6
تغيير دراماتيكي في كوبا سيكون بمثابة جائزة ترضية عن الصورة المهزوزة التي عاد فيها من الحرب البعيدة.. وجه مهشمٌ لكنه عائدٌ بصيدٍ ثمينٍ من الحديقة القريبة. على الأقل هو احتمالٌ معزز بتصريحات تمهيدية كثيرة خلال الأسابيع الماضية، بعد أن بدا الأفق في إيران.
أما لبنان، فأمامه استحقاقات بالغة الخطورة. اليوم يقول ترامب إنه تحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع عن مسألة حزب الله. لكن ما يصبو إليه ترامب، ليس سهلاً على الإطلاق. فما فشل نتنياهو المدجج حتى أسنانه في تحقيقه، لن تتمكن سوريا من تأمينه من دون الغرق في وحولٍ تسعى جاهدةً لمسح آثارها. سوريا مثل لبنان، تحتاج اليوم إلى الراحة والبناء، ولديها ما يكفي من بواعث القلق والأزمات التي تتطلب عقوداً من الجهد للنجاة منها. وفوق ذلك كله، هي على تقاطعاتٍ إقليمية تركية وعربية تصعب عليها التفكير في الاستجابة لطلب ترامب، الذي قد يتحول بعد 4 أشهر إلى بطةٍ عرجاء.
ومع ذلك، لن تكون الصورة وردية لإيران وللحلفاء في لبنان. فالاستقرار الداخلي في لبنان يتطلب قراءةً معمقة للمرحلة السابقة برمتها، واستخلاص الدروس منها، وصياغة مشروعٍ للعلاقات الداخلية والخارجية قابل للحياة. وبموازاة ذلك كله، على عاتق لبنان أن يخرج برؤيةٍ واعية لتصحيح النظام السياسي وتفعيله، ونظرة موحدة للحدود ومصير الموقف اللبناني في وجه إسرائيل.
والمنطق يقول، إن البحث عن نقطة توازنٍ بين الطروحات المتناقضة هو الواجب الأول اليوم. ونقطة التوازن ليست النقطة الوسطية بين موقفين متناقضين. انما نقطة المشروع القايل للحياة، والذي يؤمن الاستقرار فعلياً.
السلام مع إسرائيل ليس نقطة التوازن، بل صاعق انفجار أكبر.
بعد حرب 2024، تحدث وليد جنبلاط عن اتفاق الهدنة لعام 1949 كبديلٍ لاتفاقية سلام، الأمر الذي يفيد أيضاً في التناغم مع الدول العربية المؤثرة كالسعودية.
هذه ربما تكون نقطة التوازن الأمثل.
وفي الاتجاه نفسه، يبدو مفيداً في هذه اللحظة تحصين النظام السياسي بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، وهذه نقطة التوازن الثانية. وذلك من أجل العلاقات الداخلية أولاَ، والعلاقات العربية والإقليمية ثانياً، ثم من أجل مجابهة المخاطر الإسرائيلية ثالثاً.
من أمواج المضيق وغبار الجنوب، إلى بورغنشتوك،
هل يصمد الاتفاق الأميركي-الإيراني؟
وكيف ستتحرك المنطقة على وقعه؟
بدايةً، مذكرة التفاهم هي في الحقيقة صورة النتيجة السياسية الأولية للحرب، وليست نتيجة تفاوض بارد يعكس موازين القوى.
إذن هي نتيجة الأحداث بحد ذاتها، في سياقها الزمني، ومع الأخذ بالاعتبار أثر صناعة القرار في اللحظات المفصلية. وهو ما عبّر عنه ترامب عندما استغرب رد فعل #إيران منذ اللحظات الأولى للحرب. البارحة عاد لتأكيد تفاجئه بتلك الاستجابة.
وعلى جري العادة، تراجع ترامب في لحظة الانحدار من الذروة، عندما بدأت الارتدادات والخسائر تفوق العائد المتوقع من الحرب. خصوصاً أن التغريدات كانت تفقد قدرتها على لجم أسعار السوق (نفط وسندات) مع اقتراب نفاذ الدفعة التي ضخت في السوق من احتياطات النفط الغربي في أول تموز-يوليو.
وقد خلق ذلك انطباعاً بأن عهد ترامب الثاني، هو عهد الحروب غير المكتملة. مع الصين، ومع روسيا وإيران، الأمر نفسه. حروبٌ غير مكتملة.
