخراب على مملكته ويعرِّض شعبك للدمار، وينشر الموت في بيوت رعاياك!».
وهنا ينتقم أبوللو، ويسخر من حبيبته الجافية!
لقد تضاحك الملك مستهزئاً، وغمزت الملكة ابنتها ولمزتها بكلام قارص. أما هكتور، فقد عبث بأخته ومازحها مزاحاً ثقيلاً.
سكينة كاسندرا!
حتى الحاشية استهزأت بها وأشعرتها المذلة والهوان.
كل ذلك والرعاة.. أصدقاء باريس.. ينظرون ويَعْجَبون.. ولا يفهمون!
أفرخ روع باريس إذن وصدَّق كل ما ذكرته فينوس!
الالهة لا تكذب!!
هاهو ذا يعيش في قصر منيف باذخ، وها هو ذا لأول مرة في حياته يخلع هذا الصوف الخشن الغليظ، ليلبس من سندس أبيض وإستبرق! والولدان البيض كالتماثيل يطوفون عليه بالخمرة بأكواب من فضّة، والآكال في صحاف من ذهب وشعب بأسره يطيع أباه ويطيعه، وجيوش تصدَعُ بأمره، وأساطيل ذات جلبة وصخب تملأ البحر، إن شاء أرست، وإن شاء أقلعت، وملك وسلطان، وتاج وصولجان!
لا تنقصه الآن إلا أجمل فتاة في العالم..
تلك الفتاة التي وعدته بها فينوس! وما دامت الآلهة لا تكذب فأجمل فتاة في العالم هي من غير ريب في بلاد الإغريق.. لأن فينوس أوصته بوجوب الإبحار إليها.. وهل أجمل من حسان أسبرطة في بلاد الإغريق؟! إنهم قوم يعبدون الجمال واعتدال القوام.
إذن، فليبحر باريس إلى أسبرطة!
انتهى.. هنا أكتفي؛ إذ تتشعّب القصة والأحداث بعد ذلك وتتغير…
الفصل التالي (باريس يعود) :
٣
-«ألست تحنُّ إلى وطنك، وتتمنى لو ترى والديك يا باريس؟»
-«وطني ووالدي؟»
-«…؟…»
-«وهل لي وطن غير هذه المروج الخضر، ووالدان غير أبي الراعي وأمي المتداعية الفانية؟»
-«مسكين!»
-«بل أسعد الناس بأن أكون ابنهما! ولماذا؟ أليس أبي سيّد هذه الفلوات، وأمي أعزّ الأمهات؟»
-«ذلك حق لو أن أباك هو هذا الراعي يا باريس!»
-«ماذا تعنين؟»
-«أعني أنك لست ابنه!»
-«وي! لو لم تكوني فينوس لقتلتك!»
-«الحقّ أقول لك أيها العزيز!»
-«أنت تعذبينني! ابن من إذن؟»
-«أترى إلى جمالك البارع، وجسمك الممشوق السمهري؟ أيكون هذا الخلق من نسل الرعاة الأجلاف؟»
-«أتدور بك الأرض إذا علمت أنك ابن ملك؟»
-«سخرية! و… إلامَ تعذبين فؤادي يا ربّة الحسن والحب؟ ألأنني أعطيتك التفاحة الخالدة؟»
-«الآلهة لا تكذب يا باريس!»
-«أنا؟ أبي… ملك؟ هذا الراعي؟! ملك ماذا؟»
-«ليس هذا الراعي، قلت لك!! أنت لست ابنه! أنت سليل الملوك العظام!»
-«إذن من عسى أن يكون أبي؟»
-«ملك طروادة!!»
-«ملك طروادة أبي؟ بريام؟!»
-«هو… هو…»
-«ها ها ها… ومن جاء بي إلى هنا؟ سرقوني؟ أليس كذلك؟
-«لا تنسَ يا باريس أنك في حضرة فينوس.. وأقولها لك مرة أخرى، إن الآلهة لا تكذب. أجل أنت ابن بريام ملك طروادة..
