من أجمل الصفات في نظري، وأعزّها وأقربها إلى قلبي (الكرم) إذّ أن هذه الصفة إذا امتلكها الإنسان لا تقتصر على العطاء المادي فحسب، بل تمتدّ لتشمل العطاء المعنوي، وكرم الأخلاق والتعامل، ورحابة النفس والبِشْر، وطِيب المعشر، طوبى للكُرماء الطيبين أينما حلّوا وارتحلوا.
عسى أن يجبرنا اللّٰه في كل شيءٍ نقصده، وألا يمسّنا فزع ولا شك ولا خيبة عسى أن يقرّ اللّٰه أعيننا بما ننتظره وأن يُيسّر لنا ما يسُرّ قلوبنا ويرضيها
عسى أن نأنس ويؤنس بنا ونأمن ويؤمن بنا عسى أن ننال ما نودّ، وأن تستقرّ قلوبنا وتطمئن
عسى أن يمُن اللّٰه علينا بالسَّكينة والهدوء.
من محاسن الإيثار :
لما رحل ورش من مصر إلى المدينة
للقراءة على الإمام نافع،
وجد عليه زحاماً شديداً
من أبناء المهاجرين والأنصار،
وكان نافع يُقرئ ٣٠ آية فقط،
فتوسّل ورش لنافع ببعض الشفعاء
ليراعي غربتَه،
فأمره نافع أن يبيت بالمسجد
ليبدأ به أولًا،
فقرأ ٣٠ آية،
ثم تبرَّع أحد الطلاب المدنيِّين
بحصته لورش،
ففعل طالبٌ آخر مثلَه،
حتى تبرَّع كل طلاب هذه الفترة
بوقتهم لورش
وشاء الله أن يختم ورشٌ على نافعٍ
عدة ختماتٍ
ويعود بعدها إلى مصر ..
وتوفي نافعٌ، وورشٌ،
وتوفي الطلبة المتبرِّعون بحصتهم،
وخلَّد الله رواية ورش عن نافع
حتى اليوم،
وثقُلت موازينهم، وظلت حصصهم التي تبرَّعوا بها للغَريب
وقفًا جاريًا عليهم إلى اليوم !!
وما هذه بأوحد بركات الإيثار ..
وهكذا الطاهرُ من طلبة العلم،
ينافِس ويُسابق،
لكنَّه يُؤثِرُ،
ويحبُّ لغيرِه ما يحبُّ لنفسه،
ويوقنُ
أن اشتراك الناس معه
في مصادر معرفته
ينفعُهم ولا يضرُّه ..
أما مُشَوَّه القصد في طلب العلم
فلا يرضى لأحد مشاركتَه،
ولكن يتفنَّن في قطع الطريق والتفرُّد،
فيضعه الله
من حيث طلب رفعة نفسه ..
وليس العجَب من خلود الرواية فحسب،
إنما العجبُ العُجَابُ
توفيقِ الله لهؤلاء الفِتْيَةِ
الَّذِينَ ألْهمَهُم إيثَارَ هذا الغريبِ بحصَّتهم،
فتمضي قريبٌ من ١٢٥٠ عامًا،
وروايةُ هذَا الغريبِ الذي آثَروهُ
يُتَعَبَّد بها اللهُ لفظًا ورَسْمًا وصلاةً،
وثوابُ كل ذلك قسمة بينهم
مع ورش ونافع رحمهم الله جميعًا ..
المصدر؛ معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ، للدكتور محمد سالم محيسن.