لكن هذه الحرب، أظهرت أنه عهدُ التردد السياسي وقول الشيء ونقيضه في اللحظة نفسها. وحتى يتأكد ذلك، لاحظوا التالي:
خلال الحرب كان ترامب يؤكد أن قدرات إيران دُمرت بشكلٍ شبه كامل. البحرية انتهت، الجيش دمر، المخزون الصاروخي نفد، القيادات السياسية اغتيل الفوجان الأول والثاني… حسناً، لماذا أُعطيت إيران التي فقدت كل ذلك، هذه المكتسبات في الاتفاق؟
وهذا يقود إلى احتمالين، إما أنه يكذب، أو يعطي المكاسب للتخدير، ثم استئناف الحرب لاحقاً.
شيءٌ آخر غريب. يبرر ترامب التراجع أمام إيران الآن، بقرب نفاد احتياطات النفط وانهيار أسعار الأسهم. بينما كان خلال الحرب يقول إن الأمور جيدة، وإنه ليس تحت ضغط الوقت.
والوقت، هو المعطى الذي استخدمته إيران لكسر إرادة ترامب.
كانت إيران تسعى بصورةٍ حثيثة الى تمرير أقصى مدة ممكنة من الوقت قبل التوصل إلى اتفاق. وهذا يفسر رفضها التفاوض في الأسابيع الأولى للحرب.
فيما بعد، وعندما بدأ تبادل الرسائل، أبطأت الوتيرة من دون أن تكون عائقاً أمام وقف الحرب. لأنها كانت فعلاً تريد وقف الحرب، لكنها كانت ترى إن إيقافها في مرحلة مبكرة، سوف لن يُشعر الطرف الآخر بالحاجة إلى تقديم تنازلات.
القناعة الأميركية بضرورة وقف الحرب فوراً، لم تتشكل إلى بعد أسابيع طويلة. وقد بنى الإيرانيون تلم القناعة ساعةً بساعة. وإن كنتم تتذكرون عدم رد إيران على ورقة ترامب لثلاثة أسابيع كاملة.
ترامب حاول إنكار ألمه من مرور الوقت، فأخر رده 12 يوماً على الرد الإيراني.
كانت رسالة الإيرانيين لترامب: تعالَ نقع معاً في الهاوية.
ثم بعد نضوج إرادة حقيقية لديه للتراجع، قالوا: تعالَ ننجو معاً من الهاوية. لكن بتفصيلٍ إضافي: من دون نتنياهو.
لنعد إلى الصورة الأوسع. أميركا تمتلك كل الرغبة بحسم كل الحروب التي تخوضها (مع إي ان وروسيا والصين)، لكن تنقصها القدرة على تحمل التبعات والكلفة. وهذا ما أكده أداء إدارة ترامب المترددة.
يكتفي #ترامب بخطوةٍ إلى الأمام، ثم خطوتين إلى الخلف. هذا ما فعله مع الصين في الحرب الجمركية، ومع الحلفاء في قضية غرينلاند، ومع روسيا في أوكرانيا. لكنه مع إيران، وبزخمٍ من نتنياهو وتأكيدات الموساد للنتيحة المضمونة خلال أيام، اندفع في خطوتين إلى الأمام، ثم أعادته الوقائع وحقائق الصراع عشر خطواتٍ إلى الخلف.
النتيجة حتى الآن تشير إلى هزيمةٍ استراتيجية لأميركا في هذه الحرب. نتيجةٌ يؤكدها الأكاديميون الغربيون والإسرائيليون قبل الخبراء في المنطقة. لكن لماذا نقول "حتى الآن"؟
⤵️⤵️⤵️
ترامب لإيران: لقد أطلقتم صواريخكم وهذا يكفي!
ويتابع، عودوا إلى طاولة المفاوضات وأبرموا صفقة!
لماذا يريد #ترامب امتصاص الرد الإيراني على إسرائيل؟
مهم جداً هذا الموقف في هذا المفصل.
أولاً انطلق سباق النجاة بين ترامب و #نتنياهو. هناك مفاضلة في عقل الرجلين في تشكيل الظروف التي ستعزز فرص الفوز بالانتخابات.
الفارق بين المحطتين الانتخابيتين نحو شهر تقريباً. ويتبقى على المحطة الأولى أكثر بقليل من 3 أشهر.