قيل له: إنك تجرُّ عليه ألواناً من العذاب فصدَّق، وأرسل بك من تركك فوق جبل بعيداً لتأكلك الذئاب.. كل هذا وأنت طفل صغير.. وليد.. ولقد عثر بك ذلك الراعي الذي تحسبه أباك ففرح بك وقال لا مرأته، عسى أن يكون لنا منه ولد.. والآن لقد وعدتك بزوجة جميلة.. أجمل امرأة في العالم.. فاذهب أولاً إلى طروادة، والق أباك فإنه يعرفك لأن له أبناء خلقهم كخلقك.. وسيحدّثه قلبه.. وتكلمه روحك أنك ابنه.. سيفرح بك بريام يا باريس ، وسيخفق قلب هكيوبا.. أمك التي تبكي من أجلك، وتتمناك بنصف ملكها!
فإذا اطمأنوا إليك، ولبثت فيهم أياماً، فأبدِ لهم رغبتك في الإبحار إلى بلاد الإغريق في أسطول كبير.. إلى أسبرطة.. هناك المرأة التي وعدتك.. أجمل نساء العالم».
وغابت فينوس وكأنما، ابتلعها الهواء!
وجلس باريس على صخرة تشرف على البحر المضطرب من جهة، وعلى السفح المعشوشب المصطخب بالحياة من جهة أخرى، ثم أخذ يفكر في كل كلمة انفرجت عنها شفتا فينوس.
«تُرى؟! أصحيح ما قالته فينوس؟ أصحيح أن بريام أبي؟ ألا أنادي الراعي أبي بعد اليوم؟ وأنت أيتها الأغنام: أفراق لا لقاء بعده؟ واأسفاه! لم لقيتُ فينوس؟ عزيزٌ عليَّ أن أهجرك إلى الأبد أيتها البطاح !...
وأنت أيتها السماء الحبيبة؟ بمَ أستبدل قلائدك الدريّة في الليل، وشمسك الدافئة، وسحبك الموشاة بالذهب في النهار؟!
الآلهة لا تكذب!! هكذا كانت تقول فينوس! أنا إذن ابن ملك!
وأبي لا بد أن يكون غراً ضيق العطن(¹) وإلا فلماذا صدَّق ما ذكرته له الكاهنة عني (طفل صغير يُنبذ بالعراء لتأكله السباع)».
——
(¹) رجل ضيق العطن: غير صبور، لا حيلة له عند الشدائد.
٤
بالقساوة القلوب، وتحجُّر الأكباد؟! وأمي؟ أين كانت أمي؟ وأين كان قلب الأم في هذه المرأة؟ كيف سَهُلَ عليها أن تدعني يُنطلقُ بي لأُنبذ بالعراء، فريسة لا حول لها لكلاب الجبل، وطعمة شقية لسباع
البرية؟!.
لا بد أن أذهب! لابد أن أعلم حقيقة أمري! وداعاً أيها البحر!
وداعاً أيتها المروج! يا كل شيء هنا.. وداعاً!.
وانطلق لا يلوي على شيء.
وكان أصدقاؤه الرعاة يلقونه في الطريق فينكرون منه كل شيء!
ينكرون منه انقباضه وعهدهم به طلق المحيا لا يفارق المَرَح ثغره البسَّام، وينكرون منه صمته الطويل وهو الثرثار الذي لا يقف لسانه ولا تسكن شفتاه! وينكرون منه هذه النظرات العميقة الحزينة، وهو ذو العينين الضاحكتين والجبين المشرق الطروب.
وكان هو ينكرهم جميعاً كذلك! أليس قد عرف أنه ابن ملك؟ وابن أي ملوك العالم؟ ابن ملك طروادة! وهل أقوى وأعظم في ملوك العالم من ملك طروادة؟
وبالرغم من هذا الإنكار كان الرعاة ما يبرحون يحبون باريس ويعجبون به، وقد أحزنهم أن ينطلق فريداً وحيداً في فلوات تدمدم فيها السباع وتهمهم الوحوش، فذهبوا يقتفون أثره، وكانوا له حرساً شديداً في وحشة هذه البرية..
ووصل إلى طروادة ..
وجلس فوق هضبةٍ مرتفعةٍ قليلاً فنظر إلى المدينة الخالدة! واجتمع حوله أصدقاؤه الأمناء الأوفياء يسألونه فيم جاء إلى هذا البلد، ولِمَ هجر قطعانه وأوطانه، وهل في أمره.. حُبّ؟
وطمأنهم باريس. وزوَّق لهم الأحلام والأماني، ووعدهم خيراً «لا ترى مثله عين، ولا يخطر على قلب بشر».
