كأنَّها الجولة الأخيرة!
إنَّ زوال "إسرائيل" من الوجود حقيقة قرآنيّة، ووعدٌ نبويٌّ، لهذا نحن لا نسأل هل ستزول أم لا؟ لأنها زائلة لا محالة! وإنما السُّؤال هو متى؟!
وليس من مذهبي القعود عن العمل وانتظار المعجزات، بل إني أؤمنُ أن المعجزات إنما تأتي بعد أن يستنفدَ المؤمنُ أقصى ما يستطيعُ من العمل! حين يرمي الباطل بكلِّ قوته فيبدو على بعد خُطوة من الظَّفرِ، ويصمدُ الحقُّ حتى آخر ذرَّة فيه الصمود، فيبدو أنَّه قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة، تأتي المعجزة!
القرآن الكريم يُعلَّمنا حقيقة ثابتة وهي أنَّ صراع النفوذِ يختلفُ عن صراع العقيدة!
في صراع النفوذ يذرُ اللهُ النَّاسَ لما بين أيديهم من الأسباب وموازين القوى، فمن ملكَ أقواها غلبَ!
أمّا في صراع العقيدة، فلا يلزمُ أبداً أن تتكافأ القوى، ولا أن تتقابل موازين الأسباب!
كل الطغاة الذين أخذهم الله أخذ عزيز مقتدرٍ إنما أخذهم وهم في قوّة جبروتهم!
حين أهلكَ اللهُ فرعون لم يهلكه بتغيير موازين القوى، وإنما أهلكه وهو يقول: أنا ربكم الأعلى! أخذه وهو في أوج قوّته، على رأسِ جيشه المدجج!
وحين أهلكَ اللهُ النمرود لم يهلكه في لحظة ضعفٍ، وإنما أهلكه وهو قمّة غطرسته، يُنادي في النَّاس: أنا أُحيي و��ميتُ!
وحين أهلكَ اللهُ عاداً، لم يهلكها بتغيير الأسباب، وانقلاب الموازين، وإنما أهلكهم وهم يقولون: من أشدُّ منّا قوَّة!
وحين أهلكَ اللهُ ثمود، فإنما أهلكهم وهم ما زالوا يجوبون الصَّخر بالواد!
وحين شتَّتَ اللهُ شمل الأحزاب يوم الخندق، كانت الأرض قد ضاقتْ على المومنين بما رحبت، وبلغت القلوب الحناجر!
حين بدأتِ الحربُ على غزَّة كنتُ أعتقدُ أنها جولة من جولات الحرب، ستنتهي كما انتهتْ كلّ الجولات التي قبلها، أما الآن فشيءٌ ما في داخلي يقول إنها الجولة الأخيرة! وإنها لن تبقى على الشكل الذي هي عليه الآن، ستأتي ريح الأحزاب بإذن الله، ورياح اللهِ لها ألف شكلٍ وهيئة، وما يعلمُ جنود ربّك إلا هو!
وحتى إن انتهت كما انتهتْ الجولات السّابقة، فستكون قد بدأت من حيث انتهتْ!
ولكن الشيء المؤكد أنَّ هذه الحربُ خرجتْ منذ زمنٍ من أيدينا وأيديهم، يدُ اللهِ تُسيِّرها!
لستُ ضدَّ العقلانيّة، وحساب الأسباب، والن��ر إلى الواقع!
ولكن العقلانيّة ترفضُ كلَّ هذا الصمود، كلُّ ما يحدثُ هو ضدُّ العقل أساساً!
والأسباب لا تُنتج كلّ هذا الثبات!
والواقع يقول إن دولاً عظمى كانت لتنهار تحت كل هذا القصف والعدوان فكيف يصمد قطاع هو أصغر مساحةً من كلِّ عواصمنا؟! والأدهى من ذلك أنه بجغرافيته المسطحة بلا جبال ولا وديانٍ ولا غابات هو منطقة ساقطة عسكرياً عند أول هجوم من هذه الترسانة المهولة التي تملك البحر والجو واليابسة! وبالنظر إلى أنَّ حروب إسرائيل السابقة مع جيوشنا كانت تنتهي بساعات، فالحديث عن الواقعيَّة يبدو إيماناً مادياً غثيثاً!