وفي حين أن حسابات نتنياهو الداخلية وحاجاته والمخاطر عليه واضحة، هناك محاطر كبرى على مشروع ترامب، تعززها وقائع الصراع الحالي في غرب آسيا.
الاتفاق مع #إيران ضرورة بالنسبة لترامب الآن، وليس بعد شهرين. الآن هي اللحظة التي يمكن أن تنقذه (وإن كنت أعتقد أنه سيخسر واحداً من مجلسي الكونغرس على الأقل). تقرير لـ "فاينانشال تايمز"، أكد انخفاض إجمالي مخزونات النفط الخام والمنتجات النفطية في الولايات المتحدة بمقدار 10.6 مليون برميل الأسبوع الماضي إلى 1.57 مليار برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2004 بعد (حرب العراق). هذا مستوى خطر جداً على عمل الجيش وعلى عمل الدولة كلها. ترامب يعرف، ويعترف بالمأزق.
بعد ثلاثة أسابيع من الآن، سوف تنفد كميات النفط التي ضختها دول الغرب (تحديداً) في السوق لضبط الأسعار والحفاظ على تدفق المادة.
الدول الغربية وأميركا خاصةً، ستكون أمام معضلة كبرى. إذا أفرجت عن دفعة ثانية من الاحتياطات، ستكون قد فرّغت جزءاً كبيراً مما تبقى لديها من مخزون، ودخلت تالياً في حالة طوارىء شديدة المخاطر، حتى على القطاعات المدنية، فضلاً عن الجيوش.
ورغم هذه المخاطر، تكثر التوقعات في سوق الطاقة بأن سعر برميل النفط لن يعلو 90$ بحلول نهاية العام. أي أن ذلك مبنيٌ على توقت حل سياسي وفتح مضيق هرمز في خلال الصيف وربما الآن. لأن الحل الذي يأتي بعد الانتخابات سيكون تالياً لصدمة نفطية كبرى، تفلت عقال السعر من أيدي اللاعبين جميعهم على الأرجح.
الصدمة النقطية الكاملة هي أهم سلاحٍ في يد إيران الآن، وهو يهدد الاقتصاد العالمي برمته، لكن من سيصيبه سيناريو كهذا في مقتل، هو ترامب بالدرجة الأولى، والبقية سيكونون خسائر جانبية.
تأثير غلق المضيق تراكمي، وفلتان الأسعار تسلسلي عندما يتجاوز نقطة اللاعودة، ونحن نقترب منها في تموز-يوليو، عندما تنفد الدفعة السابقة من الاحتياطات.
لم تعد الدول الغربية قادرة على ضخ المزيد، مع أفق تصعيدي. إذا لم يفتح المضيق، فإن كل دولة في العالم، وخصوصاً الغرب، ستتمسك بكل ليتر من البترول حرفياً، وستمنع تصدير البنزين بشكلٍ مؤكد. ولنا أن نتخيل كيف ستتأثر القطاعات كلها، وكيف سيدخل الناس في حالة الهلع الاستهلاكي.
كل محاولات ضبط الأسعار السابقة والحالية كانت تجري في ظل وجود احتياطات في الأسواق. وهذا هو السبب الأساسي في أننا جميعاً لانزال نملأ سياراتنا بالمادة بصورةٍ شبه طبيعية. هذا سيتغير بعد أسابيع قليلة إذا لم تتغير حالك هرمز، فكيف إذا أقفل باب المندب، وتحركت مساحات ضغطٍ أخرى.
الجميع الآن أمام لحظة الحقيقة. ترامب يريد اتفاقاً يفسر كنصر، يسوقه كإنجاز، ويستخرج منه زخماً للانتخابات، وتجديد للمشروع.
نتنياهو يريد مد اللحظة، وتفخيخ الأحداث بإجراءات مستمرة لإبقاء الحطب مشتعلاً حتى آخر الصيف. لأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستحدد ما اذا كان سينجو، سيسجن، أم سيكون لاجئاً في الخارج (ترامب لمح إلى استقباله وزوجته كلاجئين سياسيين إن خسروا).
وإيران تريد استثمار اللحظة، لفرض مكاسب استراتيجية في مقابل أوراق تكتيكية: نظام المضيق والأصول المجمدة والعلاقة مع الحلفاء، في مقابل وقف إطلاق النار وفتح المضيق وضوابط على النووي (قريبة مما قدمته لأوباما من دون طرح المقارنة لحساسية ترامب عليها).
