يجتاحني القرف في هذه اللحظة، لأن الشك هجم على الذكرى الحنونةِ التي احتميتُ بها يوم كانت روحي في أقصى عريها، فدنّسها، وسلبها حقها في الطمأنينة. اختلّ المعنى في داخلي اختلالًا موجعًا، وتهاوت القيم التي كنت أتشبث بها كالغريق، الذي أوهمه الأمل بالنجاة. فلم يبقَ في صدري إلا سؤالٌ مرّ، ولا جواب يشفيه. أخذت أفتّش عن الصدق في تفاصيل أيامي، أستجديه في الوجوه، وألاحقه في الكلمات، فلم أجد سوى محضِ أوهام. فعدتُ إلى وحدتي، عودة المهزوم من كل شيء حتى من نفسه، وأكثر حذرًا مما كُنت. كل الأشياء التي أرهقني الوصول إليها، لم تتقدّم نحوي خطوةً واحدة، وكأن التعب كان نصيبي وحدي، وكأن السعي خُلِق لي، والوصول حُرّم عليّ. أشعر بالقرف من أفكاري، من محاولاتي للفهم، ومن قلبي الذي أصرّ على تصديق كل الأشياء الزائفة . أشعر بالقرف لأنني منحت نقائي لأيدٍ ملوّثة، ولأنني صدّقت ما كان يستحق الشك منذ البدء. وأودّ لو أتقيّأ هذا الزيف المتراكم في صدري، هذا الثقل الذي تفاقم في روحي حتى اختنقت.
—صِبَا
ما أقسى أن يُكابد المرء لأجل أن يهدأ كلّ شيء، ويبذل جهده ليطفئ عاصفة الشعور، ثم يجد نفسه غارقًا في متاهة أفكارٍ لا مهرب منها، كأنها دائرة مُحكمة، لا نوافذ فيها تُفضي إلى نجاة، ولا باب يُغلق على طمأنينة تخفف لوعة الشعور. هذه مشاعر الظهيرة القاسية، حين تستعر الشمس في السماء وتستعر معها الروح في خلد العاطفة، ويتوسّل القلب نسمة هواءٍ بعيدة المدى، كأنّ الكون تركك على الهامش تحترق وحدك، بهدوء، دون أن يصدر عنك صوتٌ يدلُّ على احتراقك. تشعر أن الحرارة لا تذيب جسدك فقط، بل تذيبك كفكرة، كمعنى، كمَن كان شيئًا ثم صار لا شيء. وكم هي عبثيةٌ المحاولات التي نعيدها في كل يوم، كأننا نأمل أن تختلف النهايات رغم ثبات المشهد.
—صِبَا
حدث أن رأيت الطفلةَ التي كنتُها ذات يوم،
تحدّق فيَّ بعينٍ يملؤها العتبُ والدهشة،
كأنها تبحث في وجهي عن برائتها الضائعة.
تسألني بصوتٍ متهدّجٍ بالشجن:
أهكذا تنتهي الأحلام؟
أهكذا يُطفئ العمرُ ما كان يشبه النور فينا؟
كيف صرنا غريبتين،
لا يجمعنا سوى الحنين،
ولا يفصل بيننا سوى ثقبٍ اتسع في أيامنا السعيدة!
احاول أن أبتسم لها،
لكنّ الشحوبَ يسبقني،
وأهمُّ أن اُجيب،
غير أنّ صوتي يخذلني،
فلا أجد إلّا بقايا ذكرياتٍ صدقتها في لحظةِ وهم،
وكلماتٌ تخاف أن تقترب من هذا الركام العبثيّ في صدري.
أنا التي كبرتُ قبل أن أفهم العالم،
وخسرتُ نفسي في الطريق دون أن ألتفت.
أراها تبتعد عني
بخطًى مضمحلة،
كأنها تعود إلى دروبٍ لم تعد لي
واُدرك — بصمتٍ يشوبه البكاء —
أنني يومَ فقدتُها،
فقدتُ أكثر ما كان حيًّا فيَّ،
وأنّ الطفلةَ التي كنتُها
تاهت في داخلي.
—صِبَا
إلى الذي انتظرته طويلاً حتى نسيت في هذا الإنتظار من أنا.