لا يوجد محتلٌ بقيَ على احتلاله، هذه حقيقة ثابتة ��ا يستطيع أحد تكذيبها، بغض النظر عن عقيدة أصحاب الأرض! كل احتلالٍ زال هكذا يخبرنا التاريخ، وكل الغزاة رحلوا نهاية المطاف، وهذا الاحتلال زائل طال الوقت أم قَصُرَ، وعسى أن يكون قريباً!
أدهم شرقاوي / مدونة العرب
أنتم الذَّب��حَةُ القادمة!
روى ابنُ الأثيرِ في كتابه الكاملِ في التَّاريخ:
عندما هاجمَ المغول مدينة "بُخارى" بقيادة "جنكيز خان" عجزوا عن اقتحامها.
فكتبَ "جنكيز خان" لأهل "بُخارى" يقول: ﻣﻦ وقفَ ﻓﻲ صفِّنا ﻓﻬﻮ ﺁﻣﻦ!
فانقسمَ أهلُ المدينةِ ﺇﻟﻰ صَفَّينِ ﺍﺛﻨﻴﻦ:
ﺍلصَّفُّ ﺍﻷﻭَّلُ رفضَ، وأصرَّ على القتالِ دفاعاً عن الدِّماء، وذوداً عن الأعراض!
ﺃﻣﺎ ﺍلصَّفُّ ﺍلثَّاني فوافقَ على عرضِ الأمان خوفاً من بطش المغول!
عندها كتبَ "ﺟﻨﻜﻴﺰ ﺧﺎﻥ" إلى الصَّفِّ الثَّاني يقول لهم: إن أنتم ﺃﻋﻨﺘﻤﻮﻧﺎ ﻋﻠﻰ قتالِ ﻣﻦ ﺭﻓﺾ ﻣﻨﻜﻢ، ﻧﻮلِّكم ﺃﻣﺮ ﺑﻠﺪﻛﻢ، ونُمكِّنكُم من الحكم والسلطان!
فتواجه الفريقان، وجيش المغول على أبوابها، فكانت الغلبة لمن خانَ!
فلما انتصروا فتحوا للمغول الأبواب!
وكان أوَّل ما فعله "جنكيز خان" حين دخل المدينة أن سحبَ منهم السِّلاح، ثمَّ أمرَ جيشه بذبحهم، وقال قولته المشهورة: ﻟﻮ ﻛﺎﻥ يُؤمنُ ﺟﺎﻧﺒﻬﻢ ما ﻏﺪﺭﻭﺍ ﺑﺈﺧﻮﺍﻧﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﺟﻠﻨﺎ نحنﺍﻟﻐﺮﺑﺎﺀ!
إن لم تنصُروا هذه المقاومة عقيدةً وديناً، فانصروها مصلحةً وسياسةً فإنها تُشغلُ عدوَّكم عنكم، فإنَّ العاقلَ إذا أرادَ أن يأمنَ شرَّ عدوِّه قوَّى من يُعاديه، أليس من البداهة أن يكون عدوّ عدوِّي صديقي؟! فما بالك لو كان عدوُّ عدوِّكَ بالأصلِ أخاكَ، وابنَ دينكَ وعقيدتكَ، ونصرتُه واجبةٌ عليكَ بلا مقابلٍ؟! فواللهِ لئن كُسِرتْ هذه المقاومة لا قدَّرَ الله فستذوقون على أيديهم ما ذاقه أهل غزَّة، وقد رأيتم الذي ذاقوه!