الأسبوع الحالي خاتمٌ لمسار، أو فاتحٌ لموجة أكثر عنفاً.
الكرة عند ترامب الآن!
NEW: President Trump asked for several amendments to the deal his envoys reached with Iran during a Situation Room meeting yesterday https://t.co/0IwiA9peNr
الاتفاق موجود… الثقة مفقودة
في هذه اللحظات، يتم تبادل الخطوات لبناء شيءٍ من الثقة بين #ترامب والقادة الإيرانيين.
يتم تبادل هذه الخطوات، خطوة بخطوة، إعلان ترامب رفع الحصار فوراً، ثم إعلان وزارة الخزانة عن أن الحصار سيرفع تدريجاً، وعن مصادرة أصول مشفرة بقيمة مليار دولار، وتحفظ الإيرانيين على تصريحات ترامب بخصوص النواحي الأخرى.
النص موجود، التوافق حول ضرورة إخراجه موجود، صيغة الإخراج ووقعها هي الناحية التي يهتم بها ترامب الآن بصورة مبالغ فيها.
يريد ترامب الابتعاد عن الوقت نفسه لاتفاق أوباما-إيران، لذلك يكثر من الحديث عن الغبار النووي ومنع #إيران من الحصول على المليارات، بينما في الوقت نفسه هو ملتزم بتسليم إيران 12 مليار دولار فوراً وهي موجودة في قطر، وناتجة من أصول كانت مجمدة في كوريا الجنوبية ونقلت إلى قطر بمبادرة خلال الحرب قبل أسابيع، لبناء نوع من الثقة، ما أثمر في وقتٍ لاحق دوراً قطرياً مهما في مبادرة وقف الحرب.
المؤكد أن ترامب يحتاج وقفاً للحرب الآن، وأن إيران بحاجة الى ذلك أيضاً. لكن المؤكد أيضاً أن إيران لا يمكن أن تفتح مضيق هرمز كما كان قبل الحرب، من دون أن تضمن عدم تجدد الحرب في وقتٍ لاحق بعد أن تعيد الدول الغربية ملء احتياطاتها من النفط، وتنفيس تراكم أثر الصدمة النفطية المتشكلة عن الاقتصاد العالمي. وكيف تضمن إيران ذلك؟ بإبعاد الحشد العسكري الأميركي عن المنطقة، إلى جانب التزامات قانونية دولية، وضمانات وفرها الصين بالدرجة الأولى والوسطاء الآخرين، وإيران أعلنت عن ثقتها بتلك الضمانة قبل أسابيع.
إذاً، تحرير الأصول، سحب الحشود من المنطقة وتوفير الضمانات، ووقف إطلاق نار شامل في لبنان بموازاة ذلك. هذه الشروط الإيرانية التي إن تحققت، توقع إيران مذكرة التفاهم، وتشعر أنها فرضت موقفها في التفاوض.
أما مسألة الرسوم على المضيق فهي أشمل وأكثر سعة، وهي ستكون مسألة إقليمية صرفة بعد فك الحشود، وهذا ما دفع ترامب إلى تهديد سلطنة عمان.
أما لبنان، فإنه سيتأثر حتما باتفاقٍ أميركي-إيراني على إطلاق المفاوضات مجدداً، ووقف إطلاق النار.
لكن تأخير ترامب توقيع الاتفاق مع إيران يبدو مرتبطاً بسكلٍ وثيق بتفاهمه مع نتنياهو. لقد أراد أن يوفر لإسرائيل هامشاً لتحقق مكاسب إضافية، ولا مانع لديه من أن تمكىن هذه المكاسب نصيباً إضافياً من دم المدنيين والأطفال، طالما أنا "كارت بلانش" أميركي ممدود بصورةٍ دائمة لإسرائيل.
ترامب ينظر إلى لبنان كساحة تعويضٍ لنتنياهو عن جائزته الكبرى التي خسرها، وهي إيران، وهذا أخطر ما في هذه اللحظة.
اضطرار ترامب إلى التراجع من الحرب، واضطراره في الوقت نفسه لتأدية طقوس الخضوع للابتزاز الإسرائيلي (ملفات إبستين لا تُنسى حتى وإن أخفيت من النقاش العام)، هما اضطرارين متناقضين. ولأجل أن يحقق توافقاً بينهما، يسعى ترامب إلى إعطاء نتنياهو مكاسب في لبنان.
