كنت أصل إليك ،
بكل النسخ التي أخفيها عن العالم ،
النسخ التي لا تعرف التمثيل ،
ولا تجيد النجاة ،
ثم أعود منك
أتعلم للمرة الألف ،
أنّ الوداعة في هذا العالم
تُؤذي صاحبها أكثر مما تُنقذه .
أخاف من السقوط ؟ لا ، بل أخاف أن أصل ،
أن أكتشف أن القاع يشبهني أكثر ممّا كنتُ أظن.
كلّما اقتربت من النهاية ،
انفتح باب آخر في داخلي ،
كأنني لا أنتهي ،
بل أزداد عمقاً .
أُطل على نفسي كغريب يعرف ملامحي ،
لكنّه لا يثق بها ، كأنني احتمال لم يكتمل ،
أو ذكرى ترفض أن تُمحى .
أجرب أن أعود ، فلا أجد الطريق ،
وأُجرّب أن أضيع ، فأجدني هناك !
أسبقني بخطوة من التلاش�� .
فما الذي يبقى حين لا يبقى شيء لنبحث عنه؟
ربما لهذا أصادق النقص وأميل إلى الظلال ،
وأختار أن أكون في المسافة بين فكرتين،
لا أن أنتمي لأي منهما .
هناك حيث لا تعريف نهائي ،
ولا يقين يغلق الباب ،
أشعر أنني أكثر صدقاً .
لأنني ببساطة ،
لا أريد أن أكون حقيقة ،
بل احتمالاً لا ينتهي .
ليس لأن الطريق طويل ، أتردد !
بل لأنّه واضح أكثر مما ينبغي ،
كلما اتضحت الجهات ضاق الاختيار ،
وصارت الحرية شكلًا آخر من أشكال الحتم .
أخاف اللحظة التي أفهم فيها كل شيء ،
لا لأن الجهل راحة، بل لأن الفهم نهاية الاحتمالات.
أمشي لا لأصل ، بل لأؤجل الوصول ،
فكل نهاية أعرفها تبدو كأنها خسارة !
خسارة مغلفة باسم الاكتمال .
أراقب نفسي ،
حين تقترب من الإجابة ،
كيف تبطئ ،
كيف تختلق الأسئلة !
كي لا تسقط في فخ الوضوح .
إن أجبتني دون تلعثم ،
أقررتُ لك ، بأنك لا تُجيد الفيزياء فحسب ،
بل تُحسن تحويلها إلى شيء يشبهني ،
وإن عجزت " وهذا أظنه ألطف "
فاكتفِ بالابتسام ، وسأكتفي معك بحقيقة أبسط :
بعض الأمور لاتناسبها لعبة التحدي ،
لان الخسارة فيها حتمية ،
مثلي مثلاً !
يظن أن الحب امتحان تحريري ،
وأن القلوب لا تُجيز أصحابها إلا بعد اجتياز قانون كولوم !
لا بأس ، سأعترف لك باعتراف صغير :
قد أجهل كيف تُقاس قوى التجاذب بين الشحنات ،
لكنني أُتقن فن الانجذاب ،
بالأخص حين تحاول أن تُضحكني بثقة العارف ،
ثم تتعثر في شرحك أكثر ممّا أتعثر أنا في الفهم!
تسخر لأنني لم أحفظ قانوناً لك تحفظ غيره بالأساس ��
ولكن ، لابأس ياعزيزي ...
فلنبدل الأدوار قليلًا ،
دع عنك كولوم ،
وأجبني عن قانون أوم ، إن استطعت !
لكن لا تُلقه حفظاً كما تفعل ،
بل فسره لي كما يليق :
كيف تكونُ (المقاومة) عندي منعدمة ،
والتيار يشتد كلّما اقتربت ؟
والأرض رغم الصمت ،
لا تغضب من بذرة ارتحلت ،
تظل كما هي ،
واسعة ،
مفتوحة القلب ،
تنتظر العودة !
لأنها تعرف أن البذور ،
لا تبدل انتماءها ،
وإن طالت بها الرياح .
لم تخذلِ الأرض جذورها،
لكن الريحَ أقنعت البذرة بالترحال ،
فمضت خفيفة كفكرة لا تُمسك،
تظن أن في البعدِ الخلاص ،
وأن الامتداد في الجهات غنيمة ،
لم تكن التربة قاسية ،
كانت فقط تعلمها الصبر ،
وتهمس لها أن العُمق طريق النماء ،
وأن ما يرى فوق السطح
لا يزدهر إلا بقدر ما يثبتُ تحته .
الريح لا تعِد إلا بالحركة ،
ولا تمنح سوى وهم الإتساع ،
تأخذ البذور في جولة صاخبة ،
ثم تتركها وحيدة !
كل ماترجوه ، دفء حضن .
ولأني أنا البذرة !
أ��ركت أنه من الممكن ألا تكون كل مغادرةٍ نجاة !
ولا كل ثبات عجز ،
فبعض الرحيل انبهار عابر ،
كما أن بعض البقاء شجاعة صامتة.