لا تلهثوا خلفَ سرابِ التَّطبيع، ووهم السَّلام، فإنَّهم أهل غدرٍ، يشحذون سكاكينهم وهم يُوقِّعون بالأقلام على وثائق السَّلام! وما أنتم في أعينهم إلا الذبيحة القادمة، والغنيمة التَّالية، ولن يتوقَّفوا عن العمل لأجلِ حلم دولتهم الكبرى التي تدخل ضمن حدودها بيوتكم وأوطانكم جميعاً!
من تأمنون؟!
القوم الذين فاوضوا اللهَ عزَّ وجلَّ في بقرة؟!
أم القوم الذين كانوا يذبحون النَّبيَّ الذي يُرسله اللهُ إليهم ثم يذهبون إلى أسواقهم ودكاكينهم كأنهم ما فعلوا شيئاً؟!
أتأمنون الذين نشروا زكريا عليه السَّلام بالمنشار، وقدَّموا رأس السَّيد الحصور يحيى عليه السَّلام مهراً لبغيٍّ؟!
أتأمنون الذين أوقدوا نار الفتن بين الأوس والخزرج أبد الدَّهر؟!
أتأمنون بني قينقاع الغادرين، أم بني النَّضير الماكرين، أم أهل خيبرٍ ناقضي العهود وحانثي الأيمان؟!
أتأمنون الذين أخبركم ربُّكم عنهم أنهم أشدُّ النَّاسِ عداوةً لكم؟!
أتأمنون الذين أخبركم قرآنكم عنهم أنهم ينقضون عهدهم في كلِّ مرَّةٍ؟!
قاتِلُوا بأيدي إخوانكم وإلا ستُقاتلون يوماً بأيديكم!
واحقِنوا دماء أهل غزَّة وإلا ستستيقظون يوماً لتجدوا دماءكم هي التي تُسفك!
اللهُمَّ إنِّي قد بلَّغتُ فاشهد!
أدهم شرقاوي / سُطور
لا تبرحْ مكانكَ ولو لم يبقَ على جبلِ الرُّماة غيرك
إن توقف الناس فلا تتوقف
وإن فترَ الناسُ فلا تفتر
اُكتُبْ عن غزَّة كأنَّكَ الوحيد الذي عليه أن يُوثِّقَ دماء أهلها
اِبكِهمْ كأنك لو لم تبكِهمْ ما قام لهم مأتمٌ
أرِ اللهَ عُذركَ فكلُّ إنسانٍ لا يبذلُ ما بوسعه فقد خذلهم!
"اللهمَّ إنّ الأرض قد ضاقتْ،
وامتلأتْ بأنين المقهورين المظلومين في غزة،
ولا ناصر لهم إلا أنت!
فبقدرتك التي لا تُغلب،
وبجبروتك الذي لا يُرد،
أرنا في الصهاينة الطغاة المجرمين بأسك الذي لا يُصد ولا يُرد،
ولا يقدر على دفعه أحد"
يبكي المخنثون على الكرة، ويبكون على الهدف الضائع، ويبكون على البطولة الجديدة، ويبكون لحظة تسلم الكأس، ويبكون لحظة تسجيل الركلة الأخيرة، وتبكي غزة أن هؤلاء استخسروا فيها حتى الدموع، وآثروا على جلدها المحترق كرةً من جلد صناعي.
وُلِدَ الهُدى فالكائناتُ ضِياءُ !
أعرفُ أنّ النّبوّة الأخيرة لم تكن تليقُ إلا بكَ.. وأنّ إخوتكَ الأنبياء إذ سبقوكَ مجيئاً فقد سبقتهم مقاماً! جئتَ أخيراً لتكونَ أوَّلاً... فالرّسالاتُ لا بُدّ لها من مسكِ ختام، وحين يُراد بالمسكِ أن يكون بشراً، فمن عساه يكون غيرك!
فالسلام عليك أجمل الناس، وأطيب الن��س، وأرقّ الناس، وأحنّ الناس، وسيّد الناس!