ودخلوا المدينة.
ويمَّموا نحو ميدانها الرحب الفسيح، حيث اجتمع خلقٌ كثير يَشْهَدون المهرجان الرياضي، ويمتِّعون أنظارهم بشتى الألعاب التي يمارسها أبطال طروادة وما جاوَرَها من القرى. ولبث باريس وأصحابه ينظرون إلى المتبارين ساعة، ثم زهاهم
الروح الرياضي فقدَّموا
أنفسهم إلى الرئيس المشرف على الألعاب، فأشركهم في كثير من المباريات. ولقد برز باريس على أقرانه، وبزّ كل من تبارى معه في مضمار حتى لفت إليه أعين النظَّار، وأصبح موضع إعجاب الحاضرين.
وكانت الأسرة الملكية، الملك وزوجته وأبناؤه وحاشيته، يحدّقون في الفتى مشدوهين مأخوذين، وكانت الملكة بخاصة تحسّ كأن رباطاً روحانياً يجذبها إلى الناحية التي يجول باريس فيها ويصول، بل كانت تشعر كأن الحديد الذائب في عضلات البطل، إنما يتدفّق من عضلاتها هي! وأعجب من ذلك جميعاً، ذلك الحنان المتفجِّر في قلبها، وذاك الحب الحزين السادر الذي يغمرها كلها من أجل هذا الغريب المفاجئ المجهول!
ولمحت كاسندرا، ابنة الملك، ما كان ينتاب أمها من عواطف، وكانت فتاة بارعة الحسن، مليحة القد، فينانة(¹) ريَّانة، أعجب بها أبوللو فمنحها حبه، وهام بها حتى لكان يعبدها عبادة، وهو الإله
المعبود!
وكان ما يفتأ يباركها ويخلع عليها من نِعَمِه، فمن ذلك أنه وهبها القدرة على كشف الغيب، والتنبؤ بما كان وما يكون، فكانت تخبر الناس بماضيهم وحاضرهم وما يكون من مستقبلهم، وهم يسمعون
ويَعْجَبون.
ولكنها تاهت على أبوللو ودلَّت وكانت أبداً تمنحه الجفاء والصدود، وتعرض عنه وهو المقبل عليها بروحه وقلبه وبشعره
وموسيقاه!
رجاها أبوللو أن تكون له، وأن ترتضيه لها بعلاً، ووعدها لقاء ذلك أن يبني لها القصور الشمَّاء في قبة السماء، وأن يحملها معه أبداً في رحلاته العُلوية فوقٍ مركب الشمس، فترى كل ما يدبٌ على الأرض. وأغراها بالتوسُّط لدى كبير الآلهة زيوس الأعظم فيمنحها الخلود، وربما رفعها إلى صفوف الآلهة أنفسهم.. بيد أنها ما كانت
تزداد إلا شماساً(²) وعناداً.
ولما ضاق أبوللو بها ذرعاً، صبَّ جام غضبه عليها، وسلَّط عليها سخرية سامعيها، فما تقول شيئاً، ولا تتنبّأ بشيء ولا تكشف غيباً، إلا استهزأ بها الناس، وعيَّروها بأنها تكذب وتهرف وتدَّعي !
———
(¹) امرأة فينانة: شعرها حسن طويل.
(²) فرس شموس: جامحة شاردة لا يمكن ركوبها.
٢
؛ «على رُسُلك أيها الشاب.. اسمع منَّا جميعاً ثم اقض بيننا ..
أنا لن أزخرف عليك بملك ولا سلطان، فأنت أعقل من أن تَنخدع بالعَرَض الزائل. وأعلى من أن يهيمن جسمك على عقلك، وهواك على قلبك، أنا مينرفا ربّة الحكمة وإلهة الروح الأعلى المقدس.. سأمنحك السداد، سأكشف لك حُجُب الجهالة، وسيضيء مصباح المعرفة بين يديك فتكون أهدى الناس، وأعلم الناس، وأحكم الناس».
وسكتت مينرفا، وسُمع هاتف من جهة البحر يصيح:
«باريس، أعطها لمينرفا يا باريس..»، وكانت أيونونيه ما في ذلك
شك !!
