لي نفس لا تنتهي عن مساءلة مكنونها..
اليقين المستبان لا يروي ظمأها ويفتنها ما كان مجهولًا.فكلما دنت من مرافئ الإجابة، أبحرت نحو سؤالٍ أجسر وأكثر تعقيدًا.
اليوم..
علاقتي بالإبل يسودها كثير من الاحترام وقليلٌ من الجوار -اكتفيت بأن أُعجب بها من بعيد-
أما عن عهدي ذاك؟ فما زلت أوفي به حتى بعد رحيل من ألهمنيه..
غير أنني صرت أختار من الأرض ما لا تختاره الإبل.
حين يرتخي الليل على عروق الأرض، كان لجدي شأنه.
فإذا أقبل الليل وتوسطت القمراء السماء، يستلقي خارجًا ملقي عن كتفيه عناء الدنيا، متخذًا من الفضاء سقفًا له، مستسلمًا لذلك السكون.
كنت أراقب المشهد من بعيد، كان الليل ما يكتمل إلا به والنجوم تُكثر من وميضها حياء من رجل كان يحسن الإنصات
مدري غفيت ولا كنت بين يقظة وحلم، قطع استجمامي حركة ثقيلة، حتى التفاتتها كانت تُسمع..
وما هي إلا لحظات حتى أحسست بثقل جثم على جسدي
احترت بين العماء والجلاء: أألوذ بالفرار، ولا أفتح عيني لأعرف أي حتفٍ ينتظرني؟
تجاسرت..
فتحت جفني على حذر، فإذا بي أواجه ناقةٍ من نياق جدي الميمونة..
شيءٌ آخر..
لا بأس يا أيها القارئ، أن تُجالس كتب تشريح الإنسان بين حينٍ وآخر؛ ففيها من التفسير ما يخفف شيئًا من وطأة الحيرة.
أما القلب، فقد آن أوان إنصافه؛ فالمسؤول يقيم أعلاه ببضعة سنتيمترات.
صباحًا،
مسني شذا عطرٍ لي طال بيني وبينه الهجر، ثوانٍ معدودة حتى استطردت ذاكرتي..
فعادت لي الوجوه بأسمائها، والأمكنة بملامحها، والعواطف بحرارتها الأولى.
ولأن نفسي تميل إلى أن تُطفئ فائض الشعور بشيء من التعقل، تذكرت ذاك الجزء التشريحي اللي تتجاور فيه الذاكرة والعاطفة ومراكز الشم…
سبحان الله..
جزء ضئيل المساحة، مدهش الأثر، يكفيه رائحة عابرة ليقلب أعوامًا بين يديه ويعيد عمرًا في لحظة.
النفس البشرية بريئة هذه المرة، ولعل مشكلتنا تشريحية لا أكثر..
لها عادة تستوقفني طويلًا..
تتعمد ألا تغادر مجال بصري ثم تعود إليه بهيئة أخرى. تترك لي من البعد ما يكفي لاكتمال الصورة ثم تسترده قبل أن يبرد الشوق إليها، حتى بدأت أشك أن ذلك ليس من قبيل المصادفة، بل حيلة جميل أدرك أن العين إذا استوفت المشهد انصرفت، وإن ترك لها شيء من الترقب بقيت…
ولست أهوى من الدروب إلا ما وافق سجيتي، ولا أستعذب من الوصول إلا ما جاءت به خطاي..
فما قيمة غايةٍ يُدركها المرء وقد أضاع في سبيلها طبعه، واستعار لنفسه هيئةً ليست له؟
التنافسية خُلق لا تألفه نفسي..
وما انصرافي عنها عجزًا عن خوضها وإنما زهدًا في أن أجعل الناس مقياسًا لمسيري. فالسبل لا تضيق بكثرة سالكيها، فإن سبقني إليها أحد فما انتقص من نصيبي شيئًا، وإن تعثر دونها غيري فما ازددت بذلك استحقاقًا.
لكل سائر وجهة اختصته، ولكل قدم أثر لا يشبه سواها.
كأس والدي تشي بمزاجه؛ فإن استعجل الشاي علمت أن في صدره بقية من نهار لم ينقضِ
وإن أطال صحبة قهوته تهادت على لسانه عيون الشعر، يترنم بها بصوت عذب، كأن الشعر لم يكتب إلا ليسمع منه
أما غضبه فلا يعرف الجلبة؛ يلف السبحة حول إبهامه دورة إثر أخرى، حتى يخيل للناظر أن الحلم يعقد بين حباتها
بعد خمس ليالٍ ثقيلة..
استبد فيها التيه وغامت السبل، أقبلت هذه الليلة المخملية. وفي عمق هذا الهجوع استفاقت قريحة الرسام تُلوّح ببعثٍ جديد؛ فهل أنا على موعد مع إخفاق مدوٍ ذريع، أم بميلاد فنٍ باذخٍ بديع؟
لا أدري، فإن كان إخفاقًا ليكن على الأقل ذو إطارٍ أنيق..
تعتري المرء أحيانًا رغبة عاتية، تقتحم حصون تعقّله وتدفعه إلى اقتراف أشد الأفعال طيشًا؛ يقدم عليها وهو مفتون بسحرها، في لحظة تخالف ما جُبل عليه من تأنٍ .
تدفعك لتتساءل: هل يكتمل وقار المرء دون أن يختبر نقيضه؟ ، أم أن للنفس نصيبًا لا تناله إلا بتجربة طائشة وإن كانت فادحة؟
وأيًا كان الجواب.. ها أنا ذا اليوم أقف على أنقاض حماقة ارتكبتها. تتجاذبني مشاعر شتّى: سعادة عارمة تجتاح داخلي -أُلجم عنانها خيفة أن يستلذّ قلبي الحماقة فيألفها- وفي الحين ذاته يعلو في داخلي صوت العتب والازدراء لما اقترفته يداي.
المحصلة؟ سعادة بلهاء..