وفي موازاة ذلك، يواجه نتنياهو استعصاءً ميدانياً على المستوى العسكري، وحالةً مهينة لصورة جيشه على الأرض. لكنه وتعويضاً عن ذلك، يحقق نتائج تدميرية هائلة، فيطال قلب المدن اللبنانية التاريخية قي الجنوب، صور والنبطية وبنت جبيل تحديداً.
ترتفع كلفة الوحل اللبناني على نتنياهو عسكرياً وسياسياً الى حدٍ قريب من الإطاحة بمستقبله السياسي كلياً، فيعوض عن ذلك برفع الكلفة الاجتماعية على اللبنانيين إلى حدٍ غير مسبوق. والحقيقة أنه ينجح اليوم في الإيلام الشديد للبنان، على مستوى المدنيين والاقتصاد والشعور العام.
ينجح بتحقيق أقصى درجات الألم بين المدنيين. لكن أمام المقاتلين، يتلوى جنوده ويتقافزون بين خيمة وشاحنة وهامر وخلف جدران مستحدثة، وكيتدثرون بالليل وبالجدران في الجنوب، والآن باتت المسيرات تطالهم ليلاً ونهاراً والجدران تلفظهم وتطبق عليهم.
هذه الكلفة العسكرية والسياسية للقتال في الجنوب أكبر من أي قدرة على الاستمرار فيها لسنوات.
ما المرجح؟
⤵️⤵️⤵️
ليس من نيّة لدى إيران للقتال ولا قدرة ونيّة لدى فصائل المحور في اليمن والعراق وغزة.
وعليه يجب حقن الدماء والانسحاب من هذا المحور المهترئ ومحاولة استرجاع الارض.
إذا كان هذا مستحيلا لأن الميدان خاسر. لأن التفاوض غير نافع فالنتيجة خسارة الأرض إلى الأبد.
هذه حقيقة مرّة.
نعم اختارت المقاومة لحظة الهجوم على إيران لمحاولة تبديل الميدان.
كلنا رأينا القصف على المستوطنات من إيران ومن لبنان وفعالية ما كان يحصل.
وإذا بفخ وقف النار وهرولة الإيراني.
ينفذ الإسرائيلي مقتلة 8 نيسان ولا تستعر النار. يدخل ولا يدخل. يتفق ولا يتفق.
جرى خذلان الجنوب بغباء.
حاضرتان من أبرز مدن الجنوب، صور والنبطية، تواجهان اليوم خطرَ الاحتلال المباشر. قوات الإحتلال الإسرائيلية وصلت إلى زوطر الشرقية، فقط خمسةَ كيلومترات خط نار من النبطية، فيما صدرت أوامر الإخلاء لمدينة صور.
الحكومةُ اللبنانية لا تنوي الدفاع عن مدنها، لا ترى أمامها غيرَ التفاوض، وهو موقف جبان بدون أي حرج في التعبير. طائراتُ الـFPV التابعة لحزب الله قادرةٌ على أن تُكبّد القواتِ المتقدِّمة خسائرَ، لكنّها ضمن هذا الحد، لا تستطيع وقف الغزو. أما الشرط الإيراني بعدم استهداف بيروت والضاحية، فبات في هذه اللحظة رمزيا بدون اثر عملياتي حقيقي، في ظلّ سعي نتنياهو الواضح إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.
مما لا شك فيه أن المزيد من جنود الإحتلال سيقتلون على التراب اللبناني، ولبنان بات وحلا ورمال متحركة. لكن المزيد من الأرض اللبنانية ستقع تحت الإحتلال. قرانا جُرِفت بشكل ممنهج طوال أشهر، والآن جاء دور المدن.
من ينتظر حلّاً سريعاً على طاولات التفاوض، عليه أن يتخلّى عن هذا الوهم. ومن ينتظر حل المتاهة اللبنانية بتفاهمات اقليمية، لن يحصد شيئا في المقابل. ما أراه يتخطى الأزمة، هذا تحوّلٌ جذري، تحوّل شامل، قد يمتدّ لسنوات. ولن تكون سنواتِ معاناةٍ عادية. ستكون طويلةً مُجهِدةً مُدمِّرة، بلا أفقٍ واضح.