وكاد باريس يلقي بالتفاحة في يدي مينرفا.. لولا أن تقدَّمت فينوس.. فينوس الحُلوة.. فينوس الساحرة.. فينوس ذات الدّلّ..
فينوس التي تكفي غمزة ماكرة من طرفها الفاتر الساجي لإذلال ألف قلب. لولا أن تقدَّمت فينوس كلها تطارد قلب باريس وتحاصر عينيه حتى لا يقعان إلا على عينيها.. تقدَّمت فينوس ترنو وتبتسم، وتتبرج وتهتز، وتشد هذا الصدر وتثني هذا الذراع، وتميل برأسها الذي كله خدود وعيون وأصداغ.. تقدَّمت فينوس تبتسم للراعي الجميل عن فم حلو رقيق، تتلألأ ثناياه، ويتضوَّع عبيره، وقالت: «باريس! هل لك عينان تعرفان الغزل، وقلب يعرف الحب؟.. باريس أنا فينوس التي صلّيت لها بالأمس، والتمست منها التوفيق.. هأنذا يا باريس.. التفاحة للأجمل!
ألست تحب أن أهبك أجمل زوجة في العالم! ستكون زوجتك مثلي، تغمرك بجمال لا حدود له، ولن تشعر معها إلا أنك تعيش معها في جنة.. فتنة.. نظرات حلوة.. خد مورد.. أهداب كظلال الخلد.. عينان نجلاوان.. جسم ممشوق طويل.. زوجة ترضيك وتفي لك.. قلب ينبض بحبك.. هاتها يا باريس.. هاتها يا حبيبي..».
وقبل أن تتم الخبيئة سحرها، كان الفتى البائس قد ألقى التفاحة في يديها الجميلتين، على الرغم من الصيحات المتتالية التي كانت تأتي إليه من البحر: «لا يا باريس.. لا يا باريس.. أعطها لمينرفا يا باريس..».
وجرَّ على نفسه غضب حيرا ومينرفا، وكُتبت التعاسة عليه وعلى قومه ولم يلق أيونونيه بعدها ..
تعد الإلياذة، إلى جانب الأوديسة، من أهم المصادر الأدبية العالمية القديمة، ومن أبرز النصوص التي حفظت جانباً من الميثولوجيا الإغريقية. ويروي هوميروس في الإلياذة، ذلك الشاعر الضرير الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد تقريباً، والذي نُسب إليه تأليف الإلياذة والأوديسة، وإن كان بعض النقاد يرى أن «هوميروس» رمز لطائفة من الشعراء، يروي قصة حرب خلدها التاريخ والأسطورة، إذ تعود شرارتها الأولى إلى قصة الفتى (باريس) وهي قصة أعجبتني وأحببت أن أشارككم إياها:
١
"جرت عادة قدماء الإغريق أنه كلما وُلد لأحدهم غلام توجه إلى هيكل "أبوللو" في دلف يقدِّم القرابين ثم يستوحي الكاهنة عمَّا سيكون مستقبل ولده ليأخذ للأمر أهبته، وليعدَّ لكل شيء عُدَّته. فلما وضعت هيكوبا ملكة طروادة ابنها (باريس) وحمله أبوه الملك بريام إلى هيكل أبوللو إله الإغريق إله النبوءه الذي يجيب عن الأسئلة عن طريق
كاهنته بيثيا فقالت الكاهنه لوالديه أنه سيكون كارثة على قومه وبلده، وسيقتل ذويه ويسقط طروادة، ستكون سقوطها على يده. فعبس وجه الملك بريام فصمما وزوجه على الخلاص منه فذهبا به إلى العراء حيث الجبل فوضعاه فيه، لينوشه طير جارح، أو تفترسه ذئاب برية ثم ذهبا عنه، ولكن جاء أحد رعاة الأغنام فوجد الغلام وفرحه فيه وأتخذه لنفسه ولداً،
ونشَّأه على الفروسية وشبَّ باريس فتى يافعاً جميلاً، فعمل مع الراعي الذي رباه، وكان مولعاً بالبحر ويلهو بالسباحة ومصارعة الموج، فأُعجب في إحدى عرائس الماء (أيونونيه) فهويها وعلّقها قلبه، وهامت به أيونونيه، وأخلصت له الحب،
وياا أسفاه !