ضاعت خطوتنا. تهنا. قد كنا يومًا نمسك بأيدي بعضنا. وفي لحظة سعيدة، نثرنا أحلامنا بين الكلمات، وكان بيننا عهد أن لا ننقطع مهما حالت الظروف بيننا، ولكنك قررت الرحيل، لماذا؟ لم أدرك ذلك إلا عندما لمحت آثار انتظارك على وجهي، وجهي الذي كان يملؤه الحب والحياة، دارت عليه الأحزان وأهلكته. قد بكيت مرة لأن صوتك غاب عن ذاكرتي، ومن يومها وأنا أبحث في كل صوت عن بقاياك.. في كل ليلة كنت أمضيها وحيدة.
أتخيل عودتك وابتسم.. فتداهمني ذكرى ذلك الرحيل المفاجئ وتلك الفاجعة التي لم أُشفى منها حتى بعدما صدقت أنك انتهيت في قصتي وأن عودتك تعني أن شعورًا بيننا قد أصبح في طيّ الوجع. لن تصلك رسائلي.
فأنا لا أعرف مكانًا أصل به إليك، فما بيننا ليس رحيلًا بل جرحٌ يأبى الشفاء وخيبة مستقرة في قلبٍ أحبك بصدق، ولا أرجو سوى عودتي إلي، فأنا بانتظاري لأن رحيلك أخذني حتى مني.
الوداع. ألفظها بتلك الطريقة التي تمنيت أن أودع فيها هذا الحب ولا أستطيع الضياع فيه أكثر.
—صِبَا
غافلتني الوحشة في ركنٍ كانت الضحكة تسكنه، كأن الحنان الذي كان يمر من أرجاء هذه الذكرى أبى العودة، أتنقل بين أطياف الأسى لأبحث عن لحظة تعيد وهج عمري، ألتفت بدافع الأمل في كل زاوية، أتمسك بيدٍ لا أراها، بظلٍّ اضمحل في أوقار الوجود، أتلمس وجهي الذي صار وجهًا غريبًا يرفض الانتماء، يمزقني الحنين والتوق إلى السهو، لكن البكاء يخجل مني، أضيع في قتام الوجوم، في غمامٍ يغشى ذاتي، وفي فكرةٍ مفقودة. أبحث عن فراغٍ ليس لي فيه مكان، عن أثرٍ أستعيد به نفسي الغائبة، عن صدىً يعيد لي صوتي الذي ضاع في غياهب الصمت، أسير كمن ترك شيئًا خلفه ولم يعد يتذكره، يفتّش عنه في الذكرى، في الضياع، في الملامح المنسية، ولا يجده، كأنني أفتقدني دون أن أعرف كيف كنت، وكلما اقتربت مني، ابتعدت، وكلما حاولتُ أن أرمّم نفسي، اكتشفت أن الشروخ لن تشفى وستظل عالقة في الحنين، وفي الرغبة بأن أكون أنا مرة أخرى بلا خوفٍ ولا ارتباك، تتكاثر الأيام حولي ولا اُزهر، تمرّ اللحظات ولا أنتمي، أفتح يديّ للعالم فلا يعود منها شيء، تتدافع الأصوات في رأسي كأنها تريد إخراجي منّي، ولا مخرج.. سوى هذا الركن الذي كلما جلست فيه، نسيت كم منّي ما زال ينتظر أن يُلمّ.
غافلتني الوحشة في ركنٍ كانت الضحكة تسكنه، وغدوتُ أنا ذلك الركن.
—صِبَا
لكنني كنتُ وحدي، لا يشاركني أحد رؤية ما تختبئ وراء الأشياء من حقيقةٍ مشوّهة. فكلُّ شيءٍ يبدو للآخرين بريئًا، أمّا أنا فكنتُ أرى القبح يتسلّل خفية، متنكرًا بابتساماتٍ زائفة، متخفّيًا وراء وجوه الطهارة. كأنّ العالم بأسره تآمر على حجب ما هو حقّ عني، ومع ذلك كنتُ يقِظةً حدّ الفزع؛ يداهمني حدسي كلما تغافلتُ عن شعورٍ ما، ويربك اليقين في داخلي. كلّ ما حولي مُلطّخ، وكلّ براءةٍ مزيفة تحفر في أعماقي حفرةً من اليأس، تجعلني أتوه بين الرغبة في الفرار والرهبة من البقاء. صارت الحياة كلها مسرحًا للخداع، وأنا وحدي خلف الستار، أشاهد السوء وهو يختبئ وراء الأقنعة.
—صِبَا
مرحبًا يا صديق البكاء، مرحبًا، وقد طال الغياب حتى تلاشى المعنى، هل ما زال قلبك يعرفنا؟ قسوتُ على نفسي في الأشهر الأخيرة، تظاهرتُ أن الوجع مجرّد شعورٍ عابر، ونسيتُ – بين طيات هذه القسوة – لذّة الحنان. تجولتُ في الذكرى كالشريد، أبحث عن لحظة وحدةٍ تُطفئ لوعة الحزن، لكنّ الغربة داهمتني وأنا أحاول إيجاد معنى، أوجعني الرجوع إلى رفوفنا المنسيّة، كما أتعبني هذا الرحيل الذي لا ينتهي.
يؤلمني أن أقف على عتبة التساؤلات بحرقة.. إلى أين سأصل؟ وهل الوجهة التي أسعى إليها تنتظرني فعلًا؟ أم أنني سأبقى رحّالةً، أجرّ هزائمي طيلة عمري؟ لقد كنتُ أدور في نفس المكان الذي جمعنا ذات غفلة، ابتسمتُ بملء الحسرة، لكن لم يسعني البقاء، فالغياب كان يناديني، وأنت لستَ هنا، والجرح أكبر. أين أنت؟
هل ما زلت تذكر القلب الطفولي الذي أحبك حبًا لا مشروط، أم أنك نسيته كما الأشياء التي لا يسعك تذكرها؟ لا أرجو عودة، ولا أسعى لشعلة الشعور أن تمرنا مجددًا، لكنني أفتقدني معك، ذلك الافتقاد الذي يطحن جوى روحي، أفتش عن عمري الذي قضيته في رجاك، أفتش عني بين أيامنا المنسية، وعن الحب الذي تُرك على هامش العاطفة، ولا أجدني. وفي النهاية أغلقُ باب ذكرياتنا برفق، أتركها كما هي، كأنّي لم أعد أنتمي إليها.
فإن مررتَ يومًا بظلّي، لا توقظه، دعه ينام في غربته، دعه يترنّح على أطلاله. أنا لم أعد أترقب خطاك، ولا أستجدي حضورك، فالغياب عندي أصبح هو الوجه الأصدق للأشياء، والخذلان صار معلمي الأول. وإن كان لي من رجاء، فهو ألّا يلتفت أحد إلى ندائي، حتى يظل جرحي ساكنًا لا يفضحه صدى.
—صِبَا
كبرت وأنا أحمل فكرة واحدة لم تتغيّر: أنّ الأشياء التي أحبّها لن تكون لي، وأنّ امتلاكها مجرّد وقت قبل أن تتلاشى مثل الأحلام. هكذا صرتُ أنظر إلى كلّ شيءٍ بعين الفقد، أنظر للحبيب وأحس بالكمد يملأ روحي، كأن شيئًا ما سيقف دومًا بيننا كسورٍ صامت. ثمّة حزنٌ وجروحٌ مخفية خلف سهولة إفلات كلّ ما أحببت، خسارةٌ تنتظرني وحسرةٌ تتوغل في أزقّة قلبي، حتى الهواء الذي أتنفّسه مشبعٌ بالغياب. لا شيء لي..حتى أنا.
أحيانًا أغمض عيني لأتوهّم أنني في مكانٍ آخر، بعيدةً عن كل ما يعذبني، لكن الذات تصرّ على البقاء، على مواجهة الفراغ، فتعود إلى أصغر تفاصيل الحياة التي تجرحني يوميًا، وأنا واقفة هناك، نصفُي ضائع، ونصفُي ينتظر شيئًا لن يأتي.
—صِبَا
"أنا امرأةٌ تُحرجُ الصبرَ بالصبرِ
حتى تعود السهام إلى قوسها
ويعتذر الجرحُ قبل الألم!
وتصفح عن كل ذنب وتنسى
وعن كل سهوٍ وعن كل إثم
ولكن لها كبرياءٌ عظيمٌ
إذا خنتَه خنتَ كل القِيَم!"