السلام على آمنة بنت وهب صبيحة الثاني عشر من ربيع الأول تُهدي هذا الكوكب الغارق في الظلمة مصباحه الذي سينيره، لا من بصرى إلى الشام كما رأتْ في منامها، وإنما من المشرق إلى المغرب كما نرى نحن يقظةً!
السلام على عبد المطلب الذي انبرى لير��ي اليتيم الذي سيربي لاحقاً آباء هذا الكوكب وأمهاته!
السلام على حليمة السّعدية أخذتكَ كي لا ترجعَ خالية الوفاض، أيّ مالٍ تُصيبه مرضعةٌ من يتيم، فاكتشفتْ لاحقاً أنها كانت الأكثر ثراءً بك! حلّت البركة في ديار بني سعد يوم حللتَ، هكذا أنتَ يتبعُكَ الخيرُ كما يتبعُ النّملُ حبّات السُّكر، يا سُكّر هذا الكون!
السّلام على أبي طالبٍ على فقره يحوطكَ ويرعاكَ ويكفُلكَ، وعلى صغر سنّك لا تقبلُ أن تكون عالة، فتعمل بالرّعي لتعينه، مُذ كنتَ طفلاً وأنتَ سيّد الرّجال!
السّلام على خديجة كهفكَ وقبيلتكَ، وجيشكَ المُدجج بالحُبّ يوم عزَّ الجُنود! تأخُذكَ إلى صدرها من هول الوحي، تمسحُ على رأسكَ بيدها، وتقول لك بقلبها على هيئة كلمات: لن يخزيكَ الله! كانتْ تعرفُ أي الرّجال أنتَ، وكنتَ تعرفُ أي النساء هي، لهذا لم يكن عجباً أن تذبحَ شاةً بعد وفاتها بعشرين سنة، ثم تقول: أعطوا منها صويحبات خديجة! أيُّ الأوفياء أنتَ، أيُّ الأوفياء؟!
السلام على ورقة بن نوفل، حَبْرٌ يُحلقُ في غير سربه، إنجيل من غير مسٍّ، وتوراة من غير تحريف! قلبٌ على ملّة أبيك إبراهيم، وعقلٌ كان يعرفُ أن مبعثكَ قد حان، ولما وقعَ عليكَ، قصَّ عليك نبوءةً لن يشهدها: سيخرجكَ قومُكَ! فتسأله بدهشةٍ: أمُخرجِيَّ هُم؟! فيزيلُ عنك دهشتكَ: ما جاء أحدٌ بمثل ما جئتَ به إلا عُودي! وأخرجوك فعلا! ولكن من مشقة الدعوة إلى عِزّ الدّولة! فالسّلام على أبي بكر، صديق العمر، ورفيق الدرب، وشريك الغار في ثاني اثنين الله ثالثهما!
السلام على آل بيتك المخلوقين من طُهر، وعلى أزواجك المطهرات من قذى، وأصحابك المختارين عن اصطفاء!
السلام على الأوس والخزرج سيفكَ وعكازكَ
السلام على بدرٍ وأُحدٍ والخندق وحُنين وخيبر، ومواقع أُخر أخبرتنا فيها أن هذا الدين لم ينتشر بالسيف، ولكنه دون سيف يتطاولُ عليه النّاس!
السلام على الحديبية، الصُّلحُ الذي أنجبَ نصراً وفتحاً، اليومُ تُذلُّ العُزّى، وتُكسرُ هُبل، ويرقى بلالٌ سطحَ الكعبة، يخبرُ الكون كله أن الله أكبر!
السلام عليكَ يوم خُيِّرتَ بين الخُلد في الدنيا ولقيا ربك، فاخترتَ قائلاً: بل الرّفيق الأعلى!
السّلام عليكَ حيًّا فينا لا تموتُ أبداً، نُحبّكَ، ونحبُّ من يُحبّك، والموعد الحوض كما أخبرتنا، وإنّا لنُصدّقكَ!
أدهم شرقاوي / كتاب : وإذا الصحف نُشرت