لقد قضت ربّات الأقدار الثلاثة -كلوتو وأختاها ليخسس وأتروبوس- ألّا يدوم هذا الحب. ذلك أن حيرا ومينرفا وفينوس سقطت عليهنّ تفاحة من ذهب من السماء كُتِب عليها للأجمل، لأكثرهنّ جمالاً ورونقاً، وكل واحدة تريدها لنفسها.
فنهضت حيرا أم مارس وفلكان وقالت: أنا حيرا العظيمة، مليكة الأولمب، وصاحبة القوة والسلطان، أنا أحقكن بها.
مينرفا: "أنتِ تفاخرين بملك الأولمب، وبالجاه والسلطان؟ إذن أين أنا؟ مينرفا .. ربة الهدى والسبيل الحق، أحق منكِ بهذه التفاحة"
فينوس: "فيما تختصمان يا أختيّ العزيزتين؟ أليست هي للأجمل؟ أولست أنا.. فينوس ربّة الجمال؟"
واختلفت الآلهة
وقصدت الربّات الثلاث جبلاً شامخاً يشرف على البحر، فانتظرن عنده واتفقن على أن يفصل أول عابر بينهن في أمر التفاحة، وتعاهدن على أن يخضعن لحكمهِ، وأن تكون كلمتهُ الفاصلة فيما اختلفن فيه.
وكان البحر يضطرب من تحتهن فيقذف باللآلئ والمرجآن
وكانت عروس من عرائس الماء تعلو وتهبط مع الموج، ولا تفتر تحدق ببصرها في الجهة التي جلست الربّات يتربصن، وكانت (أيونونيه) من غير ريب، وكان الجبل مستراح باريس الذي يريح فيه قطعانه، ثم ينطلق للقاء حبيبته.
وأقبل باريس يشدو لأغنامه ويغنّي، فزُلزل قلب أيونونيه، وخافت على حبيبها خوفاً شديداً، ذلك أن أخبار النزاع الذي انتهى إليه يوم الزفاف من أجل تفاحة إيريس كان قد شاع، وتسامع بها كل عرائس البحار، فلما عرفت أيونونيه ما اجتمع الربّات من أجله اضطربت أيَّما اضطراب، وقلقت على باريس أيَّما قلق. لأنه وحده هو الذي يجوز بهذه الطريق، حين ينفذ إليها إلى حيث يحلمان ويتناجيان. وكان مصدر قلقها هو ما عساه أن يجرَّه على نفسه- إذا قضى بينهن- من سخط الربتين اللتين لا يقضي لهما بالتفاحة.
وصاحت حيرا: «قف أيها الراعي الجميل فاحكم بيننا فيما نحن مختلفات فيه، تلك تفاحة من الذهب ساقتها السماء إلينا منحة منها لأكثرنا جمالاً وأبهانا رونقاً، وأنا- حيرا- مليكة الأولمب، وذات الحَوْل والطَوْل فيه، وربَّة التاج والصولجان، وصاحبة القوة والسلطان. أنا- حيرا ذات الجبروت- وولدي مارس إله الحرب، ورب الطعن والضرب، أقوى أبناء زيوس العظيم.. وولدي فلكان كذلك، إذا شئت سَرَد لك الدروع من حديد فتصبح سيد أبطال العالم، لا يُشَقّ لك غبار، ولا يُجري معك في مضمار! إذا خضت حرباً حماك مارس وأيَّدك، ونصرك فلكان وآزرك.. ألست ترى إذن أيها الراعي الجميل أنني أحق من هاتين بتلك التفاحة. أنا- حيرا مليكة الأولمب- سأمنحك الثروة التي لا تفنى، والسلطان الذي لا يبيد.. سأجعلك ملك هذه الديار التي ترى..
ستكون صاحب عرش وتاج، وستستريح إلى الأبد من هذه الحياة الضنك التي تحياها.. أنت جميل يا فتى.. وأنت بعرش عظيم أولى منك بهذا القطيع الذي يثغو. وصمتت حيرا.. وجعل باريس يقلَب في التفاحة ناظريه، وفي قلبه مما رأى وسمع قلق عظيم».
