قادني هذا الصباح إلى نماذج رائعة للحياة.
غادرت "جورينيا دوبرافا" إلى طرقات ضيقة تتسلق مرتفعات "سوريشكا بلانينا " برفق. قرى بعيدة تستريح على سفوح تذود عنها ضجيجا يربك الطرف الآخر من العالم. كانت قمم الجبال تتكشف أمامي ببطء، وتمنح الطريق من هيبتها ما يجعل الوصول أقل أهمية من الرحلة نفسها.
في "سوريتسا" استضافني رسام إلى المقعد المجاور لتمثاله.
وقف هناك ناظراً إلى الأفق البعيد، كأنه ما زال يبحث عن لون جديد أو ضوء لم تلتقطه ريشته بعد. جلست على مقعد خشبي مجاور. تركت لروح ذلك الفنان مهمة الإرشاد. لم تدلّني إلى طريق أو وجهة محددة، بل دلّتني إلى شيء أبعد من ذلك؛ علّمني كيف أبصر.
عندها بدأت أرى ما لم أكن لأراه.
رأيت ظلال الأشجار وهي تنغرس في ذكريات متجذرة لأرض لا تزال بكرا، ورأيت مروجا ممتدة تحرسها جبال صامدة كأجراس الكنائس ، على طول الطرقات الملتوية، تركت بعض ذكرياتي على مقاعد مهترئة، رجوت لها أن تنساب إلى أودية كانت تهدهد ما تبقى من شتاءات الألب ، جلست عليها كما يجلس المرء أمام نافذة مفتوحة على اتساع العالم.
في رحلتي، لم أشعر بانتصاف النهار إلا عندما رأيت المطاعم والمقاهي على ضفاف بحيرة "بوهاين" وقد امتلأت بالمرتادين، بعد جولة قصيرة في الأنحاء، قررت أن أترك ذلك الصخب لأعود أدراجي إلى تلك الجبال التي أعرتها أنفاسي الممتلئة بصرخاتٍ صامتة. اتجهت على الفور إلى شلالات "سافيكا" ، كانت المياه تلتهم الهدوء لتصنع منه شكلاً آخر من أشكال الجمال. في حرم ذلك الانسياب، أدركت أن جماليات "بوهاين" ليست في مشاهدها السياحية وحسب، إنها إكسيرٌ للحياة، ومرتعٌ للانعتاق.
أرجوزة رصينة تكتبها القرى والجبال والأنهار ومطاعم "جوستلنا" التقليدية، أبدية تمنح الزائر دعوة مفتوحة للبقاء بلا قيود.
قال لي الجرسون "هـفالا " أي شكرا بعد أن نقدته مبلغ وجبة سمك "التراوت النهري" التي كنت قد ختمت بها يومي ، وما أن انتهيت إلى مخدعي شعرت أن هذا الصباح لم يأخذني إلى أماكن جديدة فحسب، بل سلّمني إلى مساءٍ يفيض عن أمنياتي الصغيرة.
لم أنشغل فلتنصفنْ إذعاني
ولتغفرنّ السهو في أشجاني
فلقد سهوت وباغتتني نزهةٌ
في مقلتيك، ولم تكن لتراني
وذهبت أُحدِقُ فيهما فلعلني
أتفيأ اللقيا بها فأراني
ألقيتَ آلامَ الحياةِ بجمعها
فسعتْ إليّ تُوَّرِدُ الأشجانا
ها قد دمانا الشوكُ يا هذا
فما للوردِ قائمةٌ ولا لهوانا
صوتُ الهوانِ وليدُ الصمتِ إنهما
موتٌ إذا ذُكِرَ الفراقُ دعانا
واستل أحلاماً مضتْ فاستفحلتْ
أسبابُها فهي التي أشقانا
وغدا سنرقب سعيها حينا فما
ذاك الذي يَتَلقَّفُ الأبدانا
أبدان لا روحٌ بها أبدا ولا
يُرجى بها شأنٌ يَرُدُّ الشانا
لا شيءَ يُدرَكُ لا قلباً يراوده
صدى الحنينِ وأصداءُ الذي كانا
جلَدْتُ ذاتَ الحبِ لمّا أن بدا
في القلب منها مأخذٌ ومُلامُ
وأنرتُ عينَ الظلِ ذاتَ توجّعٍ
فارتد فيّ عن الكلامِ فِطامُ
وأضرَ أخباري الزمانُ وما درى
أن السبيلَ لما رغبتُ هُلامُ
حتى تكشّف في السنينِ بأنها
لا مبتدىً في ما أتتْ وخِتامُ
سعيد الحارثي
لقد حَجَبْتَ أحاسيساً ممزقةً
منذ القميصِ الذي رتّقت بالكذبِ
طُفْ بالمجيءِ على الأشواقِ مرتدياً
سرَّ البقاءِ تُديرُ الكأسَ بالوَصَبِ
أما تراني وما شيءٌ سواكَ يَرى
ما لا أراه هنا في زحمةِ الكُرَبِ
يا من عدوتَ إلى بُدٍّي لتوهِمَهُ
أنّ الرحيلَ مدارٌ طيّبُ الحُجُبِ