لقد كانت حيرا تختال في ثوبها الأولمبي الموشَّى، وكان طاووسها الجميل- الذي اتخذته منذ الأزل رمزاً لها- يتشبَّث بناصيتها ويميس، فيزيدها جلالاً وكبرياء.
وأوشك الفتى الراعي أن يقدِّم التفاحة لحيرا، لولا أن صاحت به
مينرفا:
كنتُ قد سجلتُ منذ زمن أهم كتب اللغة العربية التي ذُكرت في محاضرة «ما يحتاج إليه طالب العلم الشرعي من اللغة العربية» في اليوتيوب للشيخ الدكتور سليمان العيوني، وهي كالتالي، مع زيادة طفيفة من عندي كالتاج والمقاييس:
النوع الأول: المعاجم اللفظية وهي كتب تذكر اللفظ وتبين معناه، يعني معاني الكلمات مثل:
١ - مختار الصحاح للرازي | كتاب مختصر
٢- الصحاح للجوهري | كتاب متوسط
٣- مقاييس اللغة لابن فارس | كتاب متوسط
٤- لسان العرب لابن منظور | كتاب ضخم
٥- تاج العروس للزبيدي | كتاب ضخم
النوع الثاني: المعاجم المعنوية وهي الكتب التي رُتبت حسب المعاني يعني باب في الإنسان يذكر كل كلمات اللغة التي استعملتها العرب في الإنسان مثلا ( أنواع مشي الإنسان، صفات الرأس والبطن واليد، كل مايتعلق بالانسان، وإذا كان صغيرا ماذا يسمى وإذا كبر ماذا يسمى وهكذا .. وهكذا .. كل ما يتعلق بتسمية الأشياء المتعلقة بالإنسان) ثم ينتقل إلى العلويات، إلى السماء، السحب، الأمطار، ثم ينتقل إلى الأرضيات ما يتعلق في الجبال، الوديان، ثم ينتقل للمعاني، مثلا الكلمات التي جاءت في الكرم، المروءة، الشجاعة، البخل،
فمن المعاجم المعنوية الصغيرة بهذا المعنى:
١- الألفاظ للهمذاني | كتاب صغير
٢- الفصيح للإمام ثعلب | كتاب صغير
٣- فقه اللغة للثعالبي | كتاب صغير
٤- المخصص لابن سيده | كتاب ضخم
مثلا إنسان يبحث عن كلمة تدل على معنى معين مثلا اختراع جديد أو معنى جديد أو مهندس يبحث عن اسم لآلة جديدة هذا يعود لكتب المعاني، وإنسان يبحث عن معنى لكلمة معينة، ورد عليه لفظ ومايعرف معناه هذا يعود لكتب الألفاظ.
وعلوم اللغة العربية ثلاث أقسام:
علوم التصحيح: أي التي تقي من الخطأ هي تصحح الكلام وتقي من الخطأ وتشمل:
١- علم متن اللغة
٢- علم النحو؛ مما يساعد على تعلم النحو، هو القراءة في كتب الاعراب التطبيقي.
٣- علم الصرف
وعلوم التفصيح: أي العلوم التي ترفعك، من مجرد كون الكلام صحيحا خاليا من الخطأ، لكي ترتقي في الكلام في مراتب الفصاحة والبلاغة وتشمل:
١- الأدب
٢- البلاغة
٣- فقه اللغة
علوم التخصص: وهي بقية علوم اللغة: وهي التي يختص المتخصصون بدراسة علوم اللغة، بدراستها.
والسؤال هنا: ما علوم اللغة التي يحتاج إليها طالب العلم الشرعي؟
يجيب الشيخ سليمان عن هذا السؤال في ضوء التقسيم السالف ذكره، فيقول: إن علوم التصحيح لا شك أن طالب العلم الشرعي يحتاج إليها، النحو والصرف ومتن اللغة.
وكذلك علوم التفصيح؛ لأن القرآن الكريم والسنة النبوية أفصح الكلام، فيحتاج إلى البلاغة والأدب وفقه اللغة.
وأما علوم التخصص فهي لايحتاج إليها في فهم النصوص الشرعية والاستنباط منها.
وهذا والله تعالى أعلم، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل به.
عبء الوجود ثقيل على من أصابه جحود. إن الشعور بالواجب ليس بمقدور كل أحد أن يحمله، وإنما ينهض به العظماء الذين لا يثقلهم ما يعجز عنه غيرهم، ولو لقوا في سبيل ذلك جحوداً أو إجحافاً؛ يُحكى في -الأسطورة اليونانية نقلاً عن أحدهم- أن الآلهة حكمت على «أطلس» بأن يحمل السماء على كتفيه حتى لا ينفضَّ بناؤها؛ والسماء هي السماء بأنجمها الزواهر اللوامع؛ فهل رأيت واجباً أسمى وأمجد من أن تُكلّف حمل السماء على كتفيك؟ ألا يكافح «أطلس العظيم» الآن لحمل ثقل السماء، بعيداً عن أرض آبائه وممتلكاته؟ وحملها «أطلس» ثم ناء بحملها حتى إذا ما جاءه «هيراكليس» يسأله من مخبأ التفاحات الذهبية التي كُلِّف بالبحث عنها في أركان الكون، والتي قيل له عنها إن مخبأها ذاك لا يعرفه إلا «أطلس» حامل السماء العظيم، أقول إنه ما جاء «هيراكليس» إلى «أطلس» يسأله أين عساه أن يجد بغيته، حتى وثب «أطلس» إلى هذه الفرصة السانحة، ليتخلص من عبئه الذي أنقض ظهره، وقال لهيراكليس: لستَ بمستطيع أن تجدها بنفسك لأن منالها عسير؛ فاحمل عني هذه السماء لحظة حتى أعود إليك بها؛ ورضي «هيراكليس» مسروراً بحمل السماء حتى يحقق له «أطلس» بغيته التي لقى العناء في سبيل تحقيقها، وانطلق «أطلس» إلى حيث التفاحات الذهبية، ورآها هناك تلمع في بريق الشمس يحرسها أفعوان جبار، فتسلل وغافل الأفعوان وهو في غفوة، وخطف التفاحات، وعاد مسرعاً إلى حيث ترك «هيراكليس» في انتظاره يحمل السماء بدلاً منه.
لكن «أطلس» حين اقترب من موضع «هيراكليس» تذكر بشاعة الحمل الذي حمله على كتفيه هذه القرون الطوال: تُرى هل يفي بوعده ويعطي «هيراكليس» تفاحاته الذهبية ثم يعود هو إلى حيث كان تحت عبئه الباهظ؟ أو ينعم بهذه الحرية التي أتاحتها له الظروف فيتخلص من عبئه ذاك إلى الأبد؟.
لا؛ إنه لن يعود إلى حمله ذاك، وسيحتفظ بحريته التي ظفر بها بمصادفة قد لا تعود؛ هكذا اعتزم «أطلس» ودنا من «هيراكليس» وقال له: ابق حيث أنت حاملاً السماء على كتفيك، وسآخذ أنا هذه التفاحات الذهبية إلى حيث أردتَ أنت أخذها؛ فتظاهر «هيراكليس» بالقبول والرضى؛ أليست هي السماء بأنجمها اللوامع الزواهر؟ إذن فليحملها راضياً على كتفيه، لكنه طلب من «أطلس» أن يتفضل عليه بصنيع واحد صغير، وهو أن يحمل الحمل لحظة قصيرة، حتى يضع الوسائد على كتفيه، لأن ضغط الحمل شديد على كاهله؛ فأخذت الشهامة من «أطلس» مأخذها، وفعل ما طلب إليه «هيراكليس» فعله، وكيف يتردد في قبول العناء لحظة أخرى قصيرة، لقاء حرية يظفر بها من هذا العبء الثقيل إلى الأبد؟
ألقى «أطلس» بالتفاحات على الأرض، وحمل السماء عن «هيراكليس» حتى يضع «هيراكليس» على كتفيه الوسائد والحشايا التي تهوّن عليه أداء هذا الواجب الجديد الذي ألقى عليه؛ لكن «هيراكليس» لم يكد يزيح عن كاهله حمل السماء، حتى أخذ التفاحات ومضى، تاركاً «أطلس» في مكانه القديم، يشقى بأداء واجبه الذي فرض عليه بحكم وجوده.
إن عبء الواجب ثقيل في شتى صوره، وليس بمقدور كل أحد أن يحمله.
عندما قرأت عن الداروينية كفرتُ بها مباشرة من أول وهلة، ولم أتردد لحظة. فلا يعقل أن تكون سليزا الفاتنة الحسناء متفرعة من سلالة قرد! ولكن ماذا عن النظرية السميمية؟ والتي تذهب إلى أن أصل سليزا كان من الملائكة ثم لسبب لا ندريه استحالت إنسانا؟
ليست من عادتي أن أقتبس لأحد لم أقرأ له كتابا واحدا على الأقل، وإن كنت لا أمنع ذلك مطلقا، وهذه المرة اقتبست لأحلام مستغانمي وأعجبتني هذه العبارة.
وهي عبارة وإن كانت شائعة ومبالغا فيها، إلا أن في مستهلها معنى وجيها، فكثير من الأشياء لا تستحق أن نهدر فيها أوقاتنا، وأن نخوض فيها جدلا وردا. يقول العلامة طاهر الجزائري: "إن الدقيقة التي أضيعها في رد شتيمة أو جدال، أولى بها كتاب أقرؤه أو طالب أستفيد منه".
وأذكر مرة قال لي أحد القرّاء الأعزاء:
" إن الحياة أقصر من أن تبدد في التأويل "
وهو لا يريد التأويل في ذاته، فليست المشكلة في أن نتأمل ونفكر، وإنما يريد بالتأويل ذلك الذي يستنزف وقتنا في الاهتمام بأشياء ليست ذات بال. وفي ظني أن هذا هو المعنى الذي أراد الإشارة إليه؛ أن نعطي بعض الأشياء قدرها من التأويل، وبعضها بعفوية، وألا نستنزف وقتنا في أمور لا تستحق كل ذلك العناء.
علامات الشباب والشيخوخة ليس موضعها الرأس؛ لأن موضعها القلب، فاليأس شيخ لأن اليأس ضعف في الإرادة وضيق في الخيال وبرودة في العاطفة، والشيب شيب القلب لا شيب الرأس؛ فمن لم ينفعل لمواضع الانفعال، ولم يعجب من مواضع الإعجاب، ولم يستكره في مواضع الاستكراه، ولم ينازل في مواضع الكفاح، … ولم يهتج للأحداث، ولم يأمن ولم يطمح، فهو شيخ أي شيخ، شاب قلبه وإن كان أسود الرأس حالكه.
إن أردت أن تعرف أشيخ أنت أم شاب، فسائل قلبك لا رأسك: هل ينبض بالحب، حب الجمال، وحب الطبيعة، وحب الفضيلة، وحب الإنسانية؟ وهل ينفعل لذلك انفعالًا قويًّا فيهيم ويغار ويدافع ويضحي؟ هل يتصل بالعالم فيتلقى أمواجه الأثيرية من الناس، ومن الأرض، ومن البحر، ومن الجبل، ومن السماء، ثم يلقى بأشعته — كما تَلَقَّى — على كل من حوله، فينفعل ويفعل، ويتأثر ويؤثر، فهو كالقمر يتلقى من الشمس ضياءً وهاجًا، ويعكسه على الأرض نورًا وضَّاءً؟ هل يبادل من حوله حبًّا بحب، وعاطفة بعاطفة، وخيرًا بخير، وأحيانًا شرًّا بشر؟ وهل يترك العالم خيرًا مما تسلمه؟ أو أنه قلب بارد كالثلج، جامد كالصخر، لا طعم له كالماء، ميت كالجماد، مغلف كالخرشوف؟
إن كان الثاني فشيخ، وإن كان الأول فشاب.
-مجلة الرسالة، العدد 148 | مقياس الشباب لأحمد أمين📚
والله يا جوالي مسكين، دايم استمتع بالجو والمناظر الجميلة وكل ما في الطبيعة مما يدعو إلى التأمل والتفكر والاستمتاع دون أن يكون له نصيب من ذلك كله .. نعم دايم أكون أناني فإذا رحت لأماكن مختلفة ولأغراض متعددة ما أذكر اني اخليه يعيش هاللحظات معي، ويمكن مصدر ذلك إن ما عندي سناب ولا انستغرام ولا تك توك… وأنا مبسوط بهذا ولا قد شعرت انه فاتني شيء أو اني نفسية بالعكس الحياة ماشية، والحياة جميلة بس تحتاج